الحياة مليئة بالقبح لكنها جميلة في ذات الوقت، ونحن بحاجة يومية لجرعة من الجمال، لشيء ملون يذكرنا دائماً أن الأيام ليست رمادية، والفن بكل أشكاله، الموسيقى، والرسم، والسينما، ما هي إلا أدوات، تساعدنا في العودة إلى إنسانيتنا بل والارتقاء بها.. لذلك حين تُحجب الفنون والألوان والموسيقى يصبح العالم مجرد مصنع إعادة تدوير كئيب. والخيال عالم مليء بكل ما لا يمكن أن نفهمه أو نعيشه، لكنه قد يساعدنا في تحسين تجربة الواقع، شاهدت هذا الاسبوع الفيلم المصري (ولنا في الخيال .. حب ) وأحببت أن أكتب عن هذه التجربة السينمائية المبهجة، والتي لا يمكن اختزالها في حكاية حب، بل هو عالم من الألوان والموسيقى والمشاهد الاستعراضية التي تجعلك منتبهاً للفيلم بكل حواسك، و أرى فيه تجربة رائعة، ومحاولة بث روح الجمال وحب الفن على غرار فيلم بحب السيما، الذي يكشف أثر الفن على النفس البشرية ومدى تأثير الجمال عليها. «ولنا في الخيال … حب» هو فيلم مصري يجعل من الفن بطلاً للفيلم، هناك الكثير من الأفلام التي نشاهدها ونستمتع بالحكايات والقصص التي تشبهنا من خلالها، أو نندمج معها، لكن هناك نوعية من الأفلام تشاهدها بكل حواسك، ولهذه الفئة ينتمي فيلم ( ولنا في الخيال .. حب ) وبعيداً عن القصة نجح الفيلم في صنع تجربة سينمائية نظيفة وممتعة بصرياً وسمعياً، لتقود المشاهد لحاله شعورية قبل أن تقوده إلى حدث درامي، وأكثر ما جعلني أصفق للفيلم هويته البصرية، متعة الألوان وجمال الديكور، الاضاءة والاستعراضات، الدفء الذي نفتقده في السينما مؤخراً، الروح التي تحتفي بالأمل والشباب.. كل شيء مختار بعناية ليعكس العالم الداخلي للشخصيات، والجمال الذي يتركه الفن في العالم، وكأن الفيلم عبارة عن لوحة لا مجرد عرض سينمائي متحرك، ولأن الفيلم ببساطة ليس قصة أو أحداث بل هو فيلم يميل لأن يكون من نوعية الأفلام الموسيقية، والموسيقى هي القلب النابض للعمل، فهي تمنح المشاهد إيقاعها ومعناها، وقد نجحت في حمل المشاعر دون إفراط أو ابتزاز عاطفي وكأنها جزء من السرد لا مجرد مرافق له، أما حركة الكاميرا، فبدت واثقة وانسيابية، تتقدم مع الشخصيات وتلتف حولها دون استعراض مجاني، مانحة المشاهد إحساسًا بأنه يعيش اللحظة لا يراقبها من الخارج و هذه الحركة، مع الإيقاع الهادئ للمونتاج خلقت تجربة بصرية متدفقة يصعب الانفصال عنها، ويبرز أيضًا الوعي العالي بتكوين الكادر فلا تبدو اللقطات عشوائية، بل أشبه بلوحات مصممة بعناية، حيث تتوازن الألوان والفراغات والعناصر داخل الصورة لتمنح كل مشهد قيمة جمالية مستقلة، إنها سينما تؤمن بأن الكادر ليس مساحة لاحتواء الممثلين فقط، بل لغة كاملة تنقل المعنى قبل أن تنطق الشخصيات بكلمة واحدة، ولعل هذا التكامل بين الإضاءة، وحركة الكاميرا، وتكوين الكادر هو ما منح الفيلم هويته البصرية الخاصة، وجعل مشاهدته أقرب إلى تجربة حسية، حتى في اللحظات التي يتراجع فيها الحدث أمام جمال الصورة. أما آداء الأدوار فقد تم اختيار أدوار الممثلين بشكل ممتاز، وأبدع كل من “أحمد السعدني” و”ميان السيد” و” عمر رزيق “ والذين منحو الشخصيات قدر كبير من الانسجام والتوافق مع نبرة الفيلم الحالمة، ولم نشعر أن الآداء منفصل عن عوالم الفيلم البصرية، بل كان هناك تناغم شديد وكأن الجميع يعزفون المقطوعة نفسها، الهوية البصرية والسمعية للفيلم جعلتني استدعي تجربة “فيلم لالاند”، رغم اختلاف القصة إلا أن الشيء المشترك بينهما هو الإيمان بالفن واليقين بأن السينما فن قادر على تحويل الواقع إلى حالة شعرية، من حركة الكاميرا بخفة، إلى الموسيقى و الألوان التي اصبحت وسيلة جمالية ناطقة، وهنا يظهر التأثر الواضح بلغة السينما العالمية لكن بنكهة وروح مصرية جميلة وبسيطة، ورغم أن الفن لا يغير العالم بالضرورة لكنه بالتأكيد يغير الطريقة التي ننظر بها للعالم، الموسيقى التصويرية في الفيلم من تأليف “خالد حماد”، وهو من أبرز مؤلفي الموسيقى التصويرية في السينما المصرية، وهذا الاختيار ليس مفاجئًا؛ فخالد حماد يمتلك أسلوبًا يعتمد على اللحن العاطفي الواضح أكثر من الاعتماد على الموسيقى الضخمة أو الاستعراضية، ولذلك تجد أعماله غالبًا تمنح المشاهد حالة وجدانية دون أن تطغى على الصورة، ومن أبرز أعمالة الموسيقية موسيقى أفلام(أوقات فراغ) و (واحد صفر) و (الفيل الأزرق) و (تراب الماس) و (الفيل الأزرق )2 وجميعها أفلام مهمة وعلامات في السينما العربية، والفيلم من إخراج “ سارة رزيق” وعملت سارة كمساعد مخرج منذ عام 2009 في أفلام ومسلسلات وإعلانات، مع عدد من المخرجين البارزين من بينها فيلم (فتاة المصنع) عام 2014 ويُعد فيلمها “ولنا في الخيال… حب؟” أول فيلم روائي طويل لها كمخرجة وكاتبة. الفيلم يعتمد على ما يسمى “السينما التي تروي بالصورة” أي أن كثيرًا من مشاعره تُنقل عبر التكوين البصري، وحركة الكاميرا، واللون، أكثر مما تُنقل عبر الحوار، في النهاية، يذكّرنا و”لنا في الخيال حب” بأن الفن ليس هروبًا من الواقع بقدر ما هو محاولة لفهمه والنجاة من قسوته، وبين موسيقاه الآسرة، وصوره المبهرة، وإيقاعه الرقيق، ينجح الفيلم في أن يجعل من الخيال مساحة إنسانية نقية، نلجأ إليها لا لننسى الحياة، بل لنحبها من جديد، وربما تكمن قيمة الفيلم الحقيقية في أنه يذكّرنا بأن أجمل الأحلام ليست تلك التي تُبعدنا عن العالم، بل تلك التي تمنحنا القدرة على العودة إليه بقلوب أكثر اتساعًا.