في سينما فرح الهاشم، لا تكون المدينة مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى شخصية حيّة لها صوتها وذاكرتها وقلقها وتناقضاتها. من بيروت إلى القاهرة، ومن الذاكرة الشخصية إلى الأسئلة الجماعية، تواصل المخرجة اللبنانية – الكويتية فرح الهاشم بناء مشروع سينمائي خاص يقوم على البحث عن الإنسان داخل المكان، وعن الحكايات الهامشية التي تكشف جوهر المدن. وُلدت فرح الهاشم في الكويت عام 1988، ونشأت بين عوالم متعددة؛ من بيروت إلى نيويورك وباريس، وهو التنقل الذي ترك أثره الواضح في رؤيتها البصرية وانفتاحها على الثقافات المختلفة. تنتمي إلى عائلة ثقافية؛ فهي ابنة الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم والصحفية اللبنانية عواطف زين، وقد صقلت موهبتها الأكاديمية بحصولها على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من أكاديمية نيويورك للأفلام. قدّمت الهاشم أكثر من عشرة أعمال سينمائية تراوحت بين الفيلم الطويل والقصير، وتحركت فيها بحرية بين الوثائقي والروائي، رافضة الحدود التقليدية بين النوعين. في بداياتها لفتت الأنظار بفيلم “7 ساعات”، الذي حقق حضوراً دولياً بارزاً، فنال ثلاث جوائز عالمية، منها جائزة أفضل فيلم قصير في المهرجان الأوروبي في باريس، وجائزتا أفضل سيناريو وأفضل تمثيل في مهرجان المرأة المستقل في كاليفورنيا، كما جال أكثر من 31 مدينة عالمية، وعُرض ضمن الأفلام الفائزة في قسم الأفلام القصيرة في مهرجان كان. أما فيلم “لا فريز” فشكّل محطة مبكرة أخرى في مسيرتها بعدما عُرض في صالات استوديوهات يونيفرسال في كاليفورنيا عام 2012، بينما جاء فيلم “ترويقة في بيروت” (2015) ليكشف بوضوح عن ملامح عالمها السينمائي الخاص، حيث مزجت بين السيرة الذاتية والوثيقة، وبين اليومي والشعري. ففي رحلة بحثها عن بيروت، تحاور الهاشم شخصيات من الوسط الفني والثقافي، من بينها الممثل عبد الرحيم العوجي، والمخرج محمود حجيج، والممثل بديع أبو شقرا، كما تنسج خيطاً سردياً حميمياً مع الممثلة ناتاشا شوفاني، فتغدو العلاقة بين الصديقتين مدخلاً لاكتشاف مدينة مليئة بالتناقضات والأسئلة. في هذا العمل، تبدو كاميرا فرح الهاشم مترددة عمداً بين الاقتراب والابتعاد؛ تارة تدخل إلى المساحات الخاصة للشخصيات بلغة بصرية حميمة، وتارة تأخذ مسافة أقرب إلى المراقبة والتوثيق، في انعكاس للتوتر بين عالم المخرجة الذاتي وعالم المدينة العام. استمرت هذه العلاقة العضوية مع المدن في أعمال لاحقة مثل “بيروت برهان” (2022)، الذي تناول سيرة المخرج اللبناني الراحل برهان علوية، وحصد جوائز في مهرجانات عربية ودولية، ثم “رصيف بيروت” (2024) الذي عاد إلى المدينة بوصفها مساحة للذاكرة والتحولات. وفي أحدث أعمالها “هرتلة في القاهرة” (2025)، بلغت تجربة الهاشم مرحلة أكثر تحرراً وتجريباً. اختارت أن تطرح الفيلم على منصة يوتيوب خارج قاعات العرض التقليدية، ليحقق قرابة 250 ألف مشاهدة خلال شهر واحد، في تجربة تطرح سؤال العلاقة الجديدة بين السينما والجمهور. في هذا الفيلم لا تزور فرح الهاشم القاهرة كسائحة، بل تدخل في حوار مفتوح معها. تحمل كاميرتها وتسير في شوارعها ومقاهيها، تستمع إلى موسيقاها، تستحضر تاريخها السينمائي والفني، وتسأل سكانها عن الحرية والسياسة والهوية والحرب والأحلام. تتحول “الهرتلة” هنا، بمعناها القائم على التدفق العفوي للكلام والأفكار، إلى منهج سينمائي كامل؛ فالفوضى الظاهرة تصير شكلاً من أشكال المعرفة، والارتجال يصبح وسيلة لاكتشاف حقيقة المدينة. تتحرك الكاميرا كما تتحرك القاهرة نفسها: بلا مسار صارم، لكنها تحمل من الداخل إيقاعاً خفياً. الشوارع والأزقة والمقاهي ووجوه المارة ليست ديكوراً بصرياً، بل عناصر فاعلة في السرد، تكتب المدينة من خلالها سيرتها بنفسها. ما يميز تجربة فرح الهاشم في النهاية هو قدرتها على تحويل السينما إلى فعل إصغاء. إنها لا تفرض على المكان تفسيراً جاهزاً، بل تتركه يتحدث بلغته الخاصة. ولهذا تبدو أفلامها أقرب إلى يوميات بصرية أو رسائل حب إلى المدن العربية، مدفوعة بالحنين والفضول والرغبة الدائمة في اكتشاف الإنسان وسط ضجيج المكان. إنها سينما تبحث عن الحقيقة في التفاصيل الصغيرة، وعن الشعر في الفوضى، وعن ذاكرة المدن في أصوات سكانها. ولذلك استطاعت فرح الهاشم أن تخلق لنفسها مكانة مميزة بين الأصوات السينمائية العربية الجديدة، بوصفها مخرجة تجعل من الكاميرا أداةً للسؤال أكثر منها وسيلةً للإجابة.