عرفت الدكتور ابراهيم بن عبدالله بن ابراهيم المنيف عام 2000 إذ كنت اعد لإصدار كتاب عن عمه الروائي عبدالرحمن منيف، وكان من المصادفة أن كنا نسكن في حي واحد (الربوه) زرته وزارني واطلع على ما جمعته من مراجع عن عمه كتبها أو كتبت عنه فأخذها معه ورتبها وصدرها ووضعها بثلاث ملفات كبيرة وأعادها - ومازلت محتفظاً بها. عرفت منه كثيراً من المعلومات الخاصة بالعائلة وترحالها بدءاً بجده إبراهيم من قصيبا بالقصيم فالعراق فالشام وأخيراً استقر وتوفي بعمان بالأردن 1936. صدرت سيرته عن دار مدارك عام 2013 تحت عنوان: (النفط .. الطفرة .. الثروة خمسون عاماً في الإدارة التنفيذية) بـ 580 صفحة، اهداها إلى أحفاده قائلاً: «إلى أحفادي .. سيرتي الذاتية، كما أبناء جيلي، حاولت تدوينها لتكون ذكرى للمعاناة التي مررنا بها وآبائنا، لنصنع لكم مستقبلاً أنقى وأرقى». قال إنه «.. أبصرت النور بعمان في الثاني عشر من شهر مايو (أيار) لعام 1940 مع إبداء الحرب العالمية الثانية ... عشت مدللاً للعائلة، لأنني الأول بين اثني عشر ولداً وبنتاً..». إذا تجاوزنا طفولته وتعليمه الأولي بالأردن وبداية عمله كمبتدئ في تخليص البضائع لدى (المديفر) بالحدود الشمالية (طريف)، ثم بحثه المضني عن عمل بالرياض والدمام وجدة، عاد للرياض وبدأ البحث والمشاركة في المسابقات الوظيفية التي يعلن عنها في الوزارات ولم يوفق إلا أنه وبالصدفة قابل شاباً كان يدرس معه بالأردن وكان يعمل في البنك العربي وهو يهم بتقديم استقالته لرغبته الالتحاق بكلية الشرطة بمكة، فتوسط له ليحل محله بالبنك فتم تعيينه براتب أساسي (200) ريال وبدل غلاء معيشة (200) ريال وبإجمالي راتب شهري (400) ريال، وليذكر زيارة مؤسس البنك - عبدالحميد شومان - لفرع الرياض واحتفاءهم به، وعندما وقف بالقرب من مكتبه ووجد بعض الدبابيس متناثرة في الأرض قال بصوته الجهوري : ما هذا التسيب في نثر الدبابيس.. إن لها قيمة مادية وتعود لمساهمي البنك من أرامل وورثة وأيتام، ولا يجوز أن نتركها بهذا الشكل. فاعتبرها درساً لن ينساه. كتب عن زيارته لبلدة أجداده (قصيبا) بمحافظة عيون الجواء بالقصيم، وتعرفه على من بقي من أقاربه ممن لم يرحلوا أو يفتك المرض المميت بالبقية الباقية. ولكونه يكتب ويأكل بيده اليسرى فقد اشترى من الصيدلية لفافة قماش ليربط بها يده اليمنى حتى لا يستنكر عليه. وصله خطاب من والده بالاردن يبلغه أن عمه - عبدالرحمن - قد حصل له على بعثة دراسية بجامعة يوغوسلافيا فترك عمله بالبنك وسافر فوجد أن عمه قد تخرج فعاد مرة أخرى ليعمل في شركة (التابلاين) بطريف وبراتب (610) ريال ولاكتسابه مهارة في الإدارة والحسابات في البنك فقد عين في قسم المحاسبة، إذ هو السعودي الوحيد بين اللبنانيين والفلسطينين، وكان تعامل الرؤساء الأمريكيين وبعدهم الهنود بتعال وبالذات على العمال السعوديين فعلامات التفرقة العنصرية حسب الجنسية والدين واضحة. وإن الوظائف العليا محصورة بهم يليهم اللبنانيون والهولنديون ليأتي السعودي بالمرتبة الدنيا رغم وجود من برز منهم مثل: لافي نايف، وحمود نزال، اللذان وصلا إلى مرتبة مساعد ناظر محطة وبراتب لا يتجاوز 2000 ريال بينما راتب من يماثلهم بالوظيفة من الأمريكيين يصل إلى 12 ضعفاً رغم عدم تأهليهم. وتحدث عن بداية المقاول سليمان العليان وعن سائق (الكنورث) عبدالله الخضري الذي اختلف مع رئيسه الأمريكي فاستقال ليصبح من كبار المقاولين. كان عمله متنقلاً بين محطات الضخ في المدن التي انشأتها التابلاين: طريف، عرعر، القيصومة، رفحاء وغيرها. وعند زواجه طلب الاستقرار في إحدى هذه البلدات، فرغم أنه أصبح مديراً للمحاسبة ورئيس مكتب محطة لم يتحقق له ذلك فقدم استقالته بعد ست سنوات عمل (61 - 1966) والذي يعترف أنه تعلم منها الكثير في أسس المحاسبة المالية ومبادئ الإدارة بالعمل والدراسة بما لا يقل عن 12 ساعة يومياً واعترف باستفادته من ثلاثة: موسى شكري صلبان الفلسطيني، وغرم الله عبدالله الغامدي، وعذيب مطلق الرويلي. وقد زاد راتبه من 610 ريالات إلى 1260 ريالاً. يقول ان عدد العمال السعوديين في التابلاين 800 موظفاً لم يصل منهم للوظائف العليا سوى ثلاثة. وبعد هزيمة 1967م توقف ضخ البترول إلى صيدا بلبنان فاغلقت الشركة أعمالها نهائيا، فنجده يتحسر على المنشآت والمعدات ومحطات الضخ والتوربينات الغازية ولماذا لم يتم تحويلها إلى إنتاج كهرباء وغيره؟ ولماذا لم يستفد من أربع محطات تتوفر فيها كل مقومات الحياة؟ ولماذا لم يستفد من المساكن والمباني التي أقامتها الشركة لعمالها؟ سواء للمواطنين أو للنازحين العراقيين أثناء حرب الخليج الثانية؟ اتضح أن خط التابلامن أدخلته وزارة الثقافة ضمن التراث الصناعي، جاء للبحث عن عمل بالرياض فوجد إعلاناً لوظيفة (مساعد مدرس لغة انجليزي) بالمرتبة الخامسة بمعهد الإدارة وكان يشترط في المتقدم أن يكون جامعياً.. فحمله طموحه لمقابلة مدير المعهد ليقول: «لم أقابل من قبل قائداً وشخصية عامة محورية قبل ذلك مثل هذا القائد الأستاذ فهد الدغيثر في مكتبه الكبير، والذي لم أنتظر لمقابلته إلا دقائق معدودة، وهذا كان وما زال شيئاً نادراً، عندما دخلت مكتبه كان من دون غترة وعقال!! لا شك أنه أبهرني بلطفه وبأسئلته الذكية عن تمكني من اللغة الإنجليزية. أذهلني تواضعه وسرعته في اتخاذ القرار الذي قدمه باتصاله مع مدير عام الشؤون المالية والادارية آنذاك صالح العمير، الذي وجهني إلى مدير شؤون الموظفين آنذاك محمد الطويل، وفي اليوم نفسه توجهت لإجراء الفحص الطبي في مستشفى الشميسي..» وقال إنه لن ينسى مقابلته للدغيثر.. وأنه فوجئ بقدراته اللغوية فصدر قرار تعيينه في اليوم نفسه.. ولم يمكث بهذه الوظيفة سوى ثلاثة أشهر.. بعدها تم تعيينه أميناً عاماً لمكتبة المعهد حديثة العهد، ولمدة ثلاث سنوات متتالية ولم ينس من عمل معه على تأسيس وبناء وتكوين هذه المكتبة الرائعة هم: أحمد المعجل، وعبدالله ناصر العوهلي، ومصطفى السدحان وعبدالرحمن الجويرة. ويعود مرة ومرات للتحدث عن رئيسه قائلاً: «إنه كان شاباً يافعاً ممتلئاً بالحيوية والنشاط. يحضر إلى العمل قبل أي موظف قبل السابعة صباحاً، ويدور يتفقد الجزء الرئيس بقاعات التدريب، ويزور الموظفين في مكاتبهم، ويكتب لكل موظف غير موجود ورقة صغيرة مليئة بالمعاني والتذكير وهي: صباح الخير ويذيلها باسمه. كان قائداً إدارياً بصرامته وصراحته وعطائه..». زودني بـ (استمارة مؤلف) عندما كنت أعمل بمكتبة الملك فهد الوطنية ذكر بها ملخص لسيرته التعليم: دبلوم المحاسبة وإدارة المكاتب من الجمعية الأمريكية للمحاسبين القانونيين عام 1965 بكالوريوس وماجستير إدارة أعمال - جامعة تكساس التكنولوجية بدرجة الشرف عامي 1972 و1973 ودكتوراه إدارة الأعمال - جامعة إنديانا عام 1977. قال إنه بدأ العمل من عام 1960 كاتب حسابات بالبنك العربي بالرياض، تنقل بعدها لشركة التابلاين، فمعهد الإدارة العامة، فمدير فرع المعهد بجدة، فمدير عام صندوق التنمية العقاري، فالرئيس العام لشركة كهرباء المنطقة الوسطى، فالرئيس العام لمجموعة شركات المشاريع، ومدير عام التطوير والإدارة بمجموعة الموارد. إضافة لعضوية مجالس إدارات شركات وبنوك، ولجان حكومية، والتدريس بالجامعة ومعهد الادارة، وجامعة الأمير نايف، والإشراف على 15 رسالة ماجستير وغيرها. وذكر احدى عشر عنوانا من مؤلفاته، واصداره لمجلة (المدير) من عام 2001 وحتى الآن، ترجم له بـ (موسوعة الشخصيات السعودية لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر) ج2، ط2، 2013، وذكر في ختام سيرته أنه (عضو غير متفرغ بهيئة حقوق الإنسان 2006. له من الأولاد اثنان: طارق ومحمد ومن البنات أربعة: مناف، وأثلة، ورشا، ورُبى. كان آخر حياته يتعالج في المستشفى التخصصي. وفي زيارة له إلى كوريا الجنوبية تعرض لوعكة صحية استدعت دخوله المستشفى حيث وافته المنية هناك، بشهر ابريل 2014 رحمه الله.