مصر والأرجنتين

«كنت أريد من محبي القراءة أن يتخلصوا من خوفهم من كرة القدم ، وأن يتخلص مشجعو كرة القدم من خوفهم من الكتب»؛ هكذا قال إدواردو غاليانو، كاتب كأس العالم الذي علق على بابه لافتة مكتوباً عليها أنه مشغول لمدة شهر لمشاهدة المونديال، وهو صاحب الكتاب المشهور (كرة القدم .. بين الشمس والظل). وكأني به لو كان حياً وشاهد مباراة مصر والأرجنتين لقال : (لقد ارتكب منتخب مصر خطيئة الاقتراب من الكبار، وجريمة إحراج أصحاب المجد والتاريخ، ثم اقترف الجريمة الأعظم: أنه جعل الأرجنتين تدرك أن القميص وحده لا يفوز، وأن المباراة تُحسم في المستطيل الأخضر لا في صفحات الماضي) . لقد خرجت هذه المباراة بمكاسب كثيرة لا يمكن نسيانها على أصعدة متعددة : جماهيرياً، ورياضياً ، واجتماعياً ، ووطنياً ، والأجمل من ذلك تلك الوحدة بين الشعوب العربية تجاه مصر، ولأول مرة يتفق العرب على أن المباراة سُرقت من المنتخب المصري، ناهيك عن تلك الإبداعات الصادرة من المشاهيرفي الغرب والشرق وعند العرب ، وتلك السخريات التي فرّجت همومنا ونفّست كروبنا مما أصابنا في تلك المباراة . ونعود لغاليانو وجمال تعبيره حينما جعل كرة القدم بين الظل والشمس، وهو الذي كان يتمنى في صباه أن يبرز بقدميه، ولكن القدر وجّهه ليديه (بالكتابة). وتأبى اجتماعية غاليانو إلا أن يجعل مباراة كرة القدم ساحة بين الخير والشر، وهو يرى أن الرياضة إذا دخلت عليها الرأسمالية حوّلتها من متعة إلى نقمة، وكان هذا رأيه عام 2014م، فكيف لو رأى كأس العالم 2026م ؟ إنني أخشى أن يخرج من قبره ساخطاً.. فلا تخبروه ! لقد وصف غاليانو ميسي سابقاً بـ «الوغد المتوحش» الذي يركض وحده في المرعى ويستمتع دون النظر إلى الآخرين (إشارة إلى أنانيته الفنية بالكرة)، ولقد رد أحد الكتاب عليه الصاع صاعين؛ وذلك لأن غاليانو أثنى على «سواريز» حينما رد الكرة بيده أمام غانا وسماه (الجنون الوطني)، فقال لغاليانو: بل أنت اليوم (الوغد الأدبي)؛ نكاية بذمه لميسي . ويصف غاليانو بعض الانتصارات في كرة القدم بـ (السرور المؤلم). ولعل هناك نظرة فلسفية للملعب ودور كل لاعب؛ فمع أن كرة القدم تجلب الفرح والسعادة، إلا أنه نادراً ما يخرج الطرفان متراضيين. أما أدوار اللاعبين فمع ما فيها من متعة، إلا أنها تقسو على آخرين؛ فالحارس في نظرية غاليانو محكوم عليه بالنظر من بعيد وتحمل المسؤولية من قريب، والحكم مأكول مذموم، أما الكابتن فله الحق في التوزيع والترتيب والتخريب، وهذه أنانية تنافي روح الجماعة في الملعب لا في العقل . وقد يقول قائل: لماذا هذا الولع والهوى بكرة القدم؟ ولقد خلص الباحثون إلى أن سبب المتعة لجميع الناس ـ على اختلاف أعراقهم، وأجناسهم، ومللهم، وصغارهم، وكبارهم ـ هو الديناميكية العالية فيها، وعدم الاستقرار، وغياب القاعدة الثابتة للعب، وحدوث المفاجآت، مما يبقي الأمل معلقاً وانتظار الفرج قائماً . أما لسان حال الأطفال الذين يقابلهم غاليانو في الحواري وملاعب الصبيان بعد أن تنتهي حصتهم التدريبية؛ فإنهم يخاطبونه ببراءة الطفولة : (ربحنا أو خسرنا.. لن تتبدل متعتنا. متعتنا تبقى كما هي.. سواء خسرنا أم ربحنا) .‏