عام الذكاء الاصطناعي ..

رهان المستقبل .

يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أهم قضايا المستقبل، ومحورًا رئيسًا في سباق الدول نحو الاقتصاد المعرفي والابتكار والتنافسية. وفي هذا السياق، جاءت موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، تعبيرًا عن الاهتمام الوطني المتزايد بهذا المجال، وامتدادًا لجهود المملكة في ترسيخ مكانتها مركزًا عالميًا للبيانات والذكاء الاصطناعي، في إطار رؤية المملكة 2030. ويعزز هذا التوجه انعقاد القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الرياض، تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي -حفظه الله- خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر 2026م، وبمشاركة نخبة من صناع القرار وقادة التقنية والخبراء من مختلف دول العالم، في تأكيد على مواكبة المملكة التحولات التقنية، والإسهام في صياغة مستقبلها عالميًا. وفي هذا السياق، يتناول هذا الملف واقع الذكاء الاصطناعي، ويستعرض ما تمتلكه المملكة من مقومات وفرص، ويحاول الإجابة عن سؤال المرحلة: كيف تتحول الإمكانات السعودية إلى ريادة عالمية في الذكاء الاصطناعي؟ توطئه: يُعد الذكاء الاصطناعي ( AI ) من أهم التطورات التكنولوجية، بل يعتبر ثورة علمية جديدة في العصر الحاضر. وبإيجاز تعود أهمية الذكاء الاصطناعي إلى العديد من الفوائد، فهو يهدف إلى تحسين الكفاءة ويمكنه معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة ودقة عالية، مما يعزز الإنتاجية ويدعم اتخاذ القرارات، ويساعد في تحليل البيانات، وتقديم توصيات مبنية على الأدلة. أما في البحث العلمي فإنه يساعد في تحليل البيانات الكبيرة والنمذجة العلمية، والترجمة الآلية للدراسات والأبحاث بين اللغات، مما يعزز انتشار العلم والمعرفة بين الأمم، وتطوير تجارب التعليم وتحسينها في المدارس والجامعات. وعلى نفس القدر أصبح الذكاء الاصطناعي من أهم الأدوات الطبية العديدة وتحسين الرعاية الصحية، وذلك في تشخيص الأمراض بدقة وسرعة، وتطوير الأدوية اللازمة، إضافة إلى استخدام الروبوتات المساعدة في الجراحة. كما يزيد من كفاءة السلامة والمراقبة في كافة جوانب البنية التحتية الأمنية والمدنية مثل، الطاقة والكهرباء والماء والاتصالات والمواصلات، والخدمات المالية، وتحسين النظام البيروقراطي في الدقة وسرعة الإنجاز. وعدا عن الشؤون الأمنية والمدنية، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح من أهم الأدوات في الصناعات العسكرية في الأرض والفضاء، إذ يعتبر في التكنولوجيا الحديثة من أهم الوسائل التي غيرت شكل الحروب والعمليات العسكرية الحديثة. ولعل من أهم استخداماته تحليل البيانات والمعلومات الاستخباراتية بسرعة ودقة عالية، وتطوير الأنظمة الذكية مثل الطائرات المسيرة والصواريخ والروبوتات العسكرية، علاوة على تحسين إدارة استراتيجيات الحرب في الدفاع والهجوم ... الخ. ولقد أصبح من أهم الوسائل الخطرة في الحرب السيبرانية نتيجة لقدرته على اختراق المنشآت العسكرية والدفاعية والأمنية والمدنية والأجهزة الكثيرة، بما فيها ما يخص الأفراد. السعودية والمرحلة الجديدة في الذكاء الاصطناعي: نظرًا للأهمية القصوى للذكاء الاصطناعي، قرر مجلس الوزراء في جلسته 15/3/2026م، بالموافقة على تسمية عام 2026 على أنه عام الذكاء الاصطناعي، وذلك حسب رؤية ولي العهد، ورئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، حفظه الله، وتعتبر سدايا (SDAIA) هيئة حكومية أنشئت بأمر ملكي بتاريخ 30 أغسطس 2019م، ويعود هذا القرار إلى مدى الاهتمام الوطني المتزايد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح علماً جديدًا أساسيًا، ويتزايد تطوره في كل فترة، ويؤثر على جوانب الحياة. وتقود “سدايا” هذه الجهود المتواصلة بهدف تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي وتطوير البنية التحتية الرقمية، والاستثمار في التقنيات المتقدمة، من أجل التنمية الوطنية وسرعة التحديث وتوظيفها في كافة القطاعات. حاليًا، يشهد العالم تسارعًا غير مسبوق في الثورة التقنية، ولم يُعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساندة لقطاع الاقتصاد، بل أصبح بنية تحتية علمية معرفية تشمل منظومات متكاملة، تهدف إلى رفع كفاءة القطاعات الحيوية وجودة الحياة، مثل: الصحة، والتعليم، والبحث العلمي، والمالي، والأمن والطاقة، والحوكمة الرقمية، والحوسبة السحابية، والتطبيقات الذكية، علاوة على المنظومات العسكرية والدفاعية والاستخباراتية، والتصدي للأخطار السيبرانية العدوانية على كافة القطاعات. وفي ضوء ما سبق، وبصفة قرار عام 2026 عام للذكاء الاصطناعي في السعودية، فمن جهة يعكس القرار وعيًا متقدمًا وإدراكًا استراتيجيًا، ومن أجل استيعاب التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت من أهم مراكز الثقل العلمية والمعرفية. ولهذا، وحسب قاعدة البيانات ومخزونها، فإنه يمكن تحويلها إلى قيمة تحليلية ومعرفية، وقادرة على تطوير النماذج التنبؤية، وابتكار الحلول الجديدة، وبالتالي دعم اتخاذ القرارات والاطمئنان على نتائجها. ومن جهة ثانية، فإن تحديد عام 2026 للذكاء الاصطناعي في السعودية، فإنه يسعى إلى خلق حالة من الحراك الوطني والمشاركة في هذا المجال الحيوي، وكذلك أداة لتحفيز مختلف مكونات المنظومات الوطنية للعمل ضمن إطار استراتيجي وهدف مشترك وموحد. والخلاصة العامة، يعزز الذكاء الاصطناعي الكفاءة، ويقدم حلولاً جديدة مبتكرة لمشاكل معقدة في مجالات متعددة. الميزات النسبية للسعودية: وأيًا كان الحال، فإن السعودية تُعد من أوائل الدول التي وضعت استراتيجية وطنية متكاملة عن الذكاء الاصطناعي، وكما تم ذكره، فقد تمثلت تلك الخطوات الجادة رسميًا في إنشاء سدايا عام 2019 من أجل تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي استراتيجيًا، ولهذا، أصبحت السعودية الدولة الأولى عربيًا في نمو هذا القطاع، بل وحسب مؤشرات ستانفورد باتت السعودية بين أفضل عشر دول رائدة عالميًا في هذا المجال، وهكذا، نجحت في اجتياز هذا النفق، ولكن كيف ولماذا؟ وعمومًا، يمكن القول أن كل الدول صغرت أو كبرت تملك ميزات نسبية تخصها بدرجة أو أخرى. ومع هذا، فإن الأهم يرجع للرؤية السياسية لهذه الدولة أو تلك، وقدرتها على التعرف على الميزات النسبية لديها، وبالتالي العمل على إمكانية توظيفها لصالح دولتها وشعبها. وفيما يتعلق بالسعودية في هذا الخصوص، فإنه يمكن إجمال الميزات النسبية في عدة عناصر، ومنها ما يلي: أولاً: الإرادة السياسية: الجدية المستمرة في ضرورة تحديث السعودية، وإعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها وشعبها، بما يتوائم مع قطاع الذكاء الاصطناعي وحيويته في بناء مجتمع معاصر للقرن الواحد والعشرين. ثانيًا: موقع السعودية وسكانها: تتمتع السعودية بموقع جيو-سياسي، مميز، حيث تقع في أقصى غرب أسيا، فيما بين أسيا وأفريقيا، وقريبة من حوض البحر المتوسط وسواحل أوروبا. وترتبط حدودها البرية مع ثمان دول من جهة الشمال والشرق والجنوب، علاوة على ثلاثة دول من جهة البحر الأحمر والغرب، مصر والسودان وارتيريا، وكذلك إيران من جهة الخليج العربي. كما أنها تقع على أهم ممرين بحريين استراتيجيين هما الخليج العربي والبحر الأحمر. وتعتبر مساحة المملكة واسعة جدًا، ومن أكبر المساحات عربيًا، وهي تمثل حوالي 80% من مساحة الجزيرة العربية. وحسب الاحصائيات، يقدر عدد السكان بحوالي 35 مليون نسمة، يمثل السعوديون 22 مليون من مجموع السكان، ويعتبر 90-93% من سكان الحضر، بينما ما يطلق عليه من بادية قد لا يتجاوز 5-6% على الأكثر. أما معدل النمو السكاني السنوي يصل إلى نسبة 2.40%، ومن المتوقع أن يبلغ عدد السعوديين إلى 40 مليون على الأقل في عام 2035، وتُعد السعودية دولة شابة حيث تمثل الفئة العمرية 15-33 حوالي 70% من السكان. ثالثًا: قاعدة رأس المال الصلبة: القدرة التمويلية لمتطلبات الذكاء الاصطناعي الباهظة، خاصة أن السعودية تشهد معدلات نمو اقتصادي متعدد ومرتفع، مما يشجع الاستثمار واتساع البيئة الاقتصادية. وذلك في ضوء رؤية 2030 علاوة على قوة ومتانة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمملكة، وذلك على خلاف معظم الدول العربية كما يشاهد حاليًا، مع كل الألم والحزن. رابعًا: الاستثمار في رأس المال البشري: تعمل المملكة سريعًا منذ فترة على تبني الحلول الرقمية على نطاق واسع لدى الموظفين والخدمة المدنية والعسكرية والأمنية، والتعليم في المدارس والجامعات والكليات والمعاهد والمراكز. خامسًا: البعثات ومخرجاتها: والأكثر، وبالمقارنة مع بقية الدول العربية، فقد دأبت المملكة منذ عقود، وبصورة استثنائية على الحرص على ابتعاث الطلاب والطالبات في جميع التخصصات العلمية والمهنية إلى أمريكا وكندا وأوروبا وأستراليا، وذلك إلى أفضل الجامعات والكليات والمعاهد. وتتبع تلك البعثات عدة مسارات مثل: برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، بعثات الجامعات السعودية لطلاب الدراسات العليا، ومؤسسة التعليم المهني والتقني، مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وزارات الدفاع والداخلية والبترول وأخرى، إضافة إلى مؤسسات كبيرة مثل أرامكو وسابك ، علاوة على مخرجات التعليم الداخلية المتعددة والواسعة في الجامعات والكليات والمعاهد السعودية. وفي هذا السياق، يحق القول بثقة أن كافة المخرجات العلمية قد أهلت عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات في السعودية، وحيث أصبحت تلك المخرجات كتلة صلبة واسعة، وباتت تمثل جيلاً معاصرًا يعتمد عليه في تحديث المملكة، حاضرًا ومستقبلاً. سادسًا: قدرة المملكة على التكيف الاستراتيجي: ومع التغيرات التكنولوجية والجيو سياسية والاقتصادية، فقد تغيرت مظاهر السيادة والتقليدية، ولم تُعد حصرًا على الدول العسكرية القوية، بل أيضًا على الدولة القادرة على إدارة البيانات الضخمة، وكفاءة الإدارة في شبكات المعرفة والتكنولوجية والطاقة والموارد، علاوة على حماية نفسها من الاختراق السيبراني، وما يتطلب ذلك كله من الدفع في الاستثمارات الكبيرة في التعليم والمعرفة والتدريب للإنسان، وبناء بنية تحتية رقمية متقدمة. سابعًا: طاقة المملكة: تملك المملكة طاقة هائلة ومتعددة من نفط وغاز، ناهيك عن الشمس، مما يجعلها قادرة على توفير طاقة كهربائية رخيصة، خاصة أن منظومة ونماذج الاصطناعي يستنزف كميات كبيرة جدًا من الطاقة الكهربائية الضرورية. وبلا شك، فإن هذه الطاقة الرخيصة لا بد أن تجذب مطوري الذكاء الاصطناعي من شركات عالمية أو سعودية ناشئة وغيرها، إلى التوسع في الاستثمارات، بل والتنافس الشديد بينها بهدف الحصول على أكبر حصة لها في هذا القطاع الواعد جدًا، والذي لا أفق له. ثامنًا: الريادة في الإنشاء والتنفيذ: على الأقل منذ عام 2019 حرصت المملكة على تأسيس وحدات رقمية في أرامكو، وكذلك لدى العديد من الهيئات الحكومية والجامعات وشركات القطاع الخاص، ولا زال التوسع الرقمي مستمرًا وسريعًا في كافة الجوانب ومن ذلك ما يلي: •قامت شركة هيومين (Humain) السعودية، وبدعم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إلى الإعلان عن تأسيس شركة متخصصة بالذكاء الاصطناعي في عام 2024. وتهدف الشركة إلى جعل المملكة مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي، ودعم الشركات والمؤسسات السعودية الناشئة في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى بناء شراكات استراتيجية مع الشركات الكبرى الدولية. وعلى سبيل المثل، تخطط مواقع هيومين لتوفر 6.6 غيغا واط بحلول 2034، وهو ما يعادل إنتاج ستة مفاعلات نووية، كما تسعى لاستيعاب 6% من عبء الذكاء الاصطناعي في العالم خلال السنوات المقبلة، بعدما كانت السعودية تستحوذ على أقل من 1% فقط. •ومن أجل تحقيق هذه القفزة النوعية الكبيرة، قامت المملكة في بناء ثلاثة مجمعات حوسبة عملاقة تستهدف الشركات الأجنبية، بواقع تكلفة أقل من 30% تقريبًا من الولايات المتحدة، وذلك بفضل الطاقة الرخيصة، وتسريع إجراءات البناء. ولهذا تبني المملكة مركز بيانات كبير جدًا بقيمة 5 مليار دولار في شمال غرب المملكة، إضافة إلى مراكز أخرى محاذية على البحر الأحمر، ومن المتوقع أن تدخل الخدمة عام 2028. وكذلك، تقوم فرق البناء في إنشاء موقع قرب الرياض (موقع Data Volt)، أما أمازون فهي في مراحلها الأخيرة في بناء منشأة موازية، علاوة على حفر خنادق الكابلات من أجل ربط الشبكات. •ولتشجيع الاستثمار الأجنبي بالذكاء الاصطناعي، عملت المملكة على تقنين تشريعات قوية لحماية تلك الاستثمارات وتوسعها واستقرارها، ومن ذلك إنشاء “مناطق سفارات بيانات”، حيث تسمح للشركات الأجنبية بالعمل وفق قوانينها الوطنية، حتى تبدد كل المخاوف من البيئة التنظيمية التقليدية السابقة. تاسعًا: المنافسة على الرقائق: ومع ضخامة الطموحات، سعت السعودية منذ سنوات على حصول رقائق متقدمة خاصة من الصين وشركاتها، بل وتعاونت مع الصين في استقطاب شركات صينية لمراكز بيانات تابعة لأرامكو ديب سيك (Deepseek)، كما استثمرت السعودية في شركات صينية رائدة مثل زبيات للذكاء الاصطناعي (Zhipuat)، إضافة إلى التعاون التقني مع الصين في تطوير شبكات الاتصالات وذلك منذ عام 2019. وعلاوة على هذا، أجرت السعودية مفاوضات واسعة مع شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى من أجل استفادة من مراكز البيانات الناشئة التي قيد الإنشاء، كما حصل مع العديد منها في مؤتمر الاستثمار المستقبلي في الرياض عام 2022. ومن المعروف أنه سبق للشركات السعودية أن حصلت على موافقات أولية لشراء آلاف من رقائق أمريكية متقدمة خلال زيارة الرئيس ترامب للرياض في مايو 2017. وعدا عن أهمية الرقائق الأمريكية المتقدمة، إلا أنها كانت رسالة سعودية بهدف إزالة المخاوف الأمريكية عن العلاقة المتنامية بين الرياض وبكين، وعلى اعتبار أن السعودية تحاول موازنة علاقاتها مع الطرفين، وأن السوق الدولي مفتوحًا للتنافس والاستثمار. عاشرًا: معركة المعادن والعناصر النادرة الأرضية: ولهذا، واستكمالاً لهذا الغرض الحيوي، فقد أثمرت المحادثات السعودية مع الولايات المتحدة إلى الاتفاق على مبادرة ثنائية كبيرة وهامة، بشأن استثمار المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، وتلك ضرورة تلبي حاجة الطرفين الأمريكي والسعودي، وبلا شك فإن التعاون في استثمار المعادن النادرة يعتبر عنصرًا استراتيجيًا، سواء للمملكة أو لأمريكا. ومن المعروف أن مساحة المملكة الواسعة تختزن رواسب معادن كثيرة مثل اليورانيوم والثوريوم وما شابه، وكما يعتقد الكثير أن السعودية تحتوي على رابع أكبر الاحتياطات قيمة من العناصر النادرة في العالم. وبالنسبة لأمريكا فإن هذه الاحتياطات المرشحة مهمة جدًا، لأن المعادن الأرضية الأمريكية نادرة ومحدودة، ولا تفي باحتياجاتها الكثيرة لصناعة الأسلحة المتطورة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، كما أنها تظل أساسية للتكنولوجي المدني الحرج من أشباه الموصلات لأغراض متعددة وواسعة، مثل الطائرات والسيارات والسفن المدنية، والطبية والعلمية وغيرها كثير جدًا. وتجدر الإشارة أن من أبرز نقاط الضعف لدى أمريكا في كونها لا تزال تعتمد على الواردات الكثيرة من المعادن النادرة الثقيلة، مما يجعلها لا تستطيع حاليًا التنافس مع الصين خاصة، أو حتى روسيا ... الخ. ولهذا، سارعت وزارة الدفاع الأمريكية بالإعلان أنها سوف تشارك شركة معادن السعودية بتمويل حصة 49% بينما معادن تملك 51%، كما سوف تقوك شركة أم بي ماتريالز (MP Materials) في تقديم الخبرة الفنية. إحدى عشر: التموضع السعودي الاستراتيجي: قادت زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى أمريكا، خلال 18-19 نوفمبر، 2025 إلى تحول أساسي كبير، حيث تُعد نقلة نوعية غير مسبوقة في العلاقات الأمريكية السعودية على مدى 80 عامًا. وتعود هذه النقلة إلى القدرة على توظيف الضغوط الهيكلية السعودية، وكذلك القوة الجيوسياسية والاقتصادية، عربيًا وإقليميًا ودوليًا. ولهذا استطاعت السعودية اختراق كثير من الحواجز الشديدة، وذلك باكتساب تنازلات كبرى من أمريكا، التي كان من الصعب الحصول عليها إلا من قبل قليل من الحلفاء لأمريكا، رغم أنها كانت تحتاج عادة إلى عدة موافقات رسمية من الإدارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي . ونتيجة لهذا التحول الجديد، فإن أبرز دليل هي تلك الاتفاقيات التي تم الإعلان عنها، وكذلك الأخرى التي جرى التوقيع عليها مع مختلف الشركات الأمريكية. وجميع تلك الاتفاقيات كانت أكثر شمولاً للمجال الاقتصادي والصناعي الاستثماري، والاستراتيجي والدفاعي والأمني. وفي هذا الصدد، يجدر التأكيد أن ولي العهد نجح في تطوير تلك الشراكة والتعاون بصورة فعالة، بالرغم من ضغط ملفات دبلوماسية وسياسية حساسة. ولهذا، لم تعد اسطوانة التطبيع مع الكيان “الإسرائيلي” ذات ذكر أو أهمية كما هو السابق، حيث لم يعد لأمريكا النفوذ والتأثير بالضغط على السعودية في هذه المسألة. اثنا عشر: الأمن والدفاع: وعلاوة على أن الاتفاقيات شملت الذكاء الاصطناعي وتقنيته، والحصول على كثير من الرقائق الأمريكية المتقدمة وأشباه المواصلات الأمريكية، بل وتوطينها وتصنيعها. والأكثر أيضا، تمكنت السعودية من إبرام اتفاقية دفاعية استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها ليست معاهدة دفاع متبادل، وتلك لها دلالة أساسية، مما يعني أن المملكة تنأى بنفسها بعيدًا عن أي مشاركة أو انخراط في حروب أمريكا وسياساتها في المنطقة وغيرها. وبلا شك فإنها تعتبر ترقية كبيرة في البنية الأمنية الثنائية، حيث أدت هذه الترقية إلى تصنيف المملكة “كحليف رئيسي شبه مماثل لوضع حلف الأطلسي أو الناتو، ولكن دون التزامها بأعباء الحلف وواجباته”. وعلى كل حال، فإن هذا الوضع الخاص يمنح السعودية الكثير من الامتيازات الاستثنائية، وعلى رأسها الحصول على أسلحة نوعية متقدمة خاصة ومختلفة عن دول أخرى، كما هو الحال مع حلفاء أمريكا، مثل طائرات F-35 المتقدمة، والتعاون النووي، وذلك حسب اشتراطات المملكة الخاصة “علمًا أن هاتين المسألتين، لا زالتا مذكرة تفاهم، وإن لم تحصل فإنه يوجد بالمملكة خيارات أخرى”، علاوة على الحصول على الصواريخ والمسيرات والذخائر الحربية، ومنظومات الدفاع الأرضي والجوي ... الخ. خلاصات: •وكما هو مأمول في المستقبل القريب والمتوسط، فإنه إذا استكملت بنية الذكاء الاصطناعي ومنشآته، فإن هذا التميز في الإمكانيات الجمة سوف يؤهل المملكة في قدرات متقدمة، وذلك في تطوير صناعاتها العسكرية والدفاعية والأمنية العلنية والسرية، علاوة على الجوانب المدنية والعلمية المتعددة والواسعة، سواء في القطاعات الحكومية، أو القطاع الخاص، وكافة الاستثمارات التقنية والاقتصادية والتجارية وغيرها. •ويمكن التأكيد أن ثقل نجاح السعودية في إعادة التموضع الاستراتيجي قد جعلها تستطيع أن تحصل على تنازلات كبرى من الإدارة الأمريكية الحالية، وذلك على خلاف الإدارتين الديمقراطيتين السابقتين، وفي نفس الوقت دون التنازل عن مواقف أساسية في مسائل حساسة، مثل، ملف القضية الفلسطينية وشؤون غزة والضفة الغربية، أو سوريا ولبنان، ناهيك عن التطبيع مع العدو الصهيوني، ومشروع “السلام” الإبراهيمي، سيء الذكر ... الخ. وكذلك أكثر، ظلت السعودية ملتزمة بقوة في سياسة النفط وتسعيره مع أوبك بلس، وذلك على خلاف الرغبات والضغوط الأمريكية التي تطمع في إدارة التضخم المحلي الأمريكي وتداعياته السياسية المحلية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وضعف الدولار. •ولهذا، يصح القول تمامًا أن المملكة كسرت أو تخطت عدة حواجز رئيسية كانت قائمة لفترة طويلة لدى الحكومات الأمريكية، بما فيه اللوبي الصهيوني القوي وضغوطه. وبالتالي استطاعت السعودية من إقامة علاقة وشراكة تعاقدية ندية مع أمريكا لأول مرة، التي تمثلت على سبيل المثل لا الحصر، في تعدد الشراكات المتبادلة السعودية والأمريكية، وحجم الاستثمارات الترليونية مما يمكن للمملكة حركة ومرونة واسعة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية وخلافه. •وقد يطرح البعض تساؤلات مشروعة: إذا كانت تلك الإنجازات السعودية الكبيرة حصلت مع ترامب وإدارته فقط، فماذا عن الإدارات اللاحقة، جمهورية أو ديمقراطية وسياساتها مع المملكة؟، وماذا عن اللوبي الصهيوني وحلفائه في الاستمرار بالضغط والتخريب في نسف تلك العلاقات الجديدة؟. ولكن ورغم هذا، فإن كل تلك الاحتمالات لن تنجح غالبًا في النهاية، ويعود ذلك إلى أن تلك الاستثمارات والشركات الأمريكية المتعددة الكبيرة سوف تصبح بمثابة لوبي وتكتل كبير وفاعل وضاغط جدًا على صياغة القرارات في الإدارات الأمريكية اللاحقة والكونجرس. ومن المؤكد أن هذا التكتل أو اللوبي لن يتساهل ويفرط في شراكاته واستثماراته ومصالحه ومكاسبه الكبيرة الحاضرة، ناهيك عن مدى إتساعها وآفاقها مع السعودية وكافة المنطقة. وبإيجاز، من المعروف أن القوى المالية للشركات الكبيرة، مثل الشركات الصناعية والعسكرية والتقنية الحديثة والمدنية وغيرها، فإنها تعتبر أهم وأكبر عامل تأثير رئيسي في صنع القرارات وصياغتها على كل إدارة أمريكية أو أعضاء الكونجرس، آيًا كانوا من الحزبين، الجمهوري أو الديمقراطي. •ولعل أفضل من لخص وعبر عن التموضع السعودي الاستراتيجي الجديد، كان سمو الأمير ولي العهد، حينما قال: “إنها فرصة للاستثمار ... وكذلك إنها الدافع الحقيقي للتعاون والاستثمار المتبادل، وليس لإرضاء الرئيس ترامب أو المواطنين الأمريكان”. وهكذا، نجحت المملكة في تأسيس أبعاد وآفاق واسعة وجديدة في مجمل العلاقات مع الولايات المتحدة من الجوانب الاستراتيجية والدفاعية والسياسية والاقتصادية والاستثمارية. •ومع تغير النظام الدولي الذي بدأ ينشأ تدريجيًا، فإن الدول الجديدة التي تتجاوز الأزمات الاقتصادية وتستثمر في رأس المال البشري، وتتكيف مع التغيرات التقنية المتسارعة، وبناء نظم تعليمية وتحفيز الابتكار والمرونة والاستجابة مع تطورات العلم والمعرفة، مثل الذكاء الاصطناعي... وخلافه، فهي المؤهلة لأن تكون دولاً صاعدة. وبالتالي تستطيع تلك الدول أن تبرز بقوة، وتساهم في رسم ملامح جديدة لعالم متعدد الأقطاب، كما تتقاسم مع القوى الصاعدة الأخرى مراكز النفوذ والتأثير في تشكيل النظام الدولي حسب مصالحها وسياساتها واستراتيجيتها الخاصة. وبلا شك، فإن الفرص متاحة لمن يملك الإرادة رغم التحديات، وذلك لمن يملك الرؤية والقدرة والتخطيط الاستراتيجي. •وهكذا، وفي ظل مثل هذه المتطلبات لا بد وبالضرورة أن تتحول هذه الدولة أو تلك إلى دولة فاعلة استراتيجيًا، ومؤهلة للقيام بأدوار ومواقف إقليمية ودولية متقدمة. أما الدول التي تهمل الاستجابة والتكيف مع المتغيرات المتسارعة، فإنها تزداد هشاشة، وتصبح دولاً ضعيفة، وعرضة لتدخلات خارجية وساحة صراع مصالح بين القوى الإقليمية والدولية، وبالتالي تفقد التحكم والسيطرة على قراراتها السيادية من النواحي الفعلية. كلمات أخيرة: فما العمل؟: وأخيرًا وليس آخرًا، من المعروف أن أكبر قطاع تنفق عليه المملكة وتدعمه بالمليارات سنويًا، هو قطاع التعليم الواسع والمتعدد. ولهذا، يجب على الوزارات المعنية، مثل وزارة التعليم، ومؤسسة التعليم المهني والتقني والجامعات والكليات والمعاهد ... الخ، أن تبارد بجدية ومسؤولية بالعمل بنفسها على وضع كافة البرامج والمقررات المناسبة التأهيلية، وتسخير الإمكانيات وتوظيفها في الذكاء الاصطناعي، وذلك حسب المراحل الدراسية في التعليم العام والجامعي والمهني ... الخ. وبلا شك، فإن هذا العمل يجب أن يكون من أولويات تلك الجهات المعنية بالدرجة الأولى، كما لا يصح أن تقف وتنتظر توجيهات سامية من الجهات العليا، حيث لا يوجد أية عذر أو تبرير إطلاقًا للتأخر في القيام بهذا الواجب والمسؤولية. shamlanabdr@hotmail.com