.

كليّة فيكتوريا .. قبل الثورة وبعدها

كانت “مصر” في مطلع القرن العشرين تحت الاحتلال البريطاني، وكانت تابعةً اسميّاً للدولة العُثمانية ويتولّاها “الخديوي” بشكلٍ صوريّ ولكن تحت إشرافٍ إنجليزي، وكان اللورد “كرومر” المُفوّض السّامي البريطاني هو الحاكم الفعلي لمصر في الفترة ما بين 1900 و 1907. وتمّ تأسيس كليّة “فيكتوريا” بالإسكندرية في عام 1902، لتكون على نسق كليّة “إيتون” الإنجليزية العريقة فبي “لندن”، والتي يفصلها نهر “التايمز” عن بلدة “ويندسور”، وتأسّست عام 1440 بأمرٍ من الملك “هنري السادس”، وهي مدرسة خاصّة للبنين، تخرّج فيها 19 من رؤساء الحكومة البريطانية، والأميران “وليام” و”هاري” ابنا الملك الحالي “تشارلز”. وقد وضعت كليّة “فيكتوريا” نظامها التعليمي وفقاً لنظام التعليم البريطاني العام، والمُطبّق في المدارس النخبوية بها، وتمّ اعتماد المناهج وفقاً لمناهج جامعتي “أوكسفورد” و”كامبردج”. ويبدو أن الإنجليز الذين كانوا يُهيمنون على المنطقة، يستهدفون من إقامة مثل هذه المدارس نُخبةً اجتماعية وفكرية، مُنفصلة نفسياً وثقافياً عن مُحيطها العربي والإسلامي، لكي تستعين بها على إدارة المنطقة وِفقاً لما تقتضيه مصالح الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس في ذلك الوقت، وكان ذلك يخدم سياستها الاستعمارية التي بدأت منذ عام 1870. يقول المُفكّر العربي الأمريكي “إدوارد سعيد”، الذي التحق بالكليّة في الأربعينيات، في كتاب سيرة حياته “خارج المكان”: “لقد كان الانتماء العربي، وتكلُّم اللغة العربية يُعتبر جُنحة يُعاقِب عليها قانون المدرسة، فلا عجب أبداً في أن لا نتلقّى التعليم المناسب عن لُغتنا وتاريخنا وثقافتنا وجُغرافية بلادنا”! ويٌضيف “سعيد”: “كانوا يمتحنوننا بصِفتنا تلامذة إنجليز، نجُرّ أذيالنا مٌتخلّفين، سعياً إلى تحقيق هدف مُبهم يستحيل تحقيقه.. بِتنا نُدرك أننا دونيّون، نواجه قوّة كولونيالية جريحة وخطِرة وقابلة لأن تؤذينا، ونحن مُجبَرون على تعلّم لُغتها واستيعاب ثقافتها، لكونها هي الثقافة السائدة في مصر”. وكان التحدّث باللغة العربية أو أيّ لُغة أخرى غير الإنجليزية، من المُحرّمات في قانون الكليّة التي تستدعي العِقاب، إذ يتعيّن على كلّ طالبٍ قام بذلك؛ أن يكتب هذه العبارة على السبّورة 100 مرّة: “لن أتحدّث العربية في المدرسة مرّةً أُخرى”! وينصّ ناموس الكليّة كذلك على الالتزام بآداب الملبس والهندام، التي تتطلّب ضرورة ارتداء ربطة العُنق والحذاء اللّامع والقميص ذي الياقة المُنشّاة، وكذلك الأظافر المُقلّمة والهيئة الرياضية وآداب المائدة والإتيكيت، وكلّ ما يلزم لكي يبدو الطُلّاب في قِمّة اللّياقة والأناقة التي تليق بأبناء الذّوات. ولقد كانت الإدارة الإنجليزية للكليّة تُركّز على النظام والانتظام لدى الطالب، وتطبيعه مع الثقافة الغربية عموماً والإنجليزية خصوصاً، أكثر من تركيزها على التحصيل أو المُحتوى العلمي الذي يتلقّاه الطالب. إذ أن عدداً غير قليل من هيئة التدريس الإنجليز لم يكونوا تربويّين في الأساس، ولم يكن التعليم هاجسهم الأول، وكان مُعظمهم يتمتّعون بلياقة بدنية مُلفتة للنظر، بما يُشير إلى احتمال أنهم من ذوي خلفيّة عسكرية، وشغفهم بالنظام الصارم يؤكّد ذلك! وكانت عملية التطبيع الثقافي الغربي تشمل المناهج والمُقررات الدراسية التي كانت إنجليزية بحتة في مُعظمها، مثل: جغرافية وتاريخ أوروبا والجُزر البريطانية، الأدب الإنجليزي البحت: (شكسبير وتوماس هاردي ووردزورث)، وأصول مسرحيات شكسبير: (ماكبث وعُطيل والملك لير وتاجر البندقية) وغيرها. ثم أن الكلية تعرّضت إلى أفول نجمها بالتدريج بعد قيام ثورة يوليو عام 1952، إلى أن حدث الاعتداء الثلاثي عام 1956، فقامت قوّات الأمن المصرية بترحيل هيئة التدريس الإنجليزية إلى بلادهم، وتولى مسئولية الكليّة أول مُدير مصري وهو “أحمد حلمي”، وتحوّل اسمها إلى “كُليّة النصر”، وأصبحت مدرسة تابعة لنظام التعليم المصري، وعيّنت وزارة التربية خيرة الكوادر العلمية المصرية لسدّ الفراغ الذي خلّفه رحيل الأساتذة الإنجليز. ولكن في منتصف الستينيات بدأت للأسف تظهر على الكليّة علامات ضعف الإلتزام بالقوانين الصارمة التي تأسّست عليها طوال تاريخها، فشعر بذلك الطلاب ودفعهم لكسر القواعد والتقاليد السائدة، وأدى ذلك إلى اضمحلال هيبة المدرّسين والإدارة. ومن جانب آخر ضعفت مكانة الكلية التي كانت تفخر بها، فأصبحت شروط قبول الطلبة الجُدد فيها أقلّ صرامة وأكثر مرونة، وصارت تجمع بين أبناء النُّخبة وأبناء الموظّفين، أو حتى العُمّال والسائقين.. ولكنها لا تزال (اسميّاً) تُظلّهم تحت شعارها الخالد: “معاً كلّنا واحد”، والذي طالما كان يُذيب كل الفوارق الاجتماعية لأكثر من قرنٍ من الزمان!