الفيلم السعودي في رهان عسير على النجاح! وليس النجاح هنا بمعناه النقدي، ولا بحضوره في المهرجانات، فقد خاض الفيلم السعودي غمار الميدانين، وأثبت قدميه فيهما، وإنما ذلك الاختبار الذي لا يجامل أحدًا: شباك التذاكر. فالسينما، مهما ارتفعت قيمتها الفنية، تظل تدخل في النهاية إلى امتحان الجمهور. هناك، في صالة العرض، لا يصوّت النقاد، ولا تتحكم حملات العلاقات العامة، والنوايا الحسنة، بل يقرر المشاهد وحده إن كان الفيلم يستحق ثمن التذكرة والفيشار وساعتين من وقته. ولذلك تبدو المنافسة في السوق السعودي اليوم أكثر تعقيدًا؛ لأن الفيلم السعودي لا ينافس الفيلم السعودي فحسب، بل ينافس الإنتاجات العالمية: الأمريكية، والمصرية، واليابانية، والهندية، وغيرهم، وسط سوق تجاوزت إيراداته 920.8 مليون ريال، وبيع فيه 18.8 مليون تذكرة خلال عام 2025. سوق كبيرة ومغرية، جرّت الأنظار نحوها، وأصبحت تُصنع بعض الأفلام على مزاجها، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن نصيب الأفلام السعودية من هذه الكعكة، فعلى الرغم من هذا الحضور السريع في السوق فور افتتاح صالات العرض إلا أنها في عام 2025 شاركت بأحد عشر فيلمًا فقط، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال من الإيرادات، أي ما نسبته 13.3 % فقط. هذه الأرقام لا تدعو إلى القلق، لكنها تدعونا إلى التفكير في اقتناص أكبر ما نستطيع حصده، ما دمنا في ملعبنا، وبين جماهيرنا، فإن كان الطموح الوصول إلى أسواق أخرى، فمن باب أولى إقناع أهلك وذويك أولًا، أليس كذلك؟ شباك التذاكر لا يكافئ النوايا في صناعة السينما أشبه ما يكون بالقاعدة: “الإعلان يجعل الناس يشاهدون الفيلم في الأسبوع الأول، أما الفيلم نفسه فهو الذي يحدد ما إذا كانوا سيعودون في الأسبوع الثاني.” وهي عبارة تختصر طبيعة المنافسة في السوق؛ إذ لا يكفي أن تمتلك ميزانية كبيرة، أو نجمًا محبوبًا، أو حملة تسويقية واسعة، إذا لم ينجح الفيلم في تحويل مشاهديه إلى سفراء له. وهنا يصبح شباك التذاكر أقل قسوة من النقاد؛ لأنه لا يناقش الفيلم، بل يجيب عن سؤال واحد: هل أقنع الفيلم الناس على مشاهدته؟ تفوز الأفلام السعودية في المهرجانات، ولكنها تخسر في رهان الشباك، ففيلم (هجرة) لشهد أمين الفائز بجائزة أفلام السعودية في الدورة 12، حصد 5009 تذكرة فقط في شباك التذاكر، وكذلك فيلم (سلمى وقمر) لعهد كامل الذي سبقه بالفوز بجائزة الدورة 11، لم يكن أوفر حظا منه، ويأتي هذا الحديث والنقاش يدور حول فيلم (مسألة حياة أو موت) لأنس با طهف، وبؤس توقيت عرضه! وهذا ما يجعلنا أمام تحد في صمود الفيلم السعودي في الشباك، وإقناع مبرمجي الصالات بوضعه أوقات الذروة، وهذا لا يتحقق ما لم يكن الإقبال عليه فور طرحه في الصالات، وإقناع المبرمجين بجدوى وضعه في أكبر صالة وأحسن توقيت، فالمبرمج لا ينظر إلا للجدوى المالية، فالعملية لا تخضع إلى أي معايير فنية أو نقدية على الإطلاق. حين انتصرت البداوة ربما كان “هوبال” لعبدالعزيز الشلاحي أحد أكثر التجارب إثارة للتأمل، فيلم تهافت الجمهور من أجل مشاهدته، جمهور ربما لأول مرة يدخل صالات السينما، وهذه فضيلة لهذا الفيلم لا بد أن نشيد بها، ولننظر إلى معادلته الفنية ، فالفيلم يذهب إلى الصحراء، لا بوصفها خلفية بصرية، وإنما بوصفها عالمًا كاملًا، بثقافته وأسئلته وقلقه وعلاقته بالسلطة والعزلة والإيمان. لم يكن يراهن على الكوميديا، ولا على الضجيج، ولا على استعراض النجوم، بل على بناء عالم قادر على جذب المشاهد، لم يفز في الدورة 11، ولكنه فاز بتقدير الجمهور والنقاد من خلال تناوله في مقالات كثيرة، وإن لم يكن الفرس الرابح عند لجنة التحكيم. تجاوزت إيراداته 20.6 مليون ريال، مع بيع أكثر من 589 ألف تذكرة. نجح “هوبال” لأن الصحراء فيه لم تكن ديكورًا، بل كانت شخصية رئيسة، ولأن البداوة لم تُقدَّم باعتبارها حنينًا للماضي، وإنما باعتبارها فضاءً دراميًا حيًا، يطرح أسئلة الإنسان قبل أسئلة المكان. الصحراء لا تكفي وحدها وفي المقابل، يأتي فيلم “القيد”، الذي يتحرك هو الآخر داخل البيئة الصحراوية، ويستند إلى حضور ممثل يمتلك جماهيرية واضحة مثل يعقوب الفرحان، إضافة إلى وقوف تلفاز 11 خلف الإنتاج؛ وهي جهة صنعت خلال السنوات الأخيرة حضورًا مؤثرًا في المشهد السعودي بأفلام رابحة في شباك التذاكر مثل: سطّار، ومندور الليل، والزرفة مؤخرا. ومع ذلك، لم يحقق فيلم القيد أكثر من2.1 مليون ريال، مع ما يقارب 61 ألف تذكرة مباعة، وهي أرقام متواضعة في ميزان تلفاز 11، ولم يصل إلى أرقام هوبال. ليس الهدف من المقارنة إصدار أحكام فنية، فلكل فيلم شروطه الجمالية وتجربته الخاصة، لكن الأرقام تقودنا إلى نتيجة: أن لا معادلة ثابتة، وبعدها تفرض سؤالًا مشروعًا: إذا تشابه المكان، واختلفت النتيجة، فأين يكمن الفارق؟ هل في الحكاية؟ أم في الإيقاع؟ أم في توقيت العرض؟ أم في قدرة الفيلم على أن يصبح حديث الناس؟ ما الذي يشتريه الجمهور؟ ثمة وهم قد يقع فيه بعض صناع الأفلام، وهو الاعتقاد بأن الجمهور يشتري اسم الممثل، أو اسم الشركة المنتجة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. الجمهور لا يشتري اسمًا، بل يشتري وعدًا بتجربة تستحق المشاهدة. ولهذا يمكن لفيلم متواضع الإمكانات أن يتجاوز فيلمًا أكبر إنتاجًا، إذا نجح في خلق ذلك الوعد، ثم الوفاء به. فالأفلام الفائزة في شباك التذاكر للعام المنصرم فيلمي: الزرفة، وشباب البومب 2، وهما فيلمان جديران بتأمل عوامل نجاهما، وإن كانت واضحة بتوجهها إلى جمهور معروف، يأتي من أجل الفيلم وصُنّاعه، وأبطاله بعيدا عن أي تقييمات فنية، والخروج بتوصيات فيما بينهم، ومن هنا تكتسب الفكرة التي تتردد كثيرًا في أدبيات تسويق الأفلام أهميتها: “أفضل دعاية للفيلم هي المشاهد الذي يخرج من القاعة ليقول لصديقه: يجب أن تشاهده.” أو ببساطة (أتحداك تشوفه) إنها الدعاية التي لا يمكن شراؤها. بين النجاح والظاهرة ما تكشفه السوق السعودية اليوم هو أن النجاح التجاري لم يعد مرتبطًا بعامل واحد، فالنجومية وحدها لا تكفي، ولنا في فيلم (عياض في الرياض) نموذج ببطولة القدير محمد العيسى، والميزانية وحدها لا تكفي، ولنا في فيلم (محاربة الصحراء) عبرة، والحملة التسويقية وحدها ربما تكفي ولا تكفي. الفيلم يحتاج إلى أن يتحول إلى ظاهرة اجتماعية، يتداولها الناس، ويتحدثون عنها، ويتبادلون توصيات مشاهدتها، وتصبح السينما ثقافة شعبية، ومتعة متكررة، تبدأ بالمدارس، ولا تنتهي عند العودة للمنزل، وحين يصل الفيلم إلى هذه المرحلة، يصبح شباك التذاكر نتيجة، لا سببًا. الأفلام... حين يختارها الجمهور الأفلام السعودية تدخل اليوم مرحلة جديدة، فلم يعد التحدي هو إنتاج الأفلام، فقد تجاوز صُنّاع الأفلام هذه المرحلة، ولكنها تظل رهينة الدعم على الأغلب، ولنقل حتى هذه اللحظة، ولكن الرهان الحقيقي هو إنتاج الأفلام التي تموّل نفسها، وتدخل في هامش الربح، وفي عالم شباك التذاكر هي التي تستطيع أن تنافس على وقت الجمهور، في عالم تتزاحم فيه المنصات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومقاطع الفيديو القصيرة، وكلها تطلب من الإنسان الشيء نفسه: انتباهه. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نصنع فيلمًا سعوديًا؟ بل أصبح: كيف نصنع فيلمًا يختاره الجمهور السعودي أولًا، ثم يدعو غيره إلى مشاهدته؟ عندها فقط، لن تكون أرقام شباك التذاكر مجرد إحصاءات سنوية، وإنما دليل على أن الأفلام السعودية تجاوزت مرحلة التجربة، ودخلت مرحلة الصناعة؛ الصناعة التي لا يضمن استمرارها سوى جمهور يجد في الفيلم ما يستحق أن يُروى... ويُشاهد. وباختصار: يمكننا الحديث عنه بعد أن نخرج منه.