القيد:

جمال الصحراء وضعف المشاهد

منذ أن بدأت السينما السعودية تخطو خطواتها الواثقة نحو العالمية كانت الصحراء حاضرةً بقوة كخلفية درامية وشخصية محورية في آن واحد. فمن فيلم “هجان” الذي جعل من سباقات الهجن وعلاقة الصبي “مطر” بناقته نافذة على الصراع من أجل الحرية والحقيقة، إلى “بين الرمال” الذي حوّل رحلة شاب يعبر الصحراء بعد كمين للصوص إلى ملحمة بقاء واكتشاف للذات، وصولاً إلى “هوبال” الذي نقل الحياة البدوية المعزولة في مطلع التسعينيات إلى شاشة السينما وسط أزيز حرب الخليج الثانية. تأتي هذه الأفلام بتضاريسها الوعرة ورمالها الممتدة لتؤكد أن هوية الفيلم السعودي الطموح لا تنفصل عن جغرافيته وأن الصحراء جزء من الحكاية وصراع أبطالها. في هذا السياق يأتي فيلم “القيد” للمخرج حسام الحلوة كإضافة طموحة لهذا التيار، محاولاً تقديم ملحمة انتقام درامية في شمال الجزيرة العربية مطلع عشرينيات القرن الماضي. الفيلم الذي صوّر بالكامل في صحراء نيوم تحت ظروف مناخية قاسية، يروي رحلة الشاب “سعود” في تتبع خطى “رماح” وأعوانه لاستعادة حقه بعد أن شهد جرائمهم بحق قبيلته. هذا الجهد الإنتاجي يظهر بوضوح في جماليات الصورة وتصميم الأزياء، التي استطاعت أن تنقل شساعة المكان وقسوته. لكن وللأسف فإن هذا الطموح البصري يصطدم في النهاية بجدار درامي صلب، ليكشف عن فجوة واضحة بين ما أراده الفيلم أن يكون وما تحقق على الشاشة. على الرغم من هذه الفجوة، كان الأداء التمثيلي هو المنقذ الوحيد للعمل، حيث تمكن الممثلون من تقديم وجوه بشرية حية وسط هذا الفراغ الصحراوي الشاسع. وقف يعقوب الفرحان في دور “رماح” بحضور طاغٍ، منح شخصيته الشريرة عمقاً وهيبة، بينما قدّم خالد عبد العزيز أداءً رائعاً أضاف ثقلاً للأحداث، وجاء سعد الشطي في دور “سعود” مقنعاً في تجسيد رحلة الانتقام المحفوفة بالمخاطر. لكن حتى هذا الأداء الجيد لم يسلم من عيوب الإنتاج، حيث تدني جودة الصوت في بعض المشاهد، أفقد الحوارات قوتها الدرامية وأثر على وصول انفعالات الممثلين للمشاهد، وكأن الصحراء ابتلعت أصواتهم قبل أن تصل إلينا. المشكلة الأكبر كانت في مشاهد الحركة والمطاردة، التي جاءت مخيبة للآمال إلى حد كبير وضعيفة المستوى، لتتحول من لحظات إثارة مفترضة إلى لقطات جامدة تفتقر إلى التوتر. هذا الضعف يمكن إرجاعه مباشرة إلى التحديات اللوجستية للتصوير في الطبيعة؛ فوعورة التضاريس وقسوة الطقس، التي انخفضت فيه الحرارة إلى 4 درجات تحت الصفر، يبدو أنها حدّت من حرية الكاميرا وحركة الممثلين بشكل كبير. وكما هو الحال في أفلام مثل “هجان” و”بين الرمال” التي استفادت من بساطة علاقة الإنسان بالصحراء وحيواناتها، فإن “القيد” وقع في فخ الطموح المفرط، حيث حاول تسخير هذه الطبيعة القاسية لخدمة مشاهد حركة معقدة، لكن النتيجة كانت عكسية. يتجاوز الضعف الإخراجي ليلمس السيناريو أيضاً، الذي افتقر إلى تطوير الشخصيات ومنحها دوافع مقنعة. فالشخصية الشريرة “رماح” بقيت دون ماضٍ يشرح تحوله النفسي بشكل فاعل، مما حال دون تعاطف الجمهور مع أي من أطراف الصراع. كما أن الإيقاع الدرامي تراجع بشكل ملحوظ في النصف الثاني من الفيلم، بعد بداية واعدة، وكأن الفيلم نفسه قد أنهكته رحلة الصحراء الطويلة. في النهاية، يظل “القيد” خطوة مهمة وجريئة للسينما السعودية، تؤكد أن الصناعة المحلية قادرة على الحلم الكبير والإنتاج الضخم، وأن لديها ممثلين على قدر المسؤولية. لكنه في الوقت نفسه يقدم درساً قاسياً في أن الجمال البصري والطموح الإنتاجي لا يكفيان وحدهما. فالملحمة السينمائية الحقيقية مثل تلك التي تسعى لها أفلام “هجان” و”هوبال” و”بين الرمال”، تولد من نصوص محكمة وشخصيات تعيش وتتنفس، وليس فقط من صحراء شاسعة التقطتها كاميرا عالية الدقة. فالصحراء بتضاريسها المتنوعة قد تكون ملهماً عظيماً، لكنها تبقى في النهاية مجرد خلفية، والعبرة دائماً بما يحدث في المقدمة.