مظلة للمتقاعدين

يعيش في المملكة العربية السعودية اليوم أكثر من نصف مليون متقاعد ومتوقف عن العمل، وهم يمثلون ثروة وطنية حقيقية، ورصيدًا هائلًا من الخبرات والمعارف التي تراكمت عبر سنوات طويلة من العطاء في مختلف القطاعات. ومع ذلك، لا تزال هذه الخبرات بحاجة إلى مظلة مهنية واقتصادية تستثمرها، وتحفظها، وتعيد توظيفها في خدمة الوطن، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تركز على تنمية رأس المال البشري وتعزيز الاقتصاد الوطني. ورغم الجهود المباركة التي تبذلها جمعية المتقاعدين، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى نموذج أكثر شمولًا واستدامة، من خلال تأسيس جمعية تعاونية للمتقاعدين، تكون كيانًا اقتصاديًا واجتماعيًا وتنمويًا، يحقق للمتقاعد فرصًا جديدة للعطاء والدخل والاستثمار. وقد طرح هذه المبادرة الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان، انطلاقًا من رؤية تقوم على إنشاء بيت خبرة وطني يجمع الكفاءات المتقاعدة في مختلف التخصصات، ويقدم خدمات استشارية وتدريبية ومهنية للجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية. وتكون العلاقة بين الجمعية والخبير والجهة المستفيدة منظمة بعقود واضحة تضمن حقوق الجميع، بحيث يحصل الخبير على مقابل مالي عادل، وتحقق الجمعية موردًا ماليًا يسهم في استدامة أعمالها. كما يمكن أن تتحول الجمعية إلى بنك وطني للخبرات السعودية، يضم قاعدة بيانات احترافية للكفاءات، ويتيح للجهات المستفيدة الوصول إلى الخبرات الوطنية وفق معايير مهنية عالية، بما يعزز المحتوى المحلي، وينقل المعرفة، ويستثمر الخبرات الوطنية في التنمية. ومن خلال منصة إلكترونية متكاملة، يتم تسجيل الخبراء وفق تخصصاتهم ومؤهلاتهم وخبراتهم، مع توضيح مجالات العمل، وآلية التعاقد، والضوابط المهنية، بما يضمن جودة الخدمات، ويحفظ حقوق جميع الأطراف. ومن أبرز المبادرات التي يمكن أن تجعل الجمعية نموذجًا اقتصاديًا رائدًا، تأسيس مشروع استثماري تعاوني يكون مملوكًا للجمعية وأعضائها المساهمين، مع السعي للاستفادة من برامج الدعم والتمويل المتاحة من الجهات الحكومية وصناديق التنمية، وفق الأنظمة واللوائح المنظمة للعمل التعاوني. ويقوم المشروع على مساهمات الأعضاء في تكوين رأس مال تعاوني، يُستثمر في مشاريع ذات جدوى اقتصادية، مثل المجمعات التجارية، والمراكز الطبية، والمراكز الرياضية، والمنشآت السياحية، والمشاريع التقنية، والمراكز التدريبية، وغيرها من الاستثمارات المستدامة التي تحقق عوائد طويلة الأجل. ومن الأفكار الرائدة إنشاء «مدينة المتقاعدين التعاونية» أو «مجمع المتقاعدين الاستثماري»، ليكون مشروعًا وطنيًا متكاملًا يضم مكاتب استشارية، وعيادات، ومحلات تجارية، وقاعات تدريب، ومقاهي، ومرافق ترفيهية، ومركزًا للابتكار وريادة الأعمال، ومركزًا للضيافة، إضافة إلى مساحات عمل مشتركة يديرها أو يستثمر فيها المتقاعدون أنفسهم، بما يجعل المشروع مصدر دخل مستدام للجمعية وأعضائها، ويعزز دورهم في الاقتصاد الوطني. وعند تحقيق الأرباح، تُوزع العوائد السنوية على الأعضاء المساهمين وفقًا للأنظمة واللوائح المنظمة للجمعيات التعاونية، مع منحهم خصومات حصرية على خدمات ومنتجات ومرافق المشروع، وأولوية في الاستفادة من البرامج والخدمات التي تقدمها الجمعية، لتصبح العضوية استثمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا يحقق عائدًا ماليًا ويحسن جودة الحياة. كما يمكن للجمعية إنشاء أكاديمية للتدريب، ومركز للدراسات والاستشارات، ومنصة للعمل الجزئي، وحاضنة للمشاريع الناشئة، بحيث يستثمر المتقاعد خبرته في التدريب والإرشاد والاستشارات، ويحقق دخلًا إضافيًا، بينما تستفيد الجهات المختلفة من خبراته المتراكمة. ولضمان نجاح هذه المبادرة، ينبغي أن يكون الانضمام للجمعية قائمًا على القناعة برسالتها وأهدافها، وأن يتم نشر رابط التسجيل في الأوساط المهنية ذات العلاقة، مع توضيح مفهوم العمل التعاوني، وحقوق الأعضاء، وواجباتهم، ليكون كل عضو شريكًا حقيقيًا في بناء هذا الكيان الوطني. إن تأسيس الجمعية التعاونية للمتقاعدين ليس مشروعًا اجتماعيًا فحسب، بل هو مشروع اقتصادي وتنموي وطني، يستثمر الخبرات، ويعزز الاقتصاد، ويوفر فرص عمل جزئية، ويخلق مصادر دخل إضافية للمتقاعدين، ويحول الخبرة إلى قيمة اقتصادية مستدامة، ويعزز مشاركة الكفاءات الوطنية في مسيرة التنمية. إن المتقاعد لا تنتهي رسالته بانتهاء وظيفته، بل تبدأ مرحلة جديدة من العطاء والإنتاج والاستثمار وخدمة الوطن. ومن هنا فإن الجمعية التعاونية للمتقاعدين تمثل فرصة تاريخية لتحويل الخبرة إلى ثروة، والعطاء إلى استدامة، والمتقاعد إلى شريك فاعل في بناء المستقبل. إنها دعوة إلى إنشاء أول منظومة تعاونية وطنية تستثمر الخبرات، وتبني الأصول، وتوزع الأرباح، وتمنح المتقاعد حياة أكثر استقرارًا وكرامة، ليبقى عطاؤه مستمرًا، وخبرته ركيزة من ركائز التنمية والازدهار في وطننا الغالي.