أمي: رقية الشمرية (1)..

الطفلة التي دخلت بيت الزوجية وهي في الرابعة عشر من عمرها.

أعجبني ما كتبه الدكتور فهد العرابي الحارثي عن أمه بعنوان (فاطمة الكنانية) فاقتبستُ منه هذا العنوان (رقية الشمرية) فأمي شمرية. وقد جاءت مقالته ضمن الكتاب الحافل بِسِيَر الأُمَّهات؛ وهو كتابٌ يقع في (519) صفحة؛ وقد شارك فيه (57) من الكُتَّاب والكاتبات؛ بدعوةٍ من صاحبةِ الفكرة وراعيتها؛ الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد وقدَّم للكتاب الباحث الكاتب المثقف المعروف الأستاذ عبد العزيز الخضر. مؤلف كتاب (السعودية: سيرة دولة ومجتمع) لكن الكنانية كما وصَفَها ابنُها كانت: ((نبتةٌ بريَّةٌ غضَّة، مزهرةٌ بالدلال والغندرة، مورقةٌ بالحنان والبخترة، محتشدة بقلائد الفضة، ومعاصم الذهب)) فالكنانية وُلِدتْ وعاشت في جبال السروات وهي بيئة خضراء تنبض بالحياة؛ أما أمي (رقية الشمرية) فوُلدتْ وعاشت في صحراء نجد القاحلة؛ فلم تعرف الإزهار، ولا الدلال، ولا الغندرة، ولم تعرف قلائد الفضة، ولا معاصم الذهب؛ كان أقصى ما كانت تتمنَّاه (الملاوي) البلاستيكية التي كانت تُجلَب من الهند، وتتجمَّل بها النساء في ذلك الزمان البائس؛ ورغم أن الفقر المدقع هو طابع الحياة آنذاك في نجد؛ فقد كان الجدب، والفقر، والكد؛ يهيمن على الحياة؛ لكن أمي خرجتْ من بيتِ أبيها؛ كان بيتًا زاخرًا بطيبة الأب عبدالله الضيف الله، وحنان الأم نورة العقل، ولطف الأشِقاء الأربعة الرائعين؛ وجاءت إلى بيتِ أبي؛ وكان البيت يضم عددًا من الزوجات، فأبي كان مزواجًا ولم يصبر عليه في النهاية سوى أمي التي جاءت إليه متأخرة، وبقيت معه حتى وفاته؛ دخَلَتْ أمي بيت الزوجية وهي ما تزال غضَّةً بل كانت طفلة في الرابعة عشرة من عمرها؛ بفارق كبير في العمر بينها وبين أبي؛ فباشَرَها تزاحمُ الزوجات، وكثافةُ المسؤوليات، وصَلَفُ الزوج، وقسوة الحياة، والانجاب المبكر، والولادات المتقاربة؛ فقد باشَرَتها المسؤوليات وبادَرَها الشقاءُ؛ فعاشتْ حياةً عسيرةً قاسيةً، بل شديدة العُسْر، بالغة القسوة؛ لكنها بقيتْ مسؤولة صبورة مكافحة قوية صامدة؛ فلم تكن امرأة مستسلمة ولا مستكينة؛ فعواصف صَلَف الزوج؛ كانت تواجهها بالرد المماثل؛ فلم تكن تتوانى عن الرد ومواجهة الصلف بما يناسبه. كانت أمي هي البنت الوحيدة لأبويها؛ وكان أشقاؤها؛ هم إبراهيم، وعبدالرحمن، وعبدالعزيز، ومحمد. أما أكبر أشقائها (صالح) فقد توفي مبكرًا فلم نلحق عليه. وقد كانت علاقة أمي بأشقائها حميمة وعميقة ولطيفة وتكافُلية، وامتد لطفهم إلينا نحن أولاد شقيقتهم؛ فقد كانت بيوت أخوالنا؛ بيوتًا لنا؛ كان أخوالي كرامًا، وطيبين، وأسخياء، وعطوفين، وذوي مروءة، وكنا نتعامل مع أولاد الخال إبراهيم؛ من البنين والبنات؛ وكأنهم أشقاؤنا، ولم يكن يمر يومٌ واحد من دون أن نذهب لبيت الخال إبراهيم، لقد كان يفيض مروءةً وكرمًا وسخاءً ولطفًا وأريحية، وكانت زوجته مزنة الهياف (أم صالح)؛ ذاتُ سخاءٍ عظيم، وطيبة نادرة، ولطفٍ غامر؛ إنها تجسِّد أرقى ما نتمنى أن يتصف به البشر في تعاملهم وفي علاقاتهم؛ لم أعرف إنسانًا يماثلها في السماحة واللطف والطيبة والشفقة والكرم والاحتواء؛ لا يقترب منها في اللطف والكرم والسماحة سوى زوجة الخال محمد مزنة اليوسف فكلٌّ منهما كانت لنا نحن أولاد (رقية) بمثابة الأم؛ إنهما يجسدان أرفع نماذج الصفاء والكرم والطيبة واللطف وعظيم الأخلاق. لذلك كان فَضْلُ أمي عظيمًا علينا نحن أولادها؛ فعن طريقها صار أخوالنا هؤلاء الرجال الفائقون في المروءة والمكانة الاجتماعية، والكرم، والسخاء، ورفيع الأخلاق، وكرم التعامل. ولأن أبي قد توفي وأمي ما تزال شابة، ولأني أعرف أنها في حياتها مع أبي قد كابدت كثيرًا ولم تنعم بحياة زوجية تليق بها؛ ورغم أن كل المحيطين كانوا يُحَرِّضون على عدم زواجها؛ ورغم صِغَر سني آنذاك؛ إلا أنني خالفتُ هذا الاجماع؛ وفاتحتُها بأن عليها أن تتزوج، ومع إلحاحي تزوجتْ وأنجبتْ نورة ومنيرة. بنتان رائعتان هما من زينة الحياة وقد طابت بهما نَفْسا. توفيتْ أمي رحمها الله بعد أن جاوزت الثمانين، ورغم أن جسمها قد انكمش واحدودب بشكل حاد؛ إلا أن ذهنها بقي شديد الحضور، وظلت ذاكرتها بكامل الحيوية والجاهزية؛ كانت حتى آخر حياتها شديدة الاحتفاء بأشعار وقصص (أم العزَيِّز) وهي أم هزاع زوجة عم أبي عبدالعزيز المحمد البليهي. وكانت امرأة كريمة، وسخية، وشاعرة، وحكيمة، ومتحدثة، وصالحة، وذات شهرة، واسعة وسمعة مضيئة، وقصص ممتعة مثيرة يرويها الآباء للأبناء ويتناقلها الناس. كانت تؤخر تناول غدائها أو عشائها؛ انتظارًا لمن هو أشد جوعًا، وأكثر احتياجًا؛ إنها نموذجٌ فذٌّ وفريد ولا يتكرر. إن أشعار وقصص حياة (أم هزاع البليهي) تصلح أن تكون موضوعًا روائيًّا زاخرًا بالفائدة والمتعة والإثارة. كانت أمي في منتهى الجدية، والصرامة، والحزم، والإلحاح على الإنجاز؛ كانت (قَرْمة) في التعبير السائد؛ إذا كانت بصدد أي عمل؛ فما رأيت مثلها في كثافة وعمق الإحساس بالواجب، والاندفاع في العمل، والإلحاح في إنجاز ماهي بصدد إنجازه. كانت تعمل باندفاعٍ وحرارة مع أبي في الحقل، أو في المحش حين نكون في البر وقت الربيع؛ فإذا ذهب أبي ليرتاح ذهبت هي للطبخ، والعناية بالبقرة وحيوانات البيت، وخض الَّلبن، وإنجاز متطلبات الأسرة فهي في عمل دائم وكدح يَفُلُّ أقوى العزائم. إن هذه الجدية المتقدة الحادة، بالإضافة إلى الفقر وسوء التغذية، وتكرار الانجاب؛ كل هذه العوامل قد أنهكت صحتها في وقت مبكر من عمرها؛ فسقطت أسنانها قبل أن تبلغ الثلاثين من عمرها، وكان يؤلمني سقوط أسنانها؛ فبعد أن تَوَظَّفتُ بادرتُ بتركيب أسنان لها؛ لكن أسوأ ما أصابها؛ مغْصٌ كلوي ومَغْصٌ مراري، وقد كنت أشعر بفزع شديد حين تأتيها نوبة المغص المرعبة؛ غير أن المفزع أنه لم يتم تشخيص العلة؛ فقد ترددتُ بها على كثير من الأطباء؛ لكن لا أحد منهم شخَّص العلة؛ وكنت وقتها أتابع مجلة (طبيبك) التي كان يصدرها في سوريا الدكتور صبري القباني؛ وكان مذكورًا في المجلة أن من يريد تشخيصًا لمرضه فعليه أن يرسل خمس ليرات سورية مع شرح مفصَّل للحالة؛ وكان الصَّرافون يجلسون على الرصيف بالرياض؛ فذهبت إليهم؛ وحصلتُ على الليرات السورية؛ وكتبتُ رسالة شرحتُ فيها حالة أمي؛ فجاء الرد خطيًّا؛ بأن أمي تعاني من مغص مراري أو مغص كلوي أو من كليهما. وكان الحل هو؛ استئصال المرارة بعملية جراحية؛ لكن شقيقي الأكبر صالح رَفَض بشكل قاطع؛ فكرة إجراء عملية، بل إنه صار يبكي حين ألححتُ على ضرورة إجراء العملية؛ لإنقاذ أمي من ذلك الألم الفظيع المتكرر؛ لكنه أقنع أمي برفض العملية؛ فبقيتْ تعاني فاكتفيتُ بتوفير ما يمكن توفيره لتحسين صحتها عمومًا؛ بالفيتامينات والمعادن.