سيّد القرار!
أتاحت تقنية الفار لحكم المباراة أن يكون في مركز الضوء، ومنحته كاريزما الحضور حين أخرجته من هامش الصورة إلى متنها، بعد أن كانت ملامحه غائبة لا تظهر إلا آثار صافرته أثناء الأهداف أو الأخطاء الجدلية. وعلى إثر ذلك حدث تحوّل في نصّيّة كرة القدم حيث انتقلت لحظة التبئير، أي بؤرة الضوء، من اللاعب إلى الحكم؛ فتسليط الكاميرا على وجهه أثناء المداولة لاتخاذ القرار جعله متموضعا داخل المشهد يحبس الأنفاس، أما لحظة إشارته بيديه في نصف دائرة ثم الذهاب إلى التأكد من اللقطة فهي ذروة التمركز في النص الرياضي؛ فإذا ما عاد لإعلان القرار دخل في لحظة الهتاف الغامرة والحضور المتسلطن، وهو هتاف مؤجل كان يمكن أن يناله اللاعب لولا أن تقنية الفار انتزعته من اللاعب ومنحته للحكم تقديرا لجهوده، وكأنّه هو من سجّل الهدف، حيث ينتظر الجميع قراره قبل أن يحتفلوا بصاحب الهدف. بسبب هذا التحول لم يعد حكم المباراة ذلك الشبح المَقْصِيّ في هامش الصورة، أو ذلك الظل الذي يركض كالمسعور خلف كرة لا يهمه أمرها، بل تحول إلى مُوقِّع على جودة اللعبة ونجاعتها تحت عيون الجماهير، فهو من يطلق صافرة البدء، وهو من يحبس الأنفاس قبل أن يقررّ شرعية الاحتفال أو تحويل لحظة الفرح المستعجلة إلى خيبة مؤجّلة. ... لا أظن حكم الساحة اليوم يغفل عن موقعه الجديد في اللعبة، رغم أهميّته من قبل، فهو صانع القرار على كل حال، لكنه بعد تقنية الفار منح وسام الحضور في عين الكاميرا ووسامته، وصارت لحظة حديثه مع حكام غرفة الفار هي موضع العقدة والحل، وهي أيضا لحظة التنوير التي ينتظر العالم ما تفضي إليه في حالة ترقّب مسكونة بالقلق والتوتّر. وهذا ما فعلته التقنية الجديدة حين ردّت لأسياد الملاعب الاعتبار وجعلتهم في موقع السيادة بعد أن منحتهم سلطة الحضور تعزيزا لسلطة القرار الذي كان في أيديهم من قبل، ولكنه لم يكن كما هو الحال اليوم، في عين الحدث!