د. حمزة المزيني..

الأستاذ الكبير على (تُخوم) اليقين.

في قلب كل يقين حكاية طويلة من الأفكار والتجارب والتصورات المتراكمة. وقد أمضى حمزة المزيني سنوات من مشروعه الفكري في تتبع هذه الحكاية، متأملاً المراحل التي تشكل القناعات وانتشارها، ومقترباً من الأسئلة التي تسبق الأحكام النهائية. ومن خلال كتاباته وأبحاثه، فتح مجالاً واسعاً للتفكير في العلاقة بين المعرفة والسلطة الاجتماعية وحدود النقاش في المجال الثقافي. لهذا بدا حضوره مختلفاً منذ وقت مبكر. لم يكن من المثقفين الذين يجدون راحتهم في المساحات الآمنة، ولا من أولئك الذين يكتفون بإعادة صياغة ما استقر في الوعي العام. كان أقرب إلى باحث يتتبع تطورات الفكرة منذ ولادتها الأولى، محاولاً اكتشاف ما تخفيه من افتراضات وما (تستبطنه) من سلطات وما تتركه من آثار على طريقة الناس في النظر إلى العالم. ولد حمزة المزيني في المدينة المنورة عام 1944، وفي تلك البيئة تشكلت ملامح وعيه الأولى قبل أن تمتد رحلته العلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية حين تخصص في اللسانيات وعلوم اللغة. وعندما عاد إلى المملكة أستاذاً جامعياً في جامعة الملك سعود، حمل معه ما هو أبعد من التخصص الأكاديمي، حمل اهتماماً دائماً بالسؤال الثقافي والاجتماعي، وبالعلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة والتعليم والوعي. ومن هنا يصعب النظر إلى تجربته الأكاديمية بمعزل عن مشروعه الفكري الأوسع. فالجامعة كانت إحدى ساحات عمله، لكنها لم تكن حدوده. أما اهتمامه الحقيقي فظل منصباً على المجال العام، وعلى القضايا التي تمس تكوين الإنسان وطريقة تفكيره. ولهذا تحولت كتاباته ومقالاته ومداخلاته إلى جزء من نقاش سعودي طويل حول التعليم والثقافة والدين والعلم وحدود الاجتهاد. ولعل مشروعه في ترجمة أعمال «نعوم تشومسكي» يكشف جانباً مهماً من شخصيته. فاختيار «تشومسكي» لم يكن مجرد اختيار لمفكر عالمي ذائع الصيت، بل كان تعبيراً عن تقاطع عميق في الاهتمامات. فالرجلان، كُلٌّ بطريقته، انشغلا بكشف ما تختبئ خلفه الخطابات الكبرى من آليات وتأثيرات، وبإخضاع الأفكار السائدة للفحص والتحليل. لذلك جاءت ترجمات المزيني أقرب إلى مساهمة ثقافية واعية منها إلى جهد لغوي محض. ومع مرور السنوات، أصبح اسمه مرتبطاً بعدد من أكثر الملفات الفكرية حساسية في المجتمع السعودي. لم يتعامل مع التعليم باعتباره منظومة إدارية أو مناهج دراسية فحسب، بل بكونه مصنعاً للوعي ومحدداً لطريقة التفكير. وكان يرى أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما يتعلمه الطلاب فقط، بل بكيفية تعلمهم، وبقدرتهم على النقاش والمراجعة وإنتاج المعرفة بدلاً من استهلاكها. كما انشغل بمناقشة ظواهر التشدد والانغلاق، ليس من زاوية (الوعظ) أو (الإدانة)، بل من زاوية البحث عن الشروط الفكرية التي تسمح لهذه الظواهر بالنموّ. ولذلك اتجه اهتمامه دائماً نحو الجذور لا الفروع، ونحو البنية العميقة للأفكار أكثر من مظاهرها الخارجية. ومن أشهر القضايا التي ارتبطت باسمه قضية (الأهلّة) ودخول الشهور القمرية. يومها لم ينظر إلى المسألة على أنها خلاف فنيّ حول وسيلة الإثبات، بل لأنّها اختبار لعلاقة المجتمع بالمعرفة العلمية الحديثة. وقد دافع بوضوح عن الاستفادة من علوم الفلك ومنجزاتها، ورأى أن التقدم العلمي لا ينبغي أن يبقى خارج دائرة الاعتبار في القضايا التي يمكن أن يسهم في حسمها أو ترشيدها. وكانت تلك القضية واحدة من المحطات التي كشفت طبيعة مقاربته الفكرية القائمة على مساءلة المألوف وإعادة النظر في ما اعتاد الناس التعامل معه بوصفه أمراً منتهياً. ولأن الاقتراب من هذه الملفات لم يكن أمراً سهلاً في تلك المرحلة، وجد المزيني نفسه في مواجهة حملات وسجالات حادة ودعاوى قضائية أثارت اهتمام الرأي العام الثقافي. وقد تحولت تلك التجارب إلى جزء من سيرته الفكرية، لا بسبب ما حملته من صدامات فحسب، بل لأنها عكست طبيعة التحولات التي كان يعيشها المجتمع السعودي آنذاك، وحجم التوتر المصاحب لأسئلة التجديد والمراجعة. ومع ذلك، لم يكن المزيني من أصحاب اللغة الصاخبة أو الحضور الاستعراضي. كان يفضل الاشتباك مع الفكرة نفسها، لا مع أصحابها. ولم يكن معنيّاً ببناء (شعبية) أو تكوين (أتباع) بقدر عنايته بإثارة النقاش حول القضايا التي يراها مؤثرة في مستقبل المجتمع. ولهذا بقي تأثيره طويلاً حتى لدى المختلفين معه، لأن الخلاف معه كان في الغالب خلافاً مع أفكار يطرحها، لا مع شخصية تبحث عن المعارك. وفي جانب آخر من تجربته، تكشف سيرته الذاتية «واستقرت بها النوى» عن وجه أكثر هدوءاً وتأملاً. هناك لا يظهر المثقف المنخرط في السجالات العامة فحسب، بل يظهر أيضاً الإنسان الذي عايش تحولات اجتماعية وثقافية كبرى، وراقب تبدّل الأفكار والقيم والأولويات عبر عقود طويلة من تاريخ المملكة. وتكتسب السيرة أهميتها من كونها لا تروي حياة فرد فقط، بل تستعيد جانباً من سيرة مجتمع بأكمله وهو يعبر من مرحلة إلى أخرى. وربما تكمن خصوصية حمزة المزيني في أنه لم ينظر إلى الثقافة بوصفها مجالاً للتوافق بقدر ما نظر إليها باعتبارها مجالاً للفحص المستمر. فالتوافق، في نظره، لا يصنع معرفة بالضرورة، أما النقاش والمراجعة وإعادة القراءة فهي التي تمنح الأفكار قدرتها على البقاء والتجدد. ولهذا ظلّ منحازاً طوال مسيرته إلى حق الاختلاف، وإلى ضرورة أن تبقى الأسئلة مفتوحة مهما بدت الإجابات راسخة. اليوم، يصعب الحديث عن نهج الثقافة السعودية الحديثة من دون التوقف عند تجربة حمزة المزيني. ليس لأنه كان الأعلى صوتاً، ولا لأنه الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام، بل لأنه مثّل نموذجاً للمثقف الذي اختار أن يجعل من التفكير مهمة يومية، ومن المراجعة ممارسة مستمرة، ومن السؤال وسيلته لفهم العالم. وتلك مهمة نادرة في كل الأزمنة، لكنها تصبح أكثر أهمية في المجتمعات التي تعيش تحولات كبرى وتبحث باستمرار عن صيغ جديدة لفهم ذاتها ومستقبلها. (*) كاتب وصحافي سعودي