شهوة النشر في العالم العربي.
لَقد شَهدت السَاحة الثقَافِية العَربية فِي الآوِنَة الأخِيرة طَفرةً غَير مَسبُوقَة فِي الإنتَاج الرَقمِي وَالوَرقِي، ولَكِنها طَفرة تَطرح العَدِيد مِن التَساؤُلات الجَادَّة حَول الدَوافِع والغَايَات؛ حَيثُ تَحولَت الكِتَابة مِن وِلادَةٍ عَسِيرة لِفكرَةٍ يَنتُج عَنها إصدارًا مَعرِفيًا؛ (عِلميًا، وثَقافِيًا) رَصِينًا، إلى “شَهوَةٍ” عَارِمة تُلاحِق الحُضور والشهُرة، نَعم أيُها القَارِئ الكَريم إنها “شَهوَة النَشر” والهَوَس بِه؛ تِلك الظَاهِرة السَيكُولُوجِية التِي اِجتَاحَت سَاحَة النَشر فِي العَالَم العَربِي، مُؤَكِدَةً عَلى أنَهُ لَم يَعُد النَشر فِعلًا مَعرِفيًا - إلَّا نَادِرًا - بِقَدرِ مَا صَار رَغبةً جَامِحةً فِي الاِستعرَاضْ وَالوُجُودِ الصَاخِب. تَحوُلَات النَشر العَربِي وَلِكَي نَفهَم عُمق الأزمَة، لَابُدَّ مِن رَصدِ تِلك الفَجوَة الهَائِلة التِي خَلفَتها التَحوُلات الزَمنِيَة فِي بِنيَة صِنَاعة الكِتَاب العَرَبِي؛ فَالمسَافَة بَين “نَاشِر الأمسْ وَنَاشِر اليَوم” لَيسَت مُجرَد تَطوُر فِي أدوَاتِ الطِبَاعَة وَطُرُق النَشر، بَل هِي اِنقلاب جَذري فِي فَلسَفة المَعرِفة ذَاته؛ فَقَدِيمًا عَكَف المُؤلِف سَنوات لِتَهذِيب فِكرته، أمَّا اليَوم فَنَقِف أمَام مَشهَد “الإنبَات السَرِيع”؛ حَيثُ تُولَد الفِكرَة وتُطبَع فِي أسبُوعٍ وَاحِد. سَيكولُوجِية المُؤَلِف المُعاصِر فَفِي ظِل التَسهِيلَات التِقنِية المُعَاصِرة، لَم يَعُد سُؤال: “مَاذا سَأُضِيف إلى المَكتَبةِ العَربِية؟” هُوَ المُحَرِك الأسَاسِي للِنَشر بَل أصبَح: “مَتى سَيظهَر اِسمي عَلى غُلَاف؟”. وَتَكمُن خُطورَة هَذِه الظَاهِرة فِي أنهَا تَخلق “ضَجِيجًا” يَحجُب الأصوَات الحَقِيقِية، وَتَجعل القَارِئ تائِهًا فِي رِكَامٍ مِن العَناوِين التِي تُشبِه “الوَجبَات السَرِيعة”؛ تُشبِع شَهوَة الكَاتِب فِي الظُهُور، لَكِنَها تَترُك وَعي القَارِئ جَائِعًا. وَيُمكِنُنَا تَحلِيل هَذِه الظَاهِرة فِي ضُوء النِقاط الآتِية: أولًا: وَهم الاِستِحقَاق المَعرفِي؛ فَلَقد أدَّى النَشر الاِلكتِرُونِي عَبر المَنصَات المُتَخَصِصَة فِي نَشرِ الكُتُبِ وَالمقَالَات الثَقافِية الرَقمية إلى كَسرِ “حَواجِز الصَد” التَقلِيدِيَة، مِمَّا جَعلَ الكَاتِب المُبتَدِئ يَشعُر بِالنِدِيَة مَع القَامَات الفِكريَة، لِمُجرَد أنَهُ يَملُك مِنصة تَمنَحَهُ لَقب “كَاتِب” بِضَغطَةِ زِر. وَثانِيًا: عُقدَة رَبط الوُجُود الاِجتمَاعِي بِإصدَار المُؤلفَات، وَهُنا تَحوَّل الكِتَاب مِن “رِسَالة” إلى “بِطَاقَة تَعرِيف شَخصية- (Identity Card)”؛ فَالبَعض يَسعَى لِلنَشر الوَرقِي أو الاِلكتُرونِي لَيس لِإفَادَة القَارِئ، بَل لِتَعزِيز مَوقِعه الاِجتمَاعِي أو الوَظِيفي، أو لِلحُصُول عَلى لَقب “المُؤلِف” الذِي يَمنحَهُ بَرِيقًا فِي الصَالُونَات الثَقافِية وَالأدَبِية، وَالمنَصات الاِفترَاضِية. أمَّا ثَالِثًا: فَهُو سُوق (النَشر مُقَابِل الدَفع)؛ حَيثُ بَرزَت دُور نَشر (وَرقِية، وَاِلكتُرونِية) لَا تَعتَمِد مَعايِير الجَودَة أو التَدقِيق اللُغَوِي وَالمَعرِفي، بَل تَعتَمِد عَلى قُدرَة الكَاتِب عَلى الدَفع. وَبِناءً عَليه؛ تَحوَلت الثَقافَة إلى سِلعَة اِستهلَاكِية، بِحَيث يَشتَرِي الكَاتِب “وَهم الشُهرَة”، وَتَشتَرِي دَار النَشر “بَقاءَها المَادِي”. وَرَابِعًا: تَلاشِي سُلطَة “المُحَرِر وَالمُحَكِّم”؛ فَقَدِيمًا مَرَّ النَص المَكتُوب عَبر فَلاتِر صَارِمة (مُصَحِح، وَمُحَرِر، وَلجنَة قِراءَة وَنَقد)، أمَّا اليَوم، فَأزاحَت شَهوَة النَشر هَؤُلاء “الحُرَّاس” جَانِبًا، مِمَا أدَّى إلى طُوفَان مِن الإصدَاراتِ فَقيرَة الفِكر؛ يُمكننا تَسمِيتها مَجازًا بِـ “نُصوصٍ بِلا أروَاح”، سَواء كَانَت كُتُبًا مُجَلَدة أو (pdf). تَداعِيات شَهوَة النَشر إنَّ تَحَوُل النَشر مِن “رِسَالَة” إلَى “شَهوَة” لَم يَتوقَف أثرَهُ عِند تَضَخُم أعدَاد الكُتُب وَالمقَالَات فَحسب، بَل اِمتَد لِيُعِيد صِيَاغة العِلَاقة بَين القَارِئ والمَكتُوب، مُخلِفًا آثَارًا عَمِيقة عَلى بِنْيَة الثقَافَة العَربِية؛ منها: سِيَادة الغَثُ وَتَوارِي السَمِين وَسَط هَذا الاِزدِحَام الرَقمِي والوَرقِي بِحَيث أصبَح مِن الصَعبِ عَلى القَارِئ والبَاحِث العُثُور عَلى الإصدَارَاتِ الجَادَّة. فَالأعمَال الرَصِينَة بَاتَت تَضِيع فِي رِكَام الإصدَارات التِي تَعتَمِد عَلى التَسوِيق البَصَرِي وَالعَنَاوِين البَرَّاقة دُون مُحتَوَى حَقِيقِي، مِمَا أدَّى إلى نُوع مِن “ضَجِيج الحِبر”. أضِف إلى ذَلِك اِهتِزَاز الثِقَة فِي المَكتُوب؛ فَعِندَما يَقتَنِي القَارِئ كِتابًا (وَرقِيًا كَان أم اِلكتُرونِيًا) - بِشَكلٍ رَسمِي - ثُمَّ يَكتَشِف ضَعف لُغته أو سَطحِية أفكَاره، تَنشأ فَجوَة ثِقة بَينه وَبَين المُؤَلِف مِن جِهَة، وَبَينه وَبَين المُؤسَسَة الثقَافِية النَاشِرة لِهذَا الكِتاب مِن جِهَةٍ أُخرَى. لَيسَ ذَلِك فحَسب؛ بَل يَتَحَوُل النَقد إلى مُجَامَلة، وَيَتَراجُع النَقد التَحلِيلِي الرَصِين لِصَالح الاِحتفَاليَّات، وَالقِراءَات الاِنطبَاعِية السَطحِية. وَبِذَلك أصبَح النَقد - فِي كَثيرٍ مِن الأحيَان - أدَاة لِتَغذِية شَهوة الكَاتِب بَدلًا مِن كَونه أدَاة لِتَقوِيم النَص، مِمَّا خَلق دَائِرة مُفرَغة مِن المَدِيح المُتبَادَل بَعِيدًا عَن القِيمَة المَعرِفية. كَما تَغِيب المُرَاجَعة اللُغَوِية وَالنَحوِية فِي سَبِيل النَشر السَرِيع؛ حَيثُ يَأنَف الكَاتِب مِن عَرض نَصَّهُ عَلى مُدَقِق، مُعتَبِرًا ذَلِك قَيدًا عَلى إبدَاعه الوَاهِي، وَالنَتِيجة هِي نُصُوص مُشَوَهَة بنيَوِيًا وَتَعبِيريًا، وَمِن ثَمَّ تَنحَدِر لُغَة الضَاد. وَمِن آثَار النَشرِ السَرِيع أيضًا “السَرِقَات الفِكرية”، حيثُ يَدفَع النَشر السَرِيع بَعض الكُتَّاب إلى اِقتِبَاس أفكَار الآخَرِين وإعادَة صِياغَتها بِشَكلٍ رَكِيك لِتَلبية نَهم الحُضور، ممَّا أدى إلى تِكرَار الموضُوعَات وَاِجتِرَار الأفكَار دُون إضافَاتٍ حَقِيقية، فَأصُيِبَت السَاحَة الثَقَافِية بِحَالة مِن الاِستَاتِيكية (الجُمود) رَغم ضَجِيج الَحركة. فَنَحنُ أمَام مَشهَد ثَقافِي مُتَضَخِم عَدَدِيًا لَكِنَهُ نَحِيل مَعرِفِيًا؛ حَيث صَارَت العِبرَة بِـ “كَم أصدَرت؟” لَا بِـ “مَاذا أضَفت؟”، وَهُو مَا يُهَدِد بِتَميِيع الهُوِيَة الثَقافِية الرَصِينة لِلأجيَالِ القَادِمة. اِستعَادة مَكانَة المُنتَج الثَقافِي إنَّ مُواجَهة “شَهوَة النَشر” لَا تَعنِي قَمع الأقلَام أو تَقيِيد الحُريَّات، بَل تَعنِي إعادَة الاِعتِبَار لِـ “أخلَاقِيات النَشر” وَمَعايِير الجَودَة التِي تَضمَن بَقاء الأثَر وَنَفعه. وَيُمكِن تَحقِيق ذَلِك مِن خِلَال المسَارَاتِ الآتِية: أولًا: تَفعِيل دُور “لِجَان القِراءَة وَالتَحكِيم؛ فَيَجِب عَلى دُور النَشر أنْ تَستَعِيد دَورَها كَـ “حَارِس” لِلقِيمَة الثَقافِية وَالمَعرِفية، وهَذا هُو الضَمَان الوَحِيد لِمَنع تَحَوُل الدَار إلى مُجرَد “مَطبَعَة” - دَفْع مُقابِل نَشر - وَتَحَرِي الجَودَة قَبل الكَم. وَثَانِيًا: إرسَاء ثَقافَة (النَقد المَنهَجِي)؛ فَنَحنُ بِحَاجة إلى حَركَة نَقدِية لَا تُجَامِل الأسمَاء وَلَا تَنْخَدِع بِبَرِيق الأغْلِفَة،تَهدف إلى كَشف الضَعف الفِكرِي وَاللُغَوِي، وَإعَادَة الاِعتِبَار لِلنَصِ الجَيـِّد، مِمَا يَجعَل الكَاتِب “الوَاهِم” يَتردَد ألف مَرَّة قَبل الإقدَام عَلى نَشرِ عَملٍ مُتوَاضِع. أمَّا ثَالِثًا: فَهُو تَعزِيز “الوَعي القِرَائي” لَدى الجُمهور، فَالمُراهَنة عَلى ذَائِقة القَارِئ هِي السِلَاح الأقوَى؛ فَعِندَما يَرفُض القَارِئ الوَاعِي اِستهلَاك الكُتُب المَحشُوَّة وَالمُحتَوى الضَحل، سَتضطَر دُور النَشر وَالكتّاب إلى الاِرتِقَاء بِمستَواهُم لِمُوَاكبة تَطلعَات الجُمهُور الحَقِيقِي لَا المُصَفِقِين الاِفترَاضِيين. وَرابِعًا: تَقعِيد النَشر الرَقمِي الرَصِين، فَلابُدَّ مِن وُجُود مَنصَّات رَقَمِية عَربِية كُبرَى تَعمَل بِمعَايِير المَجلات العِلمِيَة والأدَبِية المُحَكَّمة، بِحَيث لَا يُنشَر فِيها إلَّا مَا يَستَحِق، لِتَكُون بَدِيلًا مَوثُوقًا عَن فَوضَى النَشر الاِلكتِرُونِي العشوَائِي، مِمَّا يَمنح الكَاتِب “الجَاد” شَرعِية تَختَلِف عَن شَرعِية الحُضور الصَاخب. وَهُنا اِسمَح لي سُؤالك أيهَا القَارئ - فَأنَا أُرَاهِنُ الآن عَلى وَعيك - هَل تَشتَرِي الكِتَاب لِمُحتواه أم لِمكَانة كَاتِبه الاِجتمَاعِية؟ أرجُوك؛ لَا تُصفِّق إلَّا لِمَا يَستَحِق، وَلا تُسَاهِم فِي نَشر “الغَث” لِمُجَرد المُجَامَلة. إنَّ السَاحَة الثقَافِية العَربِية اليَوم فِي أمسِّ الحَاجَة إلى صَمتٍ مُثمِر يَسبِق الكَلِمَة، وإلَى إصدَارَاتٍ تُولَد مِن رَحِم المُعَانَاة الفِكرية، لَا مِن رَحِم الاِستعرَاض الرَقمِي وَالوَرَقِي؛ لِيَبقَى الكِتَاب -كَما كَان - خَير جَلِيس. ولابُد مِن تَشجِيع الكُتَّاب - خَاصَةً الشَباب - عَلى أدَبِ التَريُث، فَالكِتَابة - أمَانَة - عَملِية نُضج وَلَيسَت سِبَاقًا مَع الزَمن، وأنَّ نَصًا وَاحِدًا يُكتَب فِي خَمسِ سَنوات وَيُغَيِر فِكر القَارِئ، خَيرٌ مِن خَمسَةِ كُتُب تُنشَر فِي عَامٍ وَاحِد وَتُنسَى بَعد أسبُوع. وَإلى هُنا يَنبغِي أنْ أكَاشِفَك بِالحَقِيقة؛ فَالمقَال الذِي طَالَعته الآن - بِمَنهَجِية عَناِوينِه، وَتَسَلسُل أفكَارِه، وَهَيكَلة مَفَاهِيمِه - مَا هُو إلَّا نِتَاجُ سَاعةٍ مِن الزَمن؛ فَهل أدرَكتَ كُنْهَ ما أردتُ إيصَاله؟ أعنِي؛ إنَّ الإشكَالِية لَيسَت فِي “سُرعَة التَنفِيذ”، بَل فِي “ضَحالة التَجهِيز”؛ فَمن مَلَكَ الأدوَات صَاغَ الدُرَر فِي سَاعة، وَمَن طَارَد الشَهوَة لَم يَبلُغ الرُشد وَلَو فِي دَهر.