كتاب المظاهر الأنثروبولوجية في المخطوطات المحلية ..

من النقوش والمدافن إلى العادات والملبوسات واللغة .

ماذا يتبقى من الإنسان حين يذويه الزمن، ويتحلل الجسد، ويندثر الأثر؟ لا شك أن الثقافة والوعي هما الجينة الحية التي تميط اللثام عن رؤاه وتصوراته، وتقدم شواهد عيان تنبئ عن الأفق الحضاري الذي شكله الحضور الإنساني على أديم الأرض. في هذا السياق المعرفي، يأتي الكتاب الثمين للأديب إبراهيم بن محمد الزين بعنوان (قبائل الريش التاريخ والموروث والحضارة) ليمثل علامة فارقة في المكتبة التاريخية والأنثروبولوجية المحلية؛ إذ اختزل فيه صاحبه خمسة عشر عاماً من البحث والتقصي ومكاشفة الآثار، ليقدم عملاً يقع في 348 صفحة موزعة على خمسة أبواب يستهل الباحث رحلته في سبر أغوار الوادي برسم ملامح جغرافيا المكان وتجليات حضارته المادية وبدأ بالوقفة مع مصطلح (الريش) وأورد ما ذكره علامة الجزيرة حمد الجاسر ومحمود شاكر -رحمهما الله- حول تسمية الوادي بهذا المصطلح، ويرد على قول من قال أنها لم تكن مأهولة بالسكان قبل 600 عام من خلال المعطيات المادية والنقوش الأثرية السبيئة متنقلاً بين أربعة فصول محكمة تبرز الأهمية الاستراتيجية للوادي، ويوثق الآبار والعيون الأثرية التي مثلت عصب الحياة ومراكز الاستقرار البشري، فضلاً عن معجم دقيق لأسماء الجبال المحيطة، ولم يقف الباحث عند الحدود الجغرافية الصامتة، بل نفذ إلى عمق الحياة اليومية مستعرضاً فلسفة التكيف مع الطبيعة عبر غذاء الإنسان وتداويه بالنباتات الطبية والتي تعكس مدى الوعي الطبي والحضارة التي تتجلى من خلال ممارسات الإنسان في المكان وصولاً إلى رصد النقوش والمباني الأثرية والمقابر القديمة؛ مؤكداً أن كل حجر في هذا المكان هو نص تاريخي ينتظر القراءة والمكاشفة، وهذه النقوش والكتابات يمكن أن تكون مفتتحا لقراءة أنثروبولوجية ودراسات ثقافية تسبر عمق المكان والحضارة التي كانت تسكنه ثم اتجه الكتاب نحو البنية الاجتماعية ليحلل في بابه الثاني التركيبة السكانية والنسيج الديموغرافي، موثقاً الطراز المعماري للقرى وتوزيعها الفضائي، وفي هذا الفضاء الإنساني، يفرد الباحث مساحة عميقة لدراسة وتوثيق عادات الإنسان السائدة في شهر رمضان المبارك، ورحلات الحج المشحونة بالروحانية والمشقة، لينتقل بعد هذا الرصد للعادات المجمعية في شهر رمضان إلى توثيق الألعاب والفنون الشعبية التي تعكس الفرح والهوية الأدائية الفريدة لإنسان الوادي ويأتي الباب الثالث والرابع، يستعرض الباحث تنويعات الأنشطة المعيشية، متتبعاً مهارة السكان في الصناعات الفخارية، والجلدية، والحديدية، وصناعة الأسلحة التقليدية ووسائل الإضاءة القديمة، إضافة إلى حرفة الزراعة باعتبارها المورد الأساسي، حيث وثق الكتاب طقوسها وأزمنتها، والأهازيج الزراعية التي كان يرددها الفلاحون أثناء الزراعة، وينتقل بعدها ليقوم بتوثيق الأزياء التراثية وحُلي المرأة ليشير بذلك إلى البعد الحضاري والثقافي لدى إنسان وادي الريش حيث تتمظهر الحضارة في أبهى صورها من خلال ملبوساته. ثم يشرع الباحث نوافذ الفضاء الأدبي واللساني ليردم الفجوة بين الدارج والفصيح، مستعرضاً قفزات التعليم من الكتاتيب التقليدية إلى النهضة التعليمية الحديثة في ظل الدولة المباركة موثقا لأسماء الشخصيات العلمية والثقافية كالشيخ محمد بن هادي الفقيه، والمعوّك -رحمهم الله- وغيرهم بيد أن الملمح الأكثر إثارة هو المنهج اللساني المقارن؛ فبفضل خمسة عشر عاماً من العمل الميداني، استطاع المؤلف ربط بعض اللهجات المحلية بجذورها في النصوص العربية الفصيحة، مثبتاً أنها امتداد حي لفصاحة غائرة في التاريخ اللغوي، وسلالة فصيحة لا زالت حاضرة في وعي الإنسان وعلى سبيل المثال يقف الباحث مع مفردة(مشَّ) وهي تشير إلى غسل الشعر سواء للرجل أو للمرأة، يقول المؤلف: وكلمة مشّ تطلق على مش الرأس سواء للمرأة أو للرجل ... وهي لغة متداولة في التخاطب عند سكان الريش وهي من الفصيح يقول امرئ القيس: نمشّ بأعراف الجياد أكفنا * إذا نحن قمنا عن الشواء المهضب. انتهى. وقد ورد البيت في ديوان امرئ القيس طبعة محمد أبو الفضل إبراهيم، وقد بقيت الدلالة حاضرة في الوعي التداولي لدى إنسان المكان حيث جاء في لسان العرب لابن منظور «والمَشُّ: مسْحُ الْيَدَيْنِ بالمَشُوش، وَهُوَ المِنْديل الخشِنُ. – وقال- الأَصمعي: المَشُّ مسحُ الْيَدِ بِالشَّيْءِ الْخَشِنِ ليَقْلع الدسَمَ.» وإن كان هناك تطور دلالي يسير في الوعي التداولي لدى إنسان المكان ليدل على إزالة ما علق بالجسد أو اللباس، وهذا يعطي للمكان العمق الحضاري والأصالة اللغوية. يمثّل المشروع التوثيقي الذي نهض به الأديب والباحث إبراهيم بن محمد الزين تجلياً فريداً للدراسات الأنثروبولوجية المحلية، حيث تجاوز القراءات المكتبية الجاهزة لينهض صوب المعاينة الميدانية والاستقصائية التي امتدت لنحو عقد ونصف من الزمن، وتكمن القيمة العلمية لهذا المنجز في قدرة الباحث الفائقة على تفكيك عناصر الموروث في وادي الريش وإعادة تركيبها؛ إذ لم يقف عند حدود التدوين التاريخي الصامت، بل تتبّع بوعيٍ حاذق حركة الإنسان في مجاله الجغرافي، راصداً عاداته، وتقاليده، وصناعاته البيئية، فضلاً عن نقوشه الأثرية ومدافنه القديمة، مما يمنح هذا العمل رصانة منهجية تجعله مرجعاً أساسياً لا غنى عنه للباحثين في تاريخ السوسيولوجيا الثقافية للمنطقة.