نورة البدوي/ تونس يُعَدُّ هرمُ الزجل، الشاعرُ بيرم التونسي (23 آذار 1893 / 5 يناير 1961)، من الشعراء الذين تركوا بصمةً عميقةً وأثروا في الوجدان المصري والعربي، فهو شاعر عرف كيف يغزو قاع الروح، باختياره العامية وسيطا بينه و المتلقي. امتزجت كتابات شاعرنا بسِفرٍ منفتحٍ على مواضيعَ عدّة؛ فكان لصيقًا بقضايا مجتمعه، ناقدًا لاذعًا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية آنذاك. وقد نُفي أكثر من مرة خارج مصر بسبب أزجاله الساخرة . وتُعَدُّ من أهم قصائده تلك التي بدأ بها نقده للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، قصيدته المعنونة بـ” المجلس البلدي”، إذ يقول فيها: “يا بائعَ الفجلِ بالمليمِ واحدةً كم للعيالِ وكم للمجلسِ البلدي إذا الرغيفُ أتى فالنصفُ آكلُهُ والنصفُ أجعلُهُ للمجلسِ البلدي كأن أمي — بل اللهُ تربتُها — أوصتْ وقالتْ: أخوكَ المجلسُ البلدي” وبين المطاردة والمنفى والحنين إلى وطنه وعائلته، لم ينفكّ بيرم التونسي عن كتابة الزجل حتى عاد من منفاه؛ فلم يترك موضوعًا إلا وكتب فيه، فتناول الحب والحرب والمرأة والبيروقراطية. كما تنوّعت كتاباته، فنجده متنقّلًا بين كتابة السيناريو والحوار للعديد من الأفلام البدوية والتاريخية، وكتابة المقالات والمقامات، إضافةً إلى القصص القصيرة، وملحمة «الظاهر بيبرس» التي قُدِّمت مسلسلًا إذاعيًا، لنراه في نهاية المطاف زجّالًا مبدعًا في الأشعار الدينية. و قد تعامل التونسي مع العديد من الفنانين و الملحنين في مجال الاغنية بما فيها الأغاني الدينية و من ابرزهم أم كلثوم، وفريدالأطرش، وأسمهان، ومحمد الكحلاوي، وشادية، ونور الهدى، ومحمد فوزي،و السيد درويش، وصالح عبد الحي، و زكريا أحمد، ومحمد القصبجي، ومحمود الشريف وعزت الجاهلي، ورياض السنباطي و غيرهم. فأنشدت ليلى مراد في فيلم (ليلى بنت الفقراء) من أشعار بيرم وألحان زكريا احمد: الله احد الله ..لله أحد الله سبحانه الفرد الصمد الله أحد الله .. الله احد الله واحد و لا غيره خالق الله الله الله خالق و لا غيره خالق الله الله الله رازق و لا غيره رازق الله الله الله كما أنجز بيرم مع المغني محمد فوزي فوازير المسحراتي و التي قدمت بالإذاعة المصرية مطلع الستينات حيث تغنى بابتهالات من بينها: يا عباد الله، وحدوا الله أنا أمدح المولي الغفور الودود، اللي تجلت رحمته في الوجود الأرض والسماوات عليا شهود أشهد له سبحانه بعز سلطانه، ومن صميم قلبي أشكر له إحسانه يا مؤمنين وحدوا الله، لا إله إلا الله سبح إله العرش واخضع إليه.. هو الوحيد اللي انت رزقك عليه الملك والملكوت عطية ايديه لو مرة ينظر لك لابد يغفر لك.. ويدخلك جنة فيها ما تتمني يا مؤمنين وحدوا الله.. لا إله إلا الله يا رب تلطف بالعباد في قضاك.. أنت اللي مالك شريك في علاك أما الفنانة السورية نور الهدى في فيلم (عايزةأتجوز) فغنت “هل هلال العيد” من ألحان فريد الأطرش و كلمات بيرم التونسي: هــل هـلال العــيد ع الإسلام سعيـــد *** هـل هلاله علينا مبـــارك شاكر فضل الله تبارك متّعنا يا هـــلال بأنوارك واطلع فوق وزيــد *** هل هــــلال العيد علينــا مالي الدنيا بهجه وزينة فيه البشرى لـــكل مدينة جــاية في كـــل بريــــد ** * طوف ياهلال علينا ودور واملا العين جمال ونور وامــلا القلب هنا وسرور بأكــتر ما بتريـد *** هل على الإســلام يحمــل ألف سـلام ومن العام للعام يجي بنصر جديــد أما أغنية “القلب يعشق كل جميل” فهي من أشعار بيرم و الحان السنباطي غنتها أم كلثوم سنة 1971 كانت أغنية فارقة و مضيئة في تاريخ الأغنية المصرية الدينية حسب النقاد فيقول فيها شاعرنا بيرم التونسي: “القلب يعشق كل جميل القلب يعشق كل جميل وياما شفت جمال يا عين واللي صدق في الحب قليل وان دام يدوم يوم ولا يومين واللي هويتو اليوم دايم وصالو دوم لا يعاتب اللي يتوب ولا في طبعه اللوم واحد مافيش غير ملا الوجود نوره دعاني لبيتو لحد باب بيتو وما تجلى لي بالدمع ناجيتو” لقب بيرم التونسي ب”شاعر الشعب”، كما منح جائزة الدولة التقديرية عن جهوده في الأدب والفن عام 1960 من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ليترك إرثا فنيا عميقا ، ويرحل في يوم 5 يناير 1961بعد مسيرة من امتحانات الحياة التي واجهها بكلماته. عن عالم شاعرنا بيرم التونسي، التي تتأتى له المعاني من كل الجهات، طرحنا هذه التساؤلات: يعتبر الشاعر بيرم التونسي أحد المبدعين الكبار الذين نفذوا إلى أسرار العامية فأبدعوا في أشعارهم؛ لم اختار التونسي العامية في أشعاره؟ و هل نجح شاعرنا في تحقيق توازن جمالي في القصيدة: بين ما يسمى الصورة الشعرية و الصورة الواقعية؟ و هنالك من النقاد الذين أرجعوا نجاح أشعاره الى تأثره بابن عربي فإلى أي مدى هذا النجاح عائد إلى هذا التأثر أم أنه نجاح لما تتمتع به اشعاره من بساطة عميقة؟ و من الملامح البارزة في أشعار بيرم التونسي الحس الصوفي فكيف مكنه هذا الحس من تشكيل نموذج فريد لاكتمال العناصر التشكيلية في صناعة الأغنية القادرة على مواجهة الزمن و الاستمرار عبر عقود؟ و من مزايا بيرم التونسي انه لم يترك موضوعا لم يكتب فيه الحب و الحرب و البيوقراطية وصولا إلى الأشعار الدينية هل بهذا التنوع في المواضيع و الأشعار يمكن القول أن بيرم التونسي ترك الأشعار الدينية خاتمة لأشعاره و كأنه بذلك يكمل صناعة وطنه داخل كلماته؟ بإزاء تلك التساؤلات توجهت “ اليمامة “ إلى كوكبة من النقاد و هم: _الناقد السعودي عبد الله العقيبي و الناقد السوداني عبد الماجد الحبوب و الناقد المصري محمد علام و الناقد المصري عبد الكريم - الحجراوي و الناقد التونسي عادل الغزال. العقيبي: علاقة فريدة باللغة يقول الناقد السعودي عبد الله العقيبي عن اختيار بيرم التونسي العامية في أشعاره أنه”: منذ قصيدة “المجلس البلدي” التي كتبها باللغة العربية الفصحى، اختط بيرم التونسي لنفسه علاقة فريدة باللغة، علاقة تبدأ من الواقع، وليس العكس كما هو شائع، وكأنه جعل اللغة طيعة للواقع، وبمثابة وسيط، أو ناقل تعبيري للمشاعر، فكتب بالفصحى، وبالعامية المصرية، وبالعامية البدوية كذلك، وهذه النظرة شديدة الوضوح لعلاقته باللغة جعلت القوالب اللغوية، ومستويات استعمالها، تنفتح أمامه على مصراعيها، فعين بيرم التونسي لم تكن على الجمال اللغوي بالدرجة الأولى، لكن على إمكانية توظيفها في عكس الواقع المتعدد الذي تحرك فيه خلال حياته الممتدة والتي تعددت أماكنها في مختلف أصقاع الأرض، من مصر، إلى فرنسا، وتونس، والشام، وكان من الطبيعي لمبدع بحجمه ونفاذ رؤيته ألا يستوعبه شكل لغوي واحد. “ و عن تحقيق توازن جمالي في القصيدة بين ما يسمى الصورة الشعرية والصورة الواقعيةفي قصائد شاعرنا يعتبر ناقدنا:” لست أكيدًا فيما لو كان ما حققه بيرم التونسي في أشعاره وأزجاله يمكن وصفه بالتوازن الجمالي بين الصورة الشعرية والصورة الواقعية، لذلك يمكن أن أقترح بدلًا من التوازن مفهوم الانفتاح أو التعدد اللا نهائي، ومرد ذلك أن شعره كان بمثابة مرآة أمينة للواقع، فالصورة الواقعية هي التي كانت تنتصر دائمًا على الصورة الشعرية في مفهومها النقدي المستقر، وهي صورة متعددة بمقدار تعدد وانفتاح الواقع نفسه، خاصة وأن الفترة الزمانية التي عاش فيها بيرم فترة تغيرات كبرى، وكان دخولها في حيز الصورة الشعرية، من أهم ما يميز أشعاره، ويجعلها بمثابة الوثيقة التاريخية لعصره. اما فيما يتعلق برأي النقاد الذين أرجعوا نجاح اشعاره الدينية إلى تأثره بابن عربي و مدى هذا النجاح عائد إلى هذا التأثر أم أنه نجاح لما تتمتع به اشعاره من بساطة عميقة يرى العقيبي أنه:” من الصعب الجزم بذلك، ولم أقف بشكل شخصي على رأي نقدي يحسم من خلال النماذج المقارنة هذا التأثير بابن عربي على وجه الخصوص، لكن و دون أدنى شك أن أشعاره الدينية لم تكن تنطلق من رؤية صوفية عميقة كما هو حال أشعار المتصوفة ومنهم ابن عربي، بل كانت تنطلق وتمتاز بقدرة هائلة على تحويل العمق الصوفي إلى لغة بسيطة وشفافة، إذ استطاع أن ينزل المعاني الروحية العالية إلى مستوى الحس اليومي للإنسان المتضرع دون أن تكون مبتذلة أو مفرغة من بعدها التأملي، لذلك كانت أشعاره الدينية أقرب إلى العشق الإلهي، منها إلى الخطاب الفلسفي المنطلق من رؤية فلسفية لعلاقة الإنسان بالخالق كما هي لدى المتصوفة. “ و يكمل:” أعتقد، أن الحس الصوفي موجود في معظم تنويعات التعبير في تجربة بيرم التونسي الشعرية، فهو حس تكويني في شخصيته، من حيث كونها شخصية مليئة بعناصر الدهشة والجمال، وهذا منح أشعاره المغناة على وجه الخصوص عمقًا وجدانيًا عابر للزمن بطبيعة الحال، إذ ألهب المشاعر الخالدة في الوجدان الإنساني، من مشاعر الشوق والحنين والتضرع، وهذا ما قرب تجربته من الناس فهي شفيفة وعميقة في الوقت نفسه، وحين اجتمعت كل تلك العناصر في أشعاره مع ألحان عباقرة الطرب، مثل الشيخ زكريا أحمد، وسيد درويش، وصدح بها صوت أم كلثوم الخالد اجتمع للأغنية كل صفات البقاء عبر الزمن الممتد.” “ و يضيف العقيبي :”بيرم لم يكن شاعر قضية، ولا شعارات، رغم أنه خاض في مختلف القضايا الإنسانية والاجتماعية، وأقحم نفسه في حرب الشعارات الوطنية، وهي التي أثقلت حياته، وجعلته يخوض تجربة المنفى، لكن المتأمل لتجربته الشعرية بشكل فاحص، سيخرج بنتيجة حاسمة، مفادها أن بيرم شاعر الحياة، حياة كاملة وحافلة بتقلباتها الوجدانية على وجه التحديد، لذلك نجده قريب من الحياة بقدر قربه من القصيدة، ومن الطبيعي أن تتوج هذه الحياة بختام يشبه حياة الإنسان العربي الذي تأثر بالروح المصرية الميالة إلى التدين بصورته البسيطة المقبلة على الرحمة وجمال العفو الإلهي. “ حسب تعبيره. الحبوب : كشكول إبداع في حين يرى الناقد السوداني عبد الماجد الحبوب أن اختيار بيرم للعامية في أشعاره :” - قد يعود الى شبكة من العوامل، وليس عاملا واحداً. لا بد أنه وجدها تناسب ذوقه و موهبته أكثر، وأنها أقرب لنبضه الداخلي والنبض الخارجي العام المتصل بالقضايا السياسية والاجتماعية والوجدانية التي يريد مخاطبتها. فأضحى بانسجام الايقاعين الداخلي والخارجي مؤسساً للشعر العامي في مصر والعربي أو فنقل من مؤسسيه المحدثين ممهدا لأجيال متتابعة من شعراء العامية المجيدين(الأبنودي، أحمد فؤاد نجم، في مصر، وسيد أحمد الحردلو وشريف وحميد في السودان ورصفاؤهم في بقية العالم العربي)”. و بالنسبة إلى تحقيق توازن جمالي في القصيدة بين ما يسمى الصورة الشعرية و الصورة الواقعيةفي أشعار شاعرنا فيؤكد ناقدنا:” نعم.. نجح لحد كبير فأشعاره تعج بصور خفيفة وعميقة وساخرة وفي ذات الوقت تخاطب وقائع وأحوال سياسية واجتماعية حيّة (مخاطبته للاستبداد الاستعماري ومناصرته للثورة العربية، ثم القضايا الاقتصادية والاجتماعية في العهود الوطنية بعد رحيل الاستعمار).” أما فيما يتعلق بإرجاع النقاد إلى نجاح أشعار بيرم التونسي إلى تأثره بابن عربي و مدى ارجاع نجاحه الى هذا التأثر أم أنه نجاح لما تتمتع به اشعاره من بساطة عميقة فيعلق الناقد عبد الماجد المحبوب:” كلاهما صحيح؛ التناص عنده يظهر مع منهج بن عربي العرفاني ومفاهيمه المتصلة بالعشق الإلهي والفناء في المحبوب ووحدة الكون ووحدة الفاعل( لا بد أنه قرأ بعمق “فصوص الحكم” و”ترجمان الأشواق” و”رسائل بن عربي” مما ساعده في رومنسياته الغنائية التي شدت ببعضها أم كلثوم وسيد درويش وفريد الأطرش). وأيضا تفضيله للأسلوب الخفيف العميق على طريقة السهل الممتنع. و يكمل الحبوب:” القلب يعشق كل جميل” رائعته التي شدت بها أم كلثوم مثلا، وغيرها من أشعاره، من البيّن فيها الأثر الصوفي والوجدانيات العرفانية. ومن المؤكد الأعمال الأدبية والفنية العظيمة تتجاوز زمنها ومكانها وتصبح خارج تلك القيود.” و يضيف :”أن بيرم التونسي كان كشكول إبداع متحرك شأن العظماء على الدوام.. تنوعت أعماله ما بين الزجل الاجتماعي الساخر، والشعر الغنائي الوجداني العميق والمقال والدراما الناقدة للسلطة وسلبيات المجتمع. قد لا يكون الختام الديني مرتبا منه بهذا المعنى، ولكنه كان معذباً وقلقاً وعاني عذابات وضنى الحب والحرب والقمع السياسي والمنفى فصنع من كل ذلك مقاومته الجمالية والشعرية الخاصة به عبر النشيد والغناء والزجل والكتابة المقالية والمسرح وهكذا.. “حسب قول ناقدنا السوداني عبد الماجد الحبوب . علام : من قاع الحارة المصرية من جهته يقول الناقد المصري محمد علام “: أن العامية المصرية اختارت بيرم التونسي قبل أن يختارها هو، ومرجع ذلك نشأته في أحد الأحياء الشعبية في مدينة الإسكندرية العريقة. ولأن الشعر ينبع من البيئة التي ينتمي إليها الشاعر، فيمكن القول إلى أنه بالإضافة لنشأته الإسكندرانية فإن عمله في الصحافة في سن مبكرة، وانزلاقه في تيار المقاومة والنضال ضد الاحتلال الإنجليزي من خلال ما يكتبه، أثر في اختياره للعامية التي ساهمت في وصوله إلى الطبقات العريضة من الشعب المصري في وقت لم تعتد هذه الطبقات أن تجد نفسها في الأشعار التي كانت سائدة بالفصحى آنذاك. قبل بيرم كانت العامية المصرية تتهم أحياناً بالابتذال أو القصور عن استيعاب المعاني الروحية والفلسفية الكبرى، ولكنها تحولت مع بيرم إلى لغة مقدسة ما أحدث ثورة لغوية فيما بعد”. و عن نجاح شاعرنا في تحقيق توازن جمالي في القصيدة بين ما يسمى الصورة الشعرية والصورة الواقعية يقول ناقدنا:”أن الصورة الشعرية تتميز عند بيرم التونسي بكونها مرآة صادقة للحياة الشعبية والواقع الاجتماعي في مصر، حيث اعتمد على “التجسيد” و”التشخيص” بتقريب المعاني المجردة إلى صور حسية ملموسة. وقد استمد صوره من قاع الحارة المصرية، مقهى العمال، الأسواق، وعلاقات البسطاء، محولاً المفردات اليومية العادية إلى لوحات فنية نابضة بالحياة. ولقد استخدم بيرم التناقض كأداة لتشكيل صورة ساخرة، حيث يمزج بين الضحك والألم في آن واحد. كان يرسم صورا كاريكاتورية لأحوال المجتمع والسياسة والفساد، لتمرير النقد الاجتماعي بطريقة ذكية لا تخلو من الفكاهة والحكمة”. و يكمل:”تمثل الأشعار الدينية عند بيرم التونسي علامة فارقة في مسيرته، حيث اتسمت بالصدق والعاطفة الجياشة، وتُوجت بقصائد خالدة في حب الرسول ﷺ ومناسك الحج. ولكن تُعد قصيدة “القلب يعشق كل جميل” تحفة فنية تجسد تحولاً جذرياً في مسيرته من النقد الاجتماعي والسياسي اللاذع إلى التصوف الوجداني النقي، حيث قدم بيرم التونسي خلالها مقارنة صوفية واضحة بين الحب الدنيوي الفاني، والحب الإلهي الدائم؛ هذا الانتقال يمثل جوهر التطور الروحي لدى المتصوفة الذين يرون في الحب البشري مجازًا أو قنطرة للوصول إلى العشق الحقيقي والخالد. و يواصل :”المستمع العادي يجد في أغاني بيرم التونسي عاطفة دافئة، والمتصوفون يرون فيها تأملًا في الذات الإلهية، ولكي نفهم كيف حقق بيرم التونسي هذه المعادلة الصعبة علينا أن ننتبه إلى أن الصوفية في جوهرها قائمة على استخدام “المجاز الحسي” للتعبير عن المعنى الروحي، وقد وظّف بيرم التونسي بعض مفردات الأغنية العاطفية السائدة في عصره في الأغنية الدينية؛ مثل: الهوى، الوصال، العتاب، الصد، الهجر، الشرب، الكأس؛ فنجح بذلك في جعل الأغنية الدينية تتحرر من فكرة الوعظ المباشر، وتكتسب أعماقًا تأويلية أكثر اتساعًا مما كان سائدًا آنذاك.” و يستطرد قائلا:”عاش بيرم التونسي حياة قاسية بين صدام مستمر مع السلطة المصرية إبان الاحتلال؛ والنفي في أجمل سنوات شبابه بسبب أشعاره ذات السخرية اللاذعة، ونقده لأحوال المجتمع والسياسة في مصر، وهي أشعار نابعة من حبه المفرط أو قل غرامه بـ مصر. و يضيف ناقدنا :”عندما كتب “بيرم” أشعاره الدينية مثل “القلب يعشق كل جميل”، أو عندما كتب “مصر تتحدث عن نفسها” بروحها الملحمية؛ كان يعيد صياغة هُوية هذا الوطن حيث انتقل من نقد “الجسد المشوه” للوطن إلى الاحتفاء بـ “روح الوطن” المتمثلة في التدين الفطري، والسكينة، والتسامح الذي يميز الشعب المصري. من يقرأ بيرم التونسي بتمعن سيجد أنه رسم ملامح الشخصية المصرية بعمق وبصيرة نافذة، فالمصري في أشعاره ليس مجرد كائن سياسي أو موظف يعاني من البيروقراطية، بل هو إنسان يضحك في الأزمات، ويحب، ويحارب، وعندما تضيق به الدنيا، يلوذ إلى الله وآل البيت.” حسب تعبير الناقد محمد علام. الحجراوي : أحد رواد المسرح الشعري من ناحيته يرى الناقد المصري عبد الكريم الحجراوي أن :”العامية المصرية تملك إرثًا إبداعيًا ضخمًا ترسّخ عبر سنوات طويلة، وكان بيرم التونسي، الذي وُلد في الأحياء الشعبية بمدينة الإسكندرية، واحدًا من حلقاته المفصلية، أسّس لمرحلة مهمة جمعت بين الزجل الشعبي وشعر العامية ليصبح هذا اللون في منطقة وسطى قادرة على التعبير عن آمال وأفكار طبقات اجتماعية مختلفة، لا أن يظل حكرًا على الطبقات الشعبية وحدها. يكاد الدافع وراء اختيار بيرم التونسي للعامية يتشابه مع كثير ممن اتجهوا إلى الكتابة بها، لم يكن الأمر نابعًا من عجز في امتلاك أدوات الفصحى، فمعظمهم كتب بها في بداياته بما يكشف عن تمكن لغوي واضح لكن اختيار العامية جاء بدافع أساسي هو الوصول إلى أكبر قدر من الناس والتعبير المباشر عن قضاياهم. وهو ما أشار إليه رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه أنوار توفيق الجليل حين دعا إلى استخدام اللغة الدارجة في الموضوعات العامة كما كتب بعض الأزجال بالعامية ضمن ترجماته. والأمر نفسه نجده لدى عبدالله النديم، الذي لجأ إلى شعر العامية لإيصال رسائله السياسية وتحريض الجماهير على المشاركة في الثورة العربية، التي كان أحد أبرز قادتها. ولم يكن بيرم التونسي بعيدًا عن هذا المبدأ حين اختار الكتابة بالعامية، هدفه الوصول إلى أوسع قاعدة من الناس والتعبير المباشر عن همومهم اليومية. وقد لاحظتُ في أطروحتي للماجستير «المسرحية الشعرية العامية في مصر» أن شعراء العامية المصرية كانوا أكثر التصاقًا بالقضايا الاجتماعية والسياسية المرتبطة بحياة الناس اليومية، ربما بحكم طبيعة اللغة نفسها وقدرتها على الوصول المباشر إلى الجمهور. ويُعد بيرم التونسي واحدًا من الرواد الأوائل للمسرح الشعري المكتوب بالعامية المصرية، لم يسبقه في هذا المجال سوى محمد عثمان جلال، وإن كان معظم إنتاج الأخير قائمًا على ترجمة أعمال موليير وراسين إلى الزجل المصري، ولم يكتب من تأليفه سوى مسرحية «المخدمين» التي نُشرت بعد وفاته، بينما قدّم بيرم رصيدًا واسعًا ومؤثرًا في المسرح الشعري العامي”. و يكمل الحجراوي :”امتدت عبقرية بيرم التونسي الفنية إلى الأغاني التي كتبها لكبار المطربين، وفي مقدمتهم أم كلثوم، ولا سيما قصائد المديح النبوي التي جاءت مشبعة بروح الثقافة الشعبية المصرية في تبجيل آل البيت ومحبتهم. وقد بدت قصائده في هذا الجانب أكثر التصاقًا بالإرث الشعبي المصري منها بالتأثر المباشر بكبار المتصوفة مثل ابن عربي، خاصة أن بيرم ابن البيئة الشعبية كان مولعًا بالسير الشعبية، مثل سيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية وسيرة الظاهر بيبرس، وقد أعاد تقديم الأخيرة في حلقات إذاعية بصياغته الخاصة، مستفيدًا من الحس الحكائي الشعبي والإيقاع الزجلي الذي ميّز تجربته، وكذلك قدم مسلسلًا إذاعيًا عن السيرة الهلالية باللهجة التونسية بالإضافة إلى الأوبريت الشهير عزيزة ويونس الذي استقاه من هذا المورث الشعبي. حسب ناقدنا عبد الكريم الحجراوي. الغزال : لامس الروح والوجدان الحسّ الصوّفيّ منح بيرم التّونسي آفاقا تعبيريّة واسعة و بالنسبة الى الناقد التونسي عادل الغزال فيعتبر أن: “ النّفاذ إلى أسرار العاميّة لا يكون منفصلا عن الوعي بحقيقة النّظام اللّغويّ الأصليّ الماثل في اللّسان الذي ينبع منه هذا الكلام العاميّ الواقع في مستوى تداول اللّهجة، وقد أظهر بيرم التّونسيّ في كثير من مقالاته الأدبيّة، “ اللّغة العربيّة مفتاح الدين الإسلاميّ - اللّهجة العربيّة التّونسيّة..” مواقف تفصل بين القيمة الحضاريّة للّسان العربيّ في مستواه الفصيح، وبين حاجة المتكلم إلى التّواصل والتّعبير بالعاميّ من الكلام لأنّ العاميّ عفويّ في انسيابه وحيويّ في سهولة وصوله إلى المتقبّل، وقد اختار بيرم التّونسي في أشعاره العاميّة، وكان “ الزّجل”، أظهر أشكال هذا الشّعر، لأنّ فيها الكثير من العربيّة الفصحى، فضلا عن كون العاميّة قريبة من أفواه العامّة والبسطاء، وعوالم الأحياء الشّعبيّة، وبها نقد وسخر وفضح الفساد الاجتماعيّ والسّياسيّ، وأزاح سلطة وهميّة في المستعمر وفي عائلات الحكم، وفي مجالس البلديّة. و يكمل: “قبل الخوض في مسألة التّوازن، وجب الإشارة إلى أنّ مفهوم الصّورة الشّعريّة واسع يستوعب ما ينسجه الرّسم بالكلمات حرفيّا و مجازيّا، مرجعيّا و تمثليّا تخييليّا، وفي قصيدة بيرم التونسيّ وزجله، تعايش بين الصّور التّمثيليّة، وفيها نسج تصاوير للموت و لمفهوم الجدّ و للظلمات، و بين صور واقعية يتضاءل فيها التّمثيل المجازيّ، مثل قصائده حول البوسطه والفواكه و النّساء “ ستّاتنا” والنشّالين، و هي طائفة من الصور كانت أكثر حضورا، في مدوّنة الشّاعر. عند الحديث عن المؤثّرات الّتي إليها يرجع نجاح الأغاني الدّينيّة التي ألّفها بيرم التّونسيّ، يظلّ اطّلاعه في سنّ مبكّرة “ 17 عاما “، على ما كتبه الشّيخ ابن عربي وتأثير هذا الاطّلاع، مجرّد عامل تُكمّله عوامل أخرى مثل تجارب المنفى، وتطوّر رؤيته لمعنى الدّين وروحه وهو ما تؤكّده مقالاته الفكرية مثل “ الإسلام البريء-هل تحترمون دينكم؟ - تُجّار الصّلاة “، فهي جميعاً تأتلف لتُؤثّر في قيمة أشعار بيرم التّونسيّ الدّينيّة، وتُظهر مزاياها، ودرجة رواجها. ويستطرد قائلا: “منح الحسّ الصوّفيّ بيرم التّونسي آفاقا تعبيريّة واسعة، لأنه تفاعل مع حسّ آخر قريب منه، رغم اختلافه، وهو الحسّ الزُهديّ، وكان لهذين البُعدين في تفاعلهما، التأثير في خلق مناخات تعبيريّة تلامس الروح وتُشكّل طبيعة الوجدان الإنسانيّ، وقد بدا ذلك في كثير من الأشعار الغنائيّة التي قدّمتها أصوات مثل أمّ كلثوم وفريد الأطرش وصالح عبد الحيّ وسعاد محمّد، ظلّت ثابته في الزّمن، لا يصيب الشكّ قيمتها المرجعيّة. كما يمثّل التنوّع في مواضيع مدوّنة بيرم التّونسي، وجها من وجوه ثراء هويّته الفنّية والأدبيّة، وتظلّ كلمات “ القلب يعشق كلّ جميل”، العلامة الأدلّ على اجتماع بهجة الإيمان وسعادة المُوحّد المتعبّد، ونورانيّة الإشراقة الرّوحيّة، في تجلّي الدّعاء والتّلبية، بما ينسج كون خاتمة جعل بيرم التّونسيّ وطنا لسنوات حياته بعد عودة من كثافة تجلّيات حجّ وتعبّد” .