المسرح بين القيمة الفنية والتداول السريع.
شهد المسرح في السنوات الأخيرة ظاهرةً متزايدة تتمثل في استنساخ المشاهد والصور البصرية الرائجة في وسائل التواصل الاجتماعي ونقلها إلى الخشبة بوصفها عناصر جاذبة للجمهور. غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات فنية جوهرية حول مدى انسجام هذه العناصر مع البناء الدرامي للعرض، ووظيفتها داخله، وحدود مشروعيتها الجمالية حين تُستعار من فضاء رقمي تحكمه سرعة التلقي لا عمق التشكيل الفني. فما المعنى الدرامي لأن تنتهي مسرحية برقصة هدفها استعراض مهارات فردية، من دون أن تكون امتدادًا لما طُرح من أحداث أو أفكار أو تحولات داخل العرض المسرحي؟ أو أغاني بعيدة كل البعد عن موضوع العرض المسرحي؟ وما القيمة الفنية لتحويل الكوميديا، بما تمتلكه من أسس درامية وجمالية راسخة، إلى مجموعة من المقاطع المشابهة لمحتوى «تيك توك» تُجمع داخل عرض واحد من دون وحدة موضوعية أو بناء درامي متماسك؟ وما فائدة الارتجال من الممثلين دون أن يكون ذو هدف وقيمة تجمل العرض المسرحي؟ إن نجاح لقطة ما في وسائل التواصل الاجتماعي لا يكفي وحده لتبرير وجودها على خشبة المسرح؛ فالمسرح ليس تجميعًا للحظات الإعجاب الآني، لكنه فن يقوم على الترابط والضرورة الدرامية وتكامل العناصر في خدمة رؤية فنية واحدة تصنع أثر وقيمة. وكل عنصر لا ينهض بوظيفة واضحة داخل هذه الرؤية يبقى دخيلًا مهما بلغت جاذبيته حتى الارتجال غير المدروس، لأن القيمة هنا لا تُقاس بقدرة المشهد المسرحي على الانتشار، بل بقدرته على الاندماج في نسيج العرض وإنتاج معنى يتجاوز الومضة العابرة، وتتصل هذه الرؤية اتصالًا مباشرًا بمفهوم العرض المسرحي المتكامل، حيث لا قيمة لأي عنصر بصري أو أدائي إذا لم يكن مندمجًا في رؤية إخراجية واضحة، تجعل من كل تفصيل في العرض جزءًا من الكل، لا قطعة منفصلة تُضاف لإثارة الانتباه على حساب الوحدة الدرامية. ومن جهة أخرى، يبرز سؤال لا يقل أهمية يتعلق بمكانة الفنان وخصوصية ظهوره أمام الجمهور. فالعرض المسرحي يُقدَّم للجمهور كمنظومة متكاملة، يُحسب فيها ما يقال وما لا يقال، وما يُصرَّح به وما يُترك للمعنى والإيحاء، لأن قوة المسرح لا تكمن في الكلام وحده، أنما في طريقة توزيعه داخل البنية الكلية للعرض، لذلك فإن بعض سلوكيات الفنان، وما يرافقها أحيانًا من مناوشات مع الصحافة والنقاد والجمهور، قد لا تخدم العرض المسرحي بقدر ما تكشف رغبة في فرض رأي محدد حول ما يجب أن يُقال في حقه، في ممارسة أقرب إلى إلغاء النقد منها إلى مناقشته. وهكذا يتحول الحضور الفني من جزء من التجربة المسرحية إلى أداة للهيمنة على التلقي، بما يربك التوازن الدقيق بين العمل وقراءاته المختلفة. فلماذا يغيب الوعي بهذه الحدود الاحترافية؟ إن هذه الأسئلة لا تتصل فقط بجماليات العرض، بل تمسّ جوهر العلاقة بين المسرح وجمهوره، وبين الفنان ومهمته، وبين ما يصنع ضجيجًا سريعًا وما يصنع أثرًا فنيًا باقياً. فالمسرح في جوهره، ليس ساحة لتجميع ما يثير الانتباه في المنصات الرقمية، بل فضاء لصياغة تجربة متماسكة، تتقدم فيها الفكرة على الإبهار، والبناء على اللقطة، والضرورة الفنية على الرغبة في الظهور والتصفيق. وتبقى هذه الإشكالات ضرورية في ظل الحاجة إلى التمييز بين ما يحقق انتشارًا سريعًا في المنصات الرقمية، وما يحقق قيمة فنية حقيقية قادرة على البقاء في الذاكرة. فالمسرح لا يُختزل في مقطع يُقتطع من سياقه أو لحظة تُستهلك ثم تُنسى، بل يُقاس بقدرته على إنتاج معنى متكامل، وعلى الحفاظ على استقلاله الجمالي أمام إغراءات الصورة السريعة وتسلط المنطق الاستعراضي. * ماجستير في الأدب المسرحي.