ليلة الأدب والغناء وعبق التاريخ ..

أغانٍ يمنية كُتبت بلسان رومي.

في ليلة الثلاثاء الماضي ، كنا على موعدٍ مع ليلةٍ أبهاوية مائزة, اختلط فيها أدب القصيد بفن الغناء بعبق التاريخ, بعد أن اختلطت سماء “سودة عسير” بالأرض, على طريقتها السماوية العلوية في استقبال ضيوفها, وقد راحت تفرش لنا الطريق إلى “ قصور أبو سرّاح التاريخية” بأكوام هائلة من البَرَد الناصع البياض, انتظمت تلك الأكوام على جانبي الطريق ترحب بنا, وتعكس إلى حدٍّ بعيد بياض ونقاء قلوب وابتسامات أهل أبها, في جوٍ عليلٍ بهيجٍ, لولا علمنا يقينًا بأننا لسنا في طريقنا إلى الجنّة لاختلط علينا الأمر كله. في “ قصور أبو سرّاح التاريخية” وجدنا الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو طالب, الأديب الموسوعي الذي سمعت أحد زملائه الحاضرين ينعته بالرجل الأمّة, بعد أن عجز عن تعداد مناقبه وآدابه وسجاياه, وجدناه وقد تزينت الشاشة المنتصبة خلفه بهذا العنوان (مناقشة كتاب “ روميٌّ بلسان عربيّ مبين”). وقد وقفتْ إلى جانبه سفيرة جمعيّة الأدب المهنية, الكاتبة والرواية القديرة الأستاذة عبير العلي, ترحب بنا ممثلة لهذه الجمعية المنظمة للفعاليّة, وإلى جوارها الأستاذ عبد العزيز أبو سرّاح, يرحب بنا هو أيضًا, ممثلا لقصورهم التاريخية المستضيفة للقاء. ولما كان عنوان اللقاء غريبًا ومبهمًا إلى حدٍّ بعيدٍ, أو لنقل غير جاذبٍ لنا “ روميٌّ بلسانٍ عربيّ مبين”, لم يكن لدينا من الحماس ما يوازي حماس الدكتور إبراهيم لموضوعه, حتى أننا رغم ثقتنا في علمه واتساع مداركه, صوّبنا نحوه أنظارنا, ووهبناه أسماعنا, فقط لأنه الدكتور إبراهيم أبو طالب وحسب, ولكن ما أن بدأ حديثه قائلًا: من يصدق أنّ الشاعر الذي كتب كلمات الأغنية الشهيرة “ من يبلّغ غزال رامه” هو شاعر روميّ بلسان عربيّ مبين, حتى انفرجت ـ على الفور ـ أساريرنا, وتهلّلت وجوهنا, واعتدل كل منا في جلسته, وقد عرفنا أننا بصدد رحلة فنيّة أدبيّة تاريخية ماتعة قطعًا, طالما نحن سنخوضها بمعيّة الدكتور إبراهيم أبو طالب, سيّد العارفين بالشعر الحميني والموشّح الصنعاني وتاريخ الغناء اليمني, ولأول مرة أعرف هذه الليلة, اسم كاتب هذه الأغنية الشهيرة, وكذلك أعرف أنّ هذا الأغا, هو أيضًا كاتب أغنية “ رسولي قوم بلغ لي إشارة” الشهيرة, علمًا بأنّ كلمات هاتين الأغنيتين ـ وغيرها من أغانيه ـ تنسب لأكثر من شاعر يمني. استعرض الدكتور إبراهيم ديوان الشاعر حيدر آغا, (ت 1070هـ الموافق 1659م), أحد أمراء الغناء الصنعاني, وصاحب الأغاني الشهيرة: “ من يبلّغ غزال رامة”, “ رسولي قوم بلّغ لي إشارة”, “ عليك وا ناقض لتلك العهود”, “ حوى الغنج والتفتير”, “ شاقني صوت الحمامة”, “ بلّغ الأحباب عنا يا نسيم”. ولمّا كان الحديث من الرجل المناسب, وفي المكان التأريخي المناسب, كان أول المتداخلين معه المؤرخ الشهير الأستاذ الدكتور علي قطب, ثم القاص والروائي الأستاذ إبراهيم مضواح الألمعي وغيرهم من الأساتذة والمهتمين. وفي نهاية اللقاء شرّفتني الأستاذة القديرة عبير العلي, بأن دعتني مشكورة إلى المنصة, حتى أشاركها في تسليم شهادات الشكر والتقدير للدكتور إبراهيم أبو طالب, والأستاذ عبد العزيز أبو سرّاح.