«ايجي بست»: عروة بن الورد لو كان سينمائياً.

“ايجي بست”: عروة بن الورد لو كان من ضمن الصفات المُشتركة بين المشتغلين في المجالات الفنية هي الرغبة في ترك أثر نتيجة ما يقدمونه، سواء كان اختيارهم لهذا القالب يصنف من قبل النقاد بأنه تقليدي أو تحديثي أو تجريبي.. تبقى المحصلة واحدة، وهي ألا تمر أعمالهم مرور الكرام. ولا يتعارض ذلك مع قيم أخرى تبرز بشكل واضح وهي التعبير عن الذات في المقام الأول، وخلف حالة التعبير تلك تتكشف مضامين الأفكار والرؤى التي يحملها كل منهم في جعبته. إذن، الفن ليس إبداعاً خالصاً في جوهره، ولا رسالة سامية لها أهداف لتقويم الفرد والمجتمع، بل هو عصارة من الذاتية التي تتبلور في أداة استثنائية تمنح صاحبها قول ما يشاء بخفة ومجاز احتيالي بالغ الذكاء. أمام هكذا توصيف، تبرز تقاطعات بين عدد من الشخصيات الفنية على مرور العصور، رغم اختلاف السياق والمعطى العام، إلا أنها تصب في مجرى واحد. مثال ذلك، شخصية الشاعر الجاهلي عروة بن الورد وموقع إيجي بست السينمائي. يأتي ذلك الاستحضار تزامناً مع طرح فيلم يحمل اسم الموقع المصري في صالات السينما مؤخراً. وقبل تناول الفيلم، من المهم الحديث عن الشاعر المظلوم في سياقنا العربي. والدافع وراء توصيف الظلم أن عروة بن الورد غرق – كما وقع على كثير من الرموز والشخصيات – في بحر الهيمنة الغربية، فبات لدينا روبن هوود كمثال صارخ عند الحديث عن شخصية تسعى إلى تطبيق العدالة الاجتماعية من خارج المؤسسة. لقد عاش عروة حياته، لمن لا يعلم، كشاعر خلاّق ومناضل ملتزم، فشعره كان مدار استئناس كبار الشخصيات في حقبته، ولم ينكر أحد له الفضل والجمال، بل ينسب للصحابي الجليل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتذوق شعره؛ بخاصة أثناء المعارك والحروب. ومن يطالع شعره سيجد نفسه أمام صعلوك زاهد، يكثر في قصائده الانشغال بهموم الفقراء، فهم قضيته الرئيسية، والموضوع الذي يشغله على الدوام. مقابل ذلك، يُحسب له أنه حوّل تلك الأداة الإبداعية إلى واقع لإثبات صحة المبادئ التي يؤمن بها، فكان ناراً على علم في قضية إعالته المحتاجين وأخذ اللقمة من أفواه المقتدرين وتقديمها للمحتاجين كحق؛ إيماناً بأن بتلك الطريقة ستتحقق العدالة، وسينال كل ذي حق حقه. هكذا عاش عروة بن الورد حتى مات، إلا أن سيرته لم تمت عند كل منصف يؤمن بأن لنا نحن العرب بصمة في حقل من حقول عالم يسعى عمداً إلى تهميشنا. المطلع على قصة تأسيس موقع أيجي بست سيدرك نقطة التقاطع بينهما، فنحن أمام موقع تم إنشاؤه ليكون بديلاً عملياً لغير القادرين على حضور الأفلام في السينما، وتحمل تكلفة دفع التذاكر. هذه هي القصة الفعلية التي يدركها كل من عاصر فترة توهجه. وأزعم أن لا أحداً ينوه الآن في الوطن العربي بأنه مُحب للأفلام إلا وسبق له زيارته، والنهل من الخيارات المتعددة التي كان يوفرها مجاناً. مهم أيضاً الإشارة بأن مؤسسي الموقع لهم دوافع ذاتية وراء هذه الخطوة، سواء كانت في التعبير عن أنفسهم والوصول إلى المنزلة التي يرونها مناسبة لهم، أو ربح مالي لا يخلو منه صاحب أي مشروع كان. وعليه، فإن الشاعر عروة بن الورد وموقع إيجي بست بينهما تقاطع واضح في مشروعهم الفني، فكلاهما يأخذ اللقمة من فم الأسد ويهبها إلى غير القادرين على تذوقها، دون أن يخلو ذلك من دافع ذاتي محض، سواء معنوي أو مادي. أما ما يخص الفيلم، فهو من الناحية الفنية كُتب بإتقان، وقدم مادة مُتخيلة بشكل مشوق وماتع، والتي قد تتقاطع فعلياً في مضمونها مع القصة الحقيقة لتأسيس الموقع. تبقى نقطة في غاية الأهمية، وهي جدلية تطابق المحتوى مع ما جرى فعلاً، وتظل تلك النقطة ملاصقة لكافة المحتويات التي تسعى إلى نقل سيرة ما، سواء كانت شخصية سياسية أو فنية أو اجتماعية.. ما يدفع البعض إلى اعتبار ما عرض أو كتب منافٍ للحقيقة، بل يصل عند البعض وصفه بالكذب والتزوير. ولا أود في هذا المقال تبرأة صناع الفيلم من شيء من هذه التهم، التي لم يسلم منها أي توثيق إبداعي، عربياً كان أم أجنبياً، ومرد ذلك إلى اطلاعنا على تلك السيرة، قراءة ومتابعة، وفي بعض الأحيان الوقوف على طرف منها في حياتنا، فكيف يا ترى سيكون الحال مع شخصيات مُبهمة، ومتلحفة برداء الظلام لتقديم نفسها، تماماً كما هو الحال مع موقع إيجي بست. الأكيد، أننا نعيش في عالم قائم على صراع بين القدرة والحاجة، ما يُحتم معها أن نرى نماذج تعاكس هذا الاتجاه عبر خلق فرص لواقع مُختلف، حتى لو كان ذلك على حساب مبدأ راسخ وهو حُرمة السرقة، وتجريمها، وهو التحريم الممكن مقابل حُرمات كثيرة تقترفها أدوات الرأسمالية منذ هيمنتها على العالم بلا حساب أو إدانة.