في الفيلم السعودي هجرة..

المنفى الأنثوي.

هناك نكهة خاصة للكتابة السينمائية النسائية والتي تحمل نوعاً من الخصوصية والعمق، والغوص في التفاصيل لأبعد درجة ممكنة، وقد تكلمت سابقاً عن الفيلم السعودي “سيدة البحر” وكتتمة للصناعة النسائية في المشهد السينمائي السعودي سأتناول اليوم فيلم “هجرة” الذي صنعته ذات الأيادي فهو من كتابة وإخراج للمخرجة السعودية ( شهد أمين) وتتميز هذه الأعمال بطرح قضايا المرأة بطريقة رمزية و تحمل الكثير من الرسائل، لتترك لنا المخرجة التأويل في الكثير من الأحداث داخل الفيلم بل وحتى نهايته. وتبدأ أحداث الفيلم بمشهد لسيارة نقل متجهة بركابها إلى الأراضي المقدسة لآداء فريضة الحج بتركيز شديد على الحفيدة التي تسمع الموسيقى وتمارس شغبها بينما تنشغل الجدة بحمايتها، تتحول رحلة الحج هذه إلى رحلة من نوع آخر .. حيث تأخذ الجدة حفيدتها من الحرم لتبدأ رحلة هجرة وبحث بلا وجهة، تحمل القصة الكثير من المعاني والرمزيات، حول البحث عن الذات في طريقٍ لا ينتهي، يقدم الفيلم رؤية إنسانية لمفهوم الهجرة تتجاوز المعنى التقليدي المرتبط بالانتقال من مكان إلى آخر بجعلها تجربة وجودية و محاوله مستمرة للعثور على الذات، فالفيلم لا يشغلك بالمسافات الجغرافية بقدر ما يلفت نتباهك إلى المسافات النفسية والروحية التي يقطعها الإنسان وهو يحاول أن يجد الرابط ما بين بين أحلامه وواقعه، و من أبرز عناصر قوة الفيلم إعتماده على فكرة الرحلة كرمز للتحول فالشخصيات تتغير رؤيتها للحياة خلال الطريق، لتصبح الهجرة حالة من القلق والسعي المستمر فالوصول إلى المكان الجديد لا يعني بالضرورة الوصول إلى الطمأنينة التي كان يبحث عنها، وكأن الفيلم يتركنا أمام سؤال مهم عن معنى الانتماء و هل ينتمي الإنسان إلى المكان الذي وُلد فيه أم إلى المكان الذي يحقق فيه ذاته؟ استخدم الفيلم الصحراء وكأنها شخصية موازية للأبطال؛ كفضاء شاسع ومجرد يعكس الوحدة والضياع والانتظار، أما اتساع الكادر والأماكن البعيدة فكشف هشاشة الشخصيات وضعفها وصغرها أمام قسوة العالم، وحتى الصمت الذي يملأ مساحات عديدة من الفيلم لا يبدو فراغاً درامياً، بل لغة أخرى تعبّر عن الخوف والتردد والعجز عن تسمية المشاعر، أما بصرياً، فسنلاحظ اعتماد الفيلم على إيقاع متأنٍ يمنح المشاهد فرصة للتأمل أكثر من المتابعة التقليدية للأحداث، وهذا البطء ينسجم مع طبيعة الرحلة نفسها؛ فالتيه لا يُروى بسرعة، والانتظار لا يُختصر، ومن هنا تنبع قوة الفيلم، إذ يجعل المشاهد يعيش الإحساس بالهجرة بدلاً من أن يكتفي بمشاهدتها، حبكة الفيلم والتركيز على الشخصيات النسائية بهواجسها وأحلامها، مأساة المرأة التي تجعل منها مجرد كائن مضاف إلى الرجل، يحمل شرفه وسمعته وبإمكانه احتجازه في أية لحظة ونفيها بعيداً عن الأنظار، هذا البحث المرهق عن الحرية وتحقيق الآمال الصغيرة وفتح صناديق الزمن في محاولة لتحسين الواقع .. من خلال هذا الهرب وهذا الطريق الغير منتهي وهذه الهجرة المجهولة الوجهة ..وكأنها تصف رحلة المرأة الطويلة ومحاولة الوصول إلى مكان تستطيع أن تكون فيه على حقيقتها، كماهي مستقلة لا تابع .. وهذا يجعلني أفسر النهاية المفزعة وموت الجدة كبداية لمرحلة أفضل وأكثر اتساعاً ورحابة، و اختفاء الجدة في نهاية فيلم هجرة من أكثر لحظاته ثراءً وتأويلاً، فهي تترك المشاهد أمام عدة احتمالات رمزية، يمكن قراءة الجدة على أنها تجسيد للماضي، للبيت الأول، وللهوية التي نحملها معنا أينما ذهبنا أو أن اختفاؤها في النهاية يوحي بأن رحلة الهجرة تقتضي دائماً خسارة شيء ما؛ فالإنسان لا يعبر إلى مرحلة جديدة دون أن يترك جزءاً من ذاكرته أو جذوره خلفه، و ثمة قراءة شعرية قد ترى أن الجدة ليست شخصية واقعية بالكامل، بل هي عبارة عن حضور روحي يرافق الرحلة لذلك فإن اختفاءها في النهاية يشبه اختفاء المرشد في الحكايات الصوفية والأساطير؛ فحين يصل المسافر إلى لحظة الإدراك، يختفي الدليل لأن مهمته انتهت. يقف خلف “هجرة” فريق جمع بين الخبرة العالمية والروح المحلية، الفيلم من تأليف وإخراج المخرجة السعودية (شهد أمين) التي تواصل مشروعها السينمائي القائم على استعادة الحكايات السعودية من منظور إنساني ونسائي وشاعري، بعد تجربتها اللافتة في فيلم “سيدة البحر” كما شارك في الفيلم مدير التصوير التشيلي “ميغيل ليتين-مينز”، والموسيقي الفرنسي “أرماند أمار”، المعروف بقدرته على تحويل الموسيقى إلى لغة روحية وتأملية، كما يشارك في البطولة كل من “خيرية نظمي”و “نواف الظفيري”، و”لمار فادن”، صُوِّر “هجرة” في ثماني مدن ومناطق سعودية بني مالك، الطائف، جدة، المدينة المنورة، العلا، تيماء، تبوك، نيوم، وضباء، على امتداد رحلة بصرية تكشف التنوع الجغرافي والثقافي للمملكة، و يعتمد الفيلم على لوحة لونية تنتمي إلى الأرض بدرجات البني والرملي وهي ألوان تمنح المشاهد شعوراً بالتيه والجفاف والبحث المستمر، وفي المقابل تظهر ألوان السماء الزرقاء و الأراضي الخضراء المحدودة كلحظات أمل عابرة، فإن الألوان الترابية لا تعكس البيئة الصحراوية فحسب، بل من الممكن أن تعبّر عن فكرة الجذور والانتماء والشخصيات تبدو مندمجة مع الأرض، كأنها جزء منها، تحمل غبارها وتاريخها وذاكرتها. ويمكنني القول أن أذكى ما فعله الفيلم هو توظيف فكرة الحج خارج معناها الشعائري المباشر فالحج في “هجرة” ليس مجرد حدث تاريخي أو ديني يدور في الخلفية، بل استعارة كبرى لفكرة الرحلة الإنسانية نفسها، فالشخصيات هنا تسير نحو مكة، لكنها في الحقيقة تسير نحو ذواتها، وكأنها في رحلة للتطهير والاكتشاف، أما عنوان الفيلم “هجرة” فيحمل دلالات مختلفة دينية وتاريخية عميقة، تستدعي الهجرة النبوية بوصفها انتقالاً من حال إلى حال، ومن ضيق إلى أفق جديد، لذلك فإن الفيلم لا يتحدث عن الانتقال المكاني فقط، بل عن الهجرة بوصفها تحوّلاً روحياً وإنسانياً، حيث يعود الإنسان من الرحلة شخصاً آخر، حتى وإن وصل إلى المكان نفسه. سينما (شهد أمين) تعد بالكثير وهي تحلق في سماء وحدها، واتوقع أننا موعودون بأفلام قادمة مختلفة، تطرح قضايا المرأة بخفة وذكاء ..فهي لا تقدم المرأة بوصفها رمزاً رومانسياً أو شخصية ثانوية تدور في فلك الرجال، بل جعلتها حاملة لجزء كبير من العبء الإنساني والروحي فالمخرجة (شهد أمين) لا تتعامل مع قضايا المرأة عبر الخطابة أو الشعارات المباشرة، بل من خلال التفاصيل الصغيرة، كالنظرات و الصمت، ثقل المسؤولية، والجسد الأنثوي الذي يصبح جزءاً من مشقة الرحلة، و هنا تتحول المرأة إلى مرآة للهشاشة الإنسانية كلها، وليس فقط لمعاناة النساء. و بهذا المعنى كما أسلفت لا يتحدث “هجرة” عن رحلة رجال ونساء عبر الصحراء فحسب، بل عن رحلة المرأة العربية نفسها؛ رحلتها الطويلة بين القيود والنجاة، وبين التمسك بالجذور والرغبة في إعادة تعريف ذاتها، و إذا كان الرجال في “هجرة” يسافرون عبر المكان، فإن النساء يسافرن أيضاً عبر طبقات الصمت والانتظار والفقد ولذلك تبدو هجرتُهن أكثر خفاءً، لكنها ربما الأعمق أثراً.