في (الطّواف حول النخلة) للكويتي خالد النصر الله ..

سرديات الأثر الروائي .

في واحدة من سرديات ما بعد مصير الانسان، تظهر كتابات غاية الدقة والحساسية ازاء ما تنطوي عليه الاحداث ونتائجها المعهودة، والسرد الروائي واحد من اهم هذه السرديات، فحين يكون المصير العام هو العامل المؤثر على المصير الخاص، ينتج عن ذلك رؤى مفتوحة في عالم السرد، أهمها السرديات الروائية المستلة موضوعاتها من التفاصيل الوجودية، ولم تكن الاحداث ودقائقها سوى تمريرات قصدية غايتها مسك الموضوع، ولعل رواية (الطواف حول النخلة) للروائي الكويتي خالد النصر الله واحدة من هذه الروايات التي تشتغل على تواترات متصاعدة تمنح المتلقي قناعات فرضتها طبيعة البنية السردية ذاتها، لأننا ازاء كتابة روائية، بمعنى حضور المتخيل في البناء والطرح، وليس (الفن السيري)، ويلفت الانتباه ان لعبة ترحيل السيرة داخل النص الروائي ذاته اقتضى التصرف في التسمية الافتراضية لأبطالها وللأمكنة ولبعض التواريخ الحساسة، ومن خلال الغور في تفاصيل الرواية، نلمس ما جاءت به من ملحمة درامية مؤثرة، استنهضت عبر سيرة رجل هويته مشتركة بين بلدين مجاورين (العراق / الكويت) ما يقتضي فتح شفرة البيئة الاولى وما تحمله من عوامل اجتماعية وسياسية، كانت الارضية الخصبة في اعطاء بؤرة الانطلاق في تفاصيل الرواية.. الأثر الاجتماعي قد يأخذ منحى التأويل في البناء السردي، وهذا ما قام به الروائي مع بطله من خلال ترحيل صيغة (الراوي العليم) لنقرأ ما اتفقا عليه في تبادل الادوار (أنا انت .. و.. أنت أنا) فـ(خالد النصر الله/ الروائي الشاب الذي ولد في العقد الثمانيني من القرن الماضي) هو القاص والروائي (اسماعيل فهد اسماعيل/ الذي ولد مطلع العقد الاربعيني من القرن الماضي) وهذه اللعبة المموهة في الرواية اعطت حرية الاداء عبر مسحة كبيرة في كتابة الاحداث.. اعطت رواية (الطّواف حول النخلة) انعطافه تراتبية في سرد الاحداث للشخصية المحورية (طرفة) مع ما جاء به من تناظر مكاني في الولادة والنشأة ومغامرة الاحداث التي جعلت منه ظاهرة (سوسيو ثقافية) لتبرز خلالها علامات تاريخية لبلدين مجاورين (العراق/ الكويت) فكانت البصرة التي يذهب اليها عبر دراجته فيها انعطافه كبيرة لطبيعة المكان والانجذاب اليه، وقراءته منذ الطفولة لمؤلفات مهمة كـ(الف ليلة وليلة) ومن ثم تعلقه بفن التمثيل وكذلك التقرب من الادباء، ومحاولاته الاولى في كتابة القصة وحبه للسينما عندما زار بغداد، خلق منه ذاتا باحثة عن تأصيل واعي لشخصية لها مستقبلها الابداعي، حتى فترة نضوجه الاول وانضمامه حماسيا للتظاهرات ومغامرة الخوض في عالم السياسة، كذلك دراسته وتخرجه من دار المعلمين وبعدها عمل في سلك التعليم، وانسراحه في عالم التظاهرات والآراء الرافضة للسلطة، كلها اعطت فحوى العمل الروائي في ثلثه الاول عن محورية الشخصية الروائية ذاتها. ما يثير الانتباه ان الروائي النصر الله اعطى سردا تماهى مع المظهر التاريخي للوقائع مع ايجاد البعد التخيلي عبر انغماس الاحداث بدلائل لها جذرها الواقعي، لكن اللعبة والمهارة السردية كشفت عن حقيقة الكتابة الروائية بزمانية ومكانية الرواية، لتتكرس فنية الرواية عبر استدعاءات الروائي ذاته للشخصيات والامكنة والازمنة، لكن هل هذه رواية (تاريخية) بما تحمله من ابعاد مرصوفة للأحداث؟ أم ان استنطاق الشخوص يعيد تصنيفها الى ذلك؟ اعتقد انها رسالة واعية لإعادة قراءة تاريخ المدن عبر شخوص لهم وقعهم البارز في الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية، و(ان الرواية هي التي تصهر التاريخ بأحداثه وشخصياته، وتعيد اخراجه وانتاجه لنا روائيا) كما يقول الناقد: محمد لمين بحري. لو عدنا الى عنوان الرواية بوصفه عتبة استهلالية اولى (بحسب: جيرار جنيت) سنلمس ان حالة الطواف حول النخلة، هي حالة الانتماء الرحمي الى المكان الذي يجد فيه (طرفة) مكانا للاستراحة (البحر قريب مني، وكلما ضاقت بي الافكار اطلق ساقي بمحاذاة شريط الشاطئ حتى اصل الى فندق الشيراتون، هناك نخلة كبيرة بعد الكنيسة، استريح بالقرب منها) ص189. وهي تعطي في الوقت ذاته دلالة للانتماء الجذري للمكان، ومهما كانت تراتبية الاحداث وسيرية البطل الروائي، فإن الطواف حول النخلة هو انعكاس للهوية حين تكون هناك اسقاطات نفسية معبرة عن حالة تجلي لمنولوج داخلي. وتكمن مشهدية الطواف في استرخاء سردي لمحطات رسمت في فقرات الرواية وتواريخها.. ومع تراجيديا الاحداث والتحول السيري للبطل وتنوع اشتغالاته، ومعاصرته للتحول السياسي في العراق، نلخص من ذلك (ان الرواية مؤسسة اجتماعية، تتألف من شخصيات قليلة ومن امكنة وازمنة معينة، واحداث مختلفة أو واقعية) بحسب: ياسين النصير (الرواية محادثة المدينة، ص271) لذا كانت واحدة من اهم الالتقاطات في الرواية الجانب السوسيو ثقافي ـ حين سافر الى مصر بغية صدور روايته الاولى ولقائه بأهم الاسماء الادبية، لكن انبهاره بلقاء الروائي الكبير نجيب محفوظ كان له الاثر في تاريخه الابداعي، وهي انتقالة لها قيمة سيرية غاية الاهمية، وعلى قدر التكوين الذاتي اصبح لديه حضور ملفت للنظر (من دهشته، لم يستوعب أنَّ الماثل امامه نجيب محفوظ) ص223. اضافة الى متواليات الاحداث فقد استنهضت الرواية من داخل متنها، عبر بناء سردي روائي تمثل ذلك من خلال تأليف البطل الروائي (طرفة) الى روايات وقصص، وفي احدى هذه الروايات قرأنا تماثلا متناظرا لذات المؤلف وقتل هذه الذات عبر المتن الروائي (كنت قد خلقت عائلة فيها زوجان وطفل يعيشون في شقة صغيرة تماما مثلي، وفي مطلع الرواية قتلت نفسي) ص247. ولعل هذه اللعبة السردية تعد من سرديات ما بعد الروائي، فهي خلق داخل خلق سردي، اوهي محاولة اقناع متخيل لقتل (أنا السارد ـ الروائي) وانعطافا على ما جاءت به طبيعة الرواية، فإنها في الوقت ذاته تمثل الانعكاس التراجيدي الواقعي للروائي، واجزم بأنها واحدة اهم الدرامات السردية في بنائها وتفاصيلها وتقطيعاتها المشهدية. ومن مراحل التحول السيري لـ(طرفة) معاصرته مرحلة الحرب العراقية الايرانية، وهي مرحلة شديدة الحساسية لما يحمله من ازدواجية الجنسية، وكان انشداده لهذه الحرب أمرا واضحا، وما نجم عن تداعيات هذه الحرب هو معرفته بـ(جواد) عبر صديق عراقي مقيم في الكويت، وهو شاب طموح جاء الى الكويت هربا من النظام الحاكم، ما يدل على ان القضية السياسية والفكرية التي يحملها (طرفة) فيها مغامرة مثل التي جعلته يحتضن القادم من العراق، وكذا الحال في مرحلة غزو الكويت في العام 1991 حيث الاحداث عبارة عن مشهديات واقعية، جاءت ذلك عبر والد زوجته حين قال له (قوات عسكرية تجتاح البلاد) ص315. ومع حدّة الاحداث وتواترها وتفاصيل الغزو، فقد كان (طرفة منشغل بتأسيس حركة المقاومة الخاصة به، يجري اتصالات مشفرة ولقاءات سرية متواصلة) ص224. الرواية في مقاطها الاخيرة شهدت استلهامات كبيرة لبؤرة المكان الاول (يَحِنّ الى مساكنة النخلة) ص359. ونية السفر الى بلد اسيوي بعيد عن الضجيج وعن تفاصيل الوجع الذي رافقه طوال مسيرته الاجتماعية والسياسية والثقافية، وقبل وفاته كانت الرغبة واضحة وملمة من قبل الشاب الذي اراد كتابة سيرته، فكانت على الشكل الروائي الذي قرأناه قبل وفاته، والرواية بكليتها قدمت للقارئ النمط السردي عبر أثر السير ذاتي وما كانت عليه حياة بطلها.