وداعاً لعائشة الحكمي ..

أستاذة الأدب التي تركت مقعداً لا يملأ في تبوك .

يعجزني فيض العبارات أمام هذا الفقد الثقيل، كلما مددت يدي لأكتب عن الدكتورة عائشة الحكمي، استوقفتني ذكريات صوتها، وكلماتها، وابتسامتها، وعطفها الذي لم يكن يعرف حدودًا. تتزاحم الجمل في صدري، وأحسب أنني قادرة على الإمساك بها، لكنني ما إن أبدا في الكتابة حتى تتبعثر الحروف وتسبقها الدموع. ليس من السهل أن نرثي الذين كانوا جزءًا من تفاصيل أيامنا وأمانها، أولئك الذين تسللوا إلى قلوبنا بهدوء حتى ألفنا حضورهم واعتدنا وجودهم وظننا أن الأيام ستمضي بهم ومعهم كما اعتدنا دائماَ، حتى جاء خبر الفقد ليملأ المنصات نعياً وتعزية، ووقفنا أمام الخبر غير مصدقين، أحقاً غابت وكيف يمكن لمن كانت تملأ المكان علينا علمًا ومحبةً وحضورًا أن تغيب فجأة؟ بالنسبة لي، لم تكن الدكتورة عائشة الحكمي أستاذة جامعية أو أديبة معروفة فحسب، بل كانت واحدة من الشخصيات القريبة إلى القلب على امتداد ما يزيد عن ثمانية عشر عاماً، بدأت علاقتي بها طالبة ثم استمرت وامتدت تلك العلاقة عبر سنوات العمل فظلت حاضرة في محطات كثيرة من حياتي المهنية، كنت أتعلم منها أحيانًا، وأستأنس بحديثها أحيانًا أخرى، وفي كل مرحلة كنت أكتشف جانباً فريداً في شخصيتها، وأرى فيها دائمًا ذلك النموذج الإنساني النادر الذي يجمع بين العلم والتواضع لتجعل القرب منها أمرً يسيراً ومحبباً ولهذا كان فقدي لها فقداً شخصياً قبل أن يكون فقداً أكاديميا أو ثقافياً، وجميعهما صعب. لم أكن وحدي من رأى فيها ولامس هذا الجانب الإنساني الجميل، فبعد انتشار خبر رحيلها، لفت انتباهي أن كثيرا من كلمات النعي والرثاء لم تبدأ عن حضورها الأكاديمي او مؤلفاتها أو ابحاثها وكلهما مٌٌهم ومٌقدر، بل بدأت بالإنسانة التي عرفوها كما عرفتها استعادوا ذكريات قربها وتشجيعها وسعة صدرها ودعمها وتواضعها ونبل تعاملها، ومكانتها التي وصفت كثيراً بالأخت. وكان ذلك لافتاً بالنسبة لي، فالدكتورة عائشة رحمها الله عٌرفت أكاديمية وباحثة وأديبة، وقدمت منجزاً علميا وثقافياً يستحق التقدير ومع ذلك حضرت إنسانيتها بقوة مع محبيها حتى بدا الحديث عنها حديثاً عن الأديبة والاكاديمية والإنسانة في آن واحد. وهنا تتجلى مفارقة جميلة، فالأديبة التي انشغلت بحثاً وتأليفاً وتأملاً في السيرة الذاتية والذات الإنسانية، أصبحت هي نفسها صاحبة سيرة إنسانية وثقافية يرويها الآخرون ويتأملونها. وإذا كان من السهل توثيق منجزات الدكتورة عائشة الحكمي العلمية والثقافية، من مشاركتها في أحد قواميس الأدب والأدباء في المملكة العربية السعودية الصادرة عن دارة الملك عبد العزيز، وإسهامها في موسوعة تبوك العلمية والأدبية لجامعة تبوك، إلى حضورها في المؤتمرات والندوات والملتقيات العلمية ورأستها اللجنة النسائية في نادي تبوك الأدبي، ومشاركاتها الإعلامية والثقافية المتعددة داخل وخارج المملكة، وكونها أحد سفراء جمعية الأدب والأدباء بمنطقة تبوك، فأن ثمة مشروع آخر يصعب حصره في سجلات الوثائق. كان مشروعها الحقيقي كما أراه، مشروع صناعة القارئات، والكاتبات الباحثات، والمؤلفات. فمنذ سنوات عملها في جامعة تبوك، لم تكن تكتفي بتدريس الأدب السعودي بوصفه منهج أكاديمي، بل كانت تزرع حب الأدب في نفوس طالباتها وتذوق فرادته، وتدفعهن إلى القراءة والاكتشاف والتساؤل، كانت تقرأ إجاباتهن بعين الباحثة التي تبحث عن الموهبة، وتطرح الأسئلة الاستكشافية التي تفتح أبوابا جديدة للتفكير والقراءة والكتابة. ولم يتوقف هذا الدور عند أسوار الجامعة، أو عند تخرج الطالبات، بل يتواصل دورها ويستمر مع الخريجات، وحتى بعد تقاعدها من العمل الأكاديمي، لم تنسحب من المشهد الثقافي، بل بدت أكثر تدفقا في العطاء، عادت من بوابة المدارس والبرامج الثقافية والمحاضرات والأنشطة الأدبية، تلتقي الأجيال الجديدة وتغرس فيها الشغف ذاته الذي حملته طوال حياتها، شغف القراءة والمعرفة وحب الاعتزاز باللغة العربية الفصحى التي كانت تتحدث بها دائماً. كانت تؤمن أن الطريق يبدأ بالقراءة، ثم يتسع للكتابة، ثم للبحث، ولهذا لم يكن مستغرباً أن يكون سؤالها المتكرر لطالباتها وأنا منهٌن “ متى تؤلفين كتاباً يا فتاة “؟ لم تكن تسأل عن الكتاب بقدر ما كانت تدعو إلى مشروع معرفة، مشروع وطني ثقافي، لم تتخاذل عنه رغم كل مسؤولياتها الأدبية والثقافية. وربما لهذا السبب لا يمكن قياس أثرها بعدد الكتب التي ألفتها والأبحاث التي نشرتها فقط، بل أيضاً بعدد القارئات والكاتبات والباحثات اللواتي أسهمت في صنع خطواتهن الأولى. ثم شاهدتهن وهن يواصلن الطريق حتى الماجستير والدكتوراة والتأليف. وحتى حديثها عن القراءة لم يكن مجرد دعوة نظرية، بل ممارسة يومية عاشت بها وعاشها من حولها، فقد فتحت لنا أبواب مكتبتها الشخصية العامرة والتي تعد من أهم المكتبات الشخصية في المنطقة، فتحتها لمن تهتم بالقراءة والبحث، وأتاحت كتبها لكل من أراد أن يقرأ ويستفيد، فقد كانت تؤمن أن الكتب يجب ألا تبقى حبيسة الرفوف، وهذه جسور صغيرة تبني معرفة لا يمكن تصور مداها الثقافي. ولم يقتصر أثرها على التعليم والبحث والكتابة، بل امتد إلى سلوكها الثقافي اليومي، فمن رافقها في الندوات والأمسيات والملتقيات الثقافية تعلم منها أدب الحوار، واحترام الرأي الآخر، ولعل ما يميزها أيضاً أنها لم تكن منشغلة كثيراً بما يُنشر عنها أو بصورة ظهورها أو المكان الذي تجلس فيه، أو بحجم الحضور ونوعه، كانت تنشغل بالأثر وتؤمن أن القيمة الحقيقة فيما يقدمه الإنسان من علم وعطاء، لا فيما يحصده من اهتمام وإشادة، تؤدي دورها وتشارك ثم تمضي بهدوء. أتذكر أنني طلبت منها ذات يوم في أحد القاعات أن تتقدم إلى المقاعد الأمامية، وقلت لها تفضلي هُنا فذلك المقعد أولى لكِ دكتورة عائشة، فأجابت بعفويتها المعهودة “ أليس هذا أيضاً مقعد، أجلسي “ يومها جلست معها، وأدركت أن المكانة لا تصنعها المقاعد ولا تمنح قيمةً للكاتب والأديب، بل نحنُ من نمنح المكان قيمته بما نتركه من أثر. رحلت الدكتورة عائشة الحكمي، وغاب صوت ألفناهُ في الندوات والملتقيات، لكن أثرها باقٍ، في كتبها وأبحاثها، وفي زميلاتها وطالباتها، وفي ذاكرة المثقفين والمثقفات وفي كل قارئ أو باحث دفعتهُ يوماً إلى المشهد الثقافي، بقي أثرها في كل فكرة ألهمتها، وفي كل يدِ أخذت بها نحو المعرفة. أما نحنٌ الذين عرفناها عن قرب، أختاً وصديقة وأستاذة وأديبة وإنسانة، سنفتقد حضورها وصوتها وكلماتها وسنفتقد ذلك القلب الذي أتسع للجميع. سيبقى مقعدك فارغاً يا دكتورة عائشة، لكن الأثر الذي ملأته في حياتنا لن يعرف الفراغ ستبقى سيرتكِ حاضرة في القلوب والذاكرة، فأي فقد هذا الذي يترك كل هذا الغياب وكل هذا الحضور في آنِ واحد؟