اللاعب المعتزل..

من المجد إلى المجهول.

تتجاوز أزمة ما بعد الاعتزال حدود الرياضيين، لتصبح انعكاسًا لنمط حياة يفتقر إلى التخطيط والاستشراف المبكر للمستقبل، حيث تتقاطع التجارب بين لاعبٍ عاش وهج الشهرة والدخل المرتفع، وفردٍ في المجتمع يواجه التحدي ذاته عند غياب الوعي المالي والمهني، حيث تبرز هذه الإشكالية في الوسط الرياضي خاصة، نظرًا لقصر العمر المهني للاعب، وتسارع المكاسب المادية التي قد تُغري بالاستهلاك دون بناءٍ مستدام. وتكشف آراء مختصين ومسؤولين أن جذور المشكلة لا تبدأ عند لحظة الاعتزال، بل تمتد إلى سنوات الاحتراف الأولى، حين ينشغل اللاعب بالأداء والنجومية، دون إعدادٍ حقيقي لمرحلة ما بعد الملاعب. وتتباين التجارب بين من أحسن استثمار مسيرته ونجح في تأمين مستقبله، وآخرين تعثروا ماليًا ونفسيًا، ما يعزز الحاجة إلى منظومة متكاملة تعيد تعريف الاحتراف ليشمل التأهيل المالي والدعم النفسي. “اليمامة” مررت هذا الملف على نخبة من المختصين واللاعبين الرياضيين، لتأتي آراؤهم وتعليق اتهم قراءة واقعية ترصد التحديات وتفتح آفاق الحلول نحو مستقبل أكثر وعيًا واستدامة، وعيش كريم للاعب بعد اعتزاله. من وهج الملاعب إلى تحديات الحياة هل ينجح اللاعب في كتابة مستقبله؟ صالح أبو نخاع نتاج أسلوب حياة يفتقر إلى التخطيط السليم أوضح عضو الاتحاد السعودي والمشرف العام على المنتخب الأولمبي صالح أبو نخاع أن هذه المشكلة لا تقتصر على الرياضيين فحسب “بل تمتد إلى فئات متعددة في المجتمع، ونتاج أسلوب حياة يفتقر إلى التخطيط المستقبلي، حين يعيش بعض الأفراد يومهم دون أن يسعوا لبناء مصادر دخل إضافية تساندهم في مواجهة تقلبات الحياة ومتطلباتها المتزايد”. وأشار إلى أن هذه الإشكالية تنطبق كذلك على شريحة من اللاعبين الذين كانوا يتقاضون رواتب وحوافز مالية مجزية في فترات سابقة “ إلا أنهم للأسف لم يدركوا أن لتلك العوائد سقفًا زمنيًا سيتوقف عنده، ولم يكونوا على أهبة الاستعداد لتلك المرحلة”. وزاد: الفرص لا تزال متاحة أمامهم اليوم بشكل مختلف، حيث يمكنهم الالتحاق بالدورات التدريبية والإدارية، والعمل داخل الأندية في الجوانب الفنية أو الإدارية، لاسيما أن هذا التوجه يحظى بدعم كبير من القيادة الرشيدة، الذي يولون القطاع الرياضي اهتمامًا ملحوظًا، إلى جانب استقطاب وتأهيل الكوادر الإدارية والفنية. واختتم حديثه بالتأكيد على أن الدولة – أيدها الله – لم تغفل عن بقية فئات المجتمع “حيث أسهمت في إنشاء العديد من الجمعيات الخيرية التي تهدف إلى دعم المحتاجين ومساندتهم، بما يعكس حرصها على تحقيق التكافل الاجتماعي والاستقرار المعيشي”. عبدالخالق الغامدي الاستفادة من التجارب التجارية الناجحة من جانبه، يرى الكاتب الاقتصادي عبدالخالق الغامدي وجوب التفريق بين ثلاث مراحل فيما يخص الدخل الرياضي للاعب: “فالمرحلة الأولى قبل عام 2000 لم تشهد الاحتراف الرياضي، واعتماد غالبية لاعبي تلك المرحلة على دخل وظيفي ممزوج بدخل رياضي ليس بالمرتفع، فكان أن أساؤوا التعامل معه، نظير سن الشباب المندفع نحو الاستهلاك العالي، وشعور خاطئ بالأمن المعيشي الكامل بالدخلين الوظيفي والرياضي القليل، مع افتقاد كامل لثقافة ما يسمى بالاستثمار، بينما نجد من لم يحظ بالوظيفة اتجه بعد ترك الرياضة إلى المهن الحرة، فحقق بعضهم النجاح، بينما الغالبية فشلت لأسباب عدةً، وتعيش وضعًا ماديًا لا يسُر”. واختزل الغامدي المرحلة الثانية ما بين عامي 2000 و 2016 “وفي هذه المرحلة وقعت أكبر مشاكل الرياضيين المالية، كون الأغلبية محترفون ومن صغار السن عديمي الخبرة، والرياضة مصدر رزقهم الوحيد، فكان الاستهلاك المفرط من دون وعي ومن دون تحسب للمستقبل، إضافة إلى عدم وجود نماذج رياضية تُمكن اللاعبين من الاقتداء بها في إدارة المال، فكان التخبط والوقوع في أخطاء يدفعون ثمنها طيلة حياتهم”. وأدرج الغامدي المرحلة الثالثة ما بعد عام 2016 “ حيث أدت رؤية السعودية 2030 الى تغييرات جوهرية في كل جوانب الحياة بما فيها القطاع الرياضي، وظهرت مستجدات غيرت الواقع المالي للاعبين، تبلورت في: وجود لاعبين دوليين كبار يملكون خبرات ضخمة في إدارة أموالهم عبر وسطاء ماليين محترفين، وتحديدًا اللاعبون الأوروبيون، كما في حالة اللاعب كريستيانو رونالدو، وهو ما فتح أعين اللاعبين السعوديين على الطرق الصحيحة لاستغلال دخولهم العالية وتأمين مستقبلهم ومستقبل أسرهم، إضافة إلى تشجيع الرؤية الشباب السعودي بشكل عام، واللاعبون ضمن ذلك، على الفكر الاستثماري في كافة المجالات واستغلال دخولهم ومدخراتهم باستثمارها”. وتابع:” بل ظهرت مؤخرًا مجالات استثمار ضخمة، وآمنة، وذات مصداقية عالية، سهلت على اصحاب الدخول العالية واللاعبين منهم على الاستفادة من تلك المجالات بحفظ مدخراتهم، وتامين مستقبلهم، في ظل ظهور مؤسسات مالية استثمارية ذات مصداقية وخبرة عالية، وتحت رقابة صارمة من قبل مؤسسات الدولة الرسمية كالبنك المركزي، سهلت على اللاعبين اللجوء اليها لتشغيل مدخراتهم”. وبّين الغامدي أن عدم وجود مؤسسات استثمارية ذات مصداقية يلجأ إليها اللاعبون من أجل استثمار دخولهم ومدخراتهم العالية، وعدم وجود نظام تقاعدي لمهنة لاعب، جعل مدخراتهم -إن وجدت- هي الملاذ الوحيد لهم بعد اعتزالهم، مشددًا على ضرورة وجود نظام تقاعدي يُعنى باللاعبين الرياضيين المعتزلين وحمايتهم من أي مشاكل مالية تعاصر ابتعادهم عن الرياضة، “فالنظام التقاعدي يعد الملاذ الآمن حقيقة للاعبين بعد الله سبحانه وتعالى من أي تعثر مالية في المستقبل، وفي يقيني أن أمن مجالات الاستثمار للاعبين تتمثل في الأصول ذات العوائد كالعقار، والصناديق الادخارية، وأسهم العوائد، وهناك بعض تجارب اللاعبين التجارية جيدة، وناجحة، ويمكن الاستفادة منها”. صالح الفهيد ضرورة توعية اللاعب الرياضي، وأخذ العبرة ممن سبق ويُرجع الكاتب الرياضي صالح الفهيد أسباب صعوبة حياة بعض اللاعبين الرياضيين إلى تواضع تحصيلهم العلمي “حيث لا يجدون وظائف جيدة بعد ترك الكرة، مرورًا بعدم استثمارهم للعوائد المالية التي كانوا يجنونها قبل تركهم الكرة، لكي تدر عليهم دخلا ثابتا بعد اعتزالهم، وليس انتهاءً بعدم إلحاقهم بنظام التأمينات الاجتماعية، جميعها عوامل تسببت في أن يتحول كثير من اللاعبين بعد تركهم الكرة إلى أشخاص عاطلين عن العمل، وبلا دخل ثابت، يعينهم على تكاليف الحياة”. وقال:” المسؤولية هنا مشتركة بين اللاعب والجهات المسؤولة، فاللاعب الذي خدعته الشهرة، وترك الدراسة من أجل التفرغ للكرة، يتحمل جزءاً من المسؤولية عما انتهى إليه، كذلك الجهات الرسمية في اتحاد كرة القدم، أو وزارة الرياضة والشباب (بمسمياتها السابقة واللاحقة) تتحمل المسؤولية، نظرا لعدم سنها الأنظمة والتشريعات التي تضمن لهؤلاء اللاعبين دخلا مستقرا بعد تركهم كرة القدم، كما فعلت أخيرا حيث أصبح جميع لاعبي كرة القدم المحترفون مشمولين بنظام التأمينات الاجتماعية وبشكل إلزامي، وبسبب انتشار الوعي بين هؤلاء اللاعبين الذين أخذوا العبرة ممن سبقوهم، وفي ظل عوائد مرتفعة يجنيها هؤلاء اللاعبون تسمح لهم بتوظيف جزء منها في جوانب عقارية وتجارية تؤمن لهم مصادر دخل جيدة ومستديمة”. عبدالله الفهري أزمة ما بعد الاعتزال نفسية قبل أن تكون مالية أما أستاذ الإرشاد والعلاج النفسي بجامعة شقراء، البروفيسور عبد الله الفهري فيرى أن نهاية المسيرة الرياضية لكثير من لاعبي كرة القدم لا تتحول إلى أزمة مالية فحسب، بل تبدأ كأزمة نفسية عميقة تتعلق بالهوية والمعنى والدور الاجتماعي “فالهوية النفسية لدى عدد كبير من اللاعبين ترتبط باللعب فقط، وعند زوال هذا الدور يحدث فراغ داخلي وفقدان للمعنى، مع ضعف الاستعداد النفسي للمستقبل، خاصة وان علمنا أن المشكلة لا تظهر فجأة عند الاعتزال، بل تتراكم بصمت طوال سنوات الاحتراف”. وقال: “المسؤولية تبدأ من اللاعب نفسيًا، مع أن البيئة المحيطة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، لأنها غذّت وهم النجومية الدائمة، ولم تبنِ وعيًا واقعيًا بطبيعة المسار الرياضي وحدوده الزمنية، وعقود احتراف تركّز على الأداء الآني والمكاسب السريعة، وتتجاهل الأثر النفسي لما بعد النهاية، في ظل غياب بنود واضحة للدعم النفسي وإعادة التأهيل الذهني وخطط الانتقال لما بعد اللعب، مما أحدث خللًا جوهريًا في المنظومة، آخذين في العلم أن مرحلة ما بعد الاعتزال تُعد من أخطر المراحل نفسيًا، لأنها تجمع بين فقدان الهوية، وتغير المكانة الاجتماعية، وانخفاض الإشباع النفسي دفعة واحدة، فمعظم اللاعبين لا يملكون تصورًا واقعيًا لحياتهم بعد الاعتزال، لأن الطموح العالي في سن الشباب يطغى على التفكير بالمستقبل، مع غياب التوجيه النفسي المبكر” مؤكدًا على فشل النظام الاحترافي نفسيًا “كونه يترك اللاعب فجأة دون دور بديل أو انتقال تدريجي ودون وجود برامج انتقال إلزامية تسبق الاعتزال وتُعد اللاعب نفسيًا ومهنيًا للمرحلة التالية”. ودعا الفهري إلى سرعة سن قانون ضمان اجتماعي رياضي، وإدخال التأهيل النفسي ضمن العقود الاحترافية، وتوعية اللاعبين مبكرًا بأن الاعتزال مرحلة انتقال لا نهاية. “لأنه يمنح اللاعب شعورًا بالأمان النفسي ويخفف قلق المستقبل، وغياب برامج ضمان أو تقاعد واضحة يعود إلى أن الصحة النفسية غالبًا ما تُهمَل مقارنة بالأداء والنتائج، وهو ما يتطلب إعادة تعريف مفهوم الاحتراف ليشمل البعد الإنساني والنفسي، والمنظومة الرياضية بأكملها مسؤولة عن حماية اللاعب نفسيًا بعد مسيرته، لأنها شاركت في صناعة هويته، والدخل المرتفع خلق وهمًا زائفًا بالأمان والسيطرة، وكثير من الإخفاقات الاستثمارية التي وقع فيها اللاعب الرياضي تعود إلى دوافع نفسية، مثل الاندفاع، والثقة المفرطة، ومحاولة إثبات الذات خارج الملعب بسرعة، إضافة أن المال لدى بعض اللاعبين يُستخدم كأداة لتعويض القلق أو الحرمان، لا كوسيلة تخطيط طويل الأمد، وهو ما يؤدي إلى قرارات عاطفية غير مدروسة”. وأفاد الفهري أن الحل يبدأ مبكرًا، عبر بناء هوية متعددة منذ الاحتراف، وجلسات إرشاد نفسي دورية، وتدريب على إدارة القلق والتغيير، واعداد خطة انتقال تدريجي “فاللاعب الذي يُعد نفسيًا مبكرًا لا يخسر ذاته عند الاعتزال، بل يغيّر دوره فقط فالنجومية مرحلة، أما القيمة الإنسانية فتبقى ما دام الإنسان قادرًا على إعادة تعريف نفسه” موصيًّا علو إدخال التأهيل النفسي ضمن العقود، وسن برامج انتقال إلزامية قبل الاعتزال مع توعية مبكرة بأن الاعتزال مرحلة لا نهاية، وتنمية ثقافة أن الصحة النفسية جزءًا من الاحتراف؛ فاللاعب الذي يُعد نفسيًا مبكرًا، لا يخسر ذاته عند الاعتزال، بل يغيّر دوره فقط”. محمد البكيري العقود المليونية مطمع وضرورة إيجاد مستقبل آمن. وبيًن الكاتب محمد البكيري أن الكثير من اللاعبين المحترفين يفتقد إلى ثقافة إدارة المال سواء بالسعي إلى إشباع النواقص من النفس بالكماليات من شراء سيارات وسفريات باذخة، أو الدخول في مشاريع فاشلة، في ظل عدم وجود محيط أسري أو اجتماعي جيد حوله “فعقود الاحتراف الضخمة وحتى المتوسطة هنا تحديدًا غيرت حياة الكثير من اللاعبين وأسرهم، فكان أن انتفلوا إلى حياة اجتماعية أفضل وأكثر أمانًا، كون العديد من اللاعبين السعوديين تحديدا نجحوا في استثمار مداخيل عقودهم”. وذكر البكيري أن ما قبل عام ٢٠٠٢ “كانت العديد من الأسر لا تقبل زواج ابنتها من لاعب كرة، فهو في هوية وحال غير آمن، أما الآن أصبح مطمعًا ، بفضل العقود المليونية، مما جعل حياة الكثير من اللاعبين المحترفين شبه آمنة اجتماعياً واقتصاديا إلى المدى القريب والمتوسط”، مؤكدًا على استيعاب محترفي هذا الجيل من اللاعبين الدرس ممن سبقهم من زملائهم “أولئك الذين كانوا متواجدين كلاعبين إلى عام ٢٠١٨ والذين أهدروا أموالهم في أمور غير مجدية، والعديد منهم يعاني الآن، وأكثر ما يقلقني حاليًا هم اللاعبون ذوي العقود المتوسطة او المحترفون في الدرجات الأدنى، لذا لابد من تعيين مستشار مالي أو وكيل أعمال أمين عليه، وسد فجوة معرفية لدى اللاعب مهمة، ولابد أيضًا من تأمينات اجتماعية للاعبين. أحمد كاموخ الحفاظ على التوهج بعد الاعتزال أمر ممكن وأيد مسؤول النشر الرقمي بصحيفة اليوم أحمد كاموخ مقولة: إن مسيرة لاعب كرة القدم المحترف تمر بمرحلة ذهبية تتسم بالشهرة والدخل المرتفع والإشادة الجماهيرية “غير أن هذا التوهج قد يتلاشى سريعًا عند التعرض لإصابة خطيرة أو اتخاذ قرار الاعتزال، خاصة الاصابات الخطيرة تُمثل نقطة تحوّل قاسية في حياة اللاعب؛ إذ يفقد تدريجيًا مكانته في التشكيلة الأساسية، ويواجه احتمالية انتهاء مسيرته مبكرًا، ما ينعكس سلبًا على حالته النفسية والمادية”. ورغم التحديات أفاد كاموخ “إلا أن الحفاظ على التوهج بعد الاعتزال أمر ممكن، لكنه يتطلب استعدادًا مبكرًا وتخطيطًا واعيًا، والخطوة الأولى تبدأ بالتثقيف المالي، عبر الالتحاق بدورات متخصصة تساعد اللاعب على إدارة دخله واستثماراته وتنويع مصادره، وضرورة بناء هوية متوازنة خارج الملعب، من خلال استكمال التعليم، أو خوض تجارب في مجالات أخرى كالتدريب أو ريادة الأعمال، بما يمنح اللاعب خيارات أوسع بعد نهاية مسيرته الرياضية”. وزاد “إن دراسات عدة أظهرت ارتفاع معدلات الاكتئاب لدى اللاعبين الذين يعتزلون بسبب الإصابة مقارنة بمن يعتزلون بشكل طبيعي، فالاعتزال سواء حان في سن مبكرة أو متأخرة نسبيًا، يُحدث تغيرًا جذريًا في نمط الحياة؛ إذ يختفي الروتين اليومي المكثف، وتتلاشى الأضواء والتصفيق، ليجد اللاعب نفسه أمام ما يُعرف بالفراغ الوجودي، وهو تحدٍ نفسي لا يقل صعوبة عن التحديات داخل الملعب، آثار الإصابات قد تزيد من احتمالات الإصابة بأمراض عصبية مثل الخرف أو الزهايمر، مقارنة بغير الرياضيين”. أما على الصعيد المادي، أوضح كاموخ أن نسبة ملحوظة من اللاعبين المعتزلين تواجه صعوبات مالية خلال السنوات الأولى بعد الاعتزال، نتيجة غياب التخطيط المالي، أو الإسراف في الإنفاق، أو ضعف الخبرة الاستثمارية، ما قد يقود بعضهم إلى الديون أو حتى الإفلاس “وأن الاستعداد الفعلي للاعتزال ينبغي أن يبدأ عند بلوغ اللاعب سن الثلاثين، عبر التأهيل الإداري أو الفني، والتخطيط التدريجي للخروج من المنافسة، إلى جانب إشراك الأسرة في هذه المرحلة لتخفيف آثارها النفسية، واللاعب الذي ينجح في جعل كرة القدم جزءًا من حياته، هو من بيده الحفاظ على توازنه وبريقه بعد مغادرة الملاعب”. محمد الشيخي من المجد إلى المجهول. وأكد الكاتب الرياضي محمد الشيخي أن نجاح مرحلة ما بعد الاعتزال لا تتحقق إلا لمن خطط لها “مع أن اللاعبين المعتزلين يختلفون في طريقة تعاملهم مع المرحلة التي تمثل انتقالًا حادًا من حياة الاحتراف المليئة بالعقود الضخمة والرفاهية والشهرة، إلى واقع جديد لم يعتادوا عليه، ويتطلب استعداداً نفسياً وعملياً مختلفًا”. وأشاد بخطوات عدد من اللاعبين المعتزلين واغتنامهم لمداخيلهم المادية عبر مشروع تجاري أو استثمار يضمن له الاستقرار “ في ظل اختيار آخرين مسارات متعددة بعد نهاية مسيرتهم الكروية؛ فمنهم من واصل العمل داخل الوسط الرياضي من خلال التدريب أو الإدارة، بينما اتجه آخرون إلى مجالات بعيدة تماماً عن كرة القدم”. واستدل الشيخي بأمثلة من الواقع “حيث اتجه نجم منتخب فرنسا السابق فرانك لوبوف إلى التمثيل، بينما خاض الحارس الألماني تيم فيزه تجربة المصارعة الحرة، ودخل الحارس الفرنسي فابيان بارتيز عالم سباقات السيارات، في دلالة على تنوع الخيارات واتساعها أمام اللاعبين” وعلى الصعيد العربي، بيّن الشيخي أن كثيرًا من اللاعبين العرب اتجهوا إلى الاستثمار في التجارة والعقار، في حين فضّل آخرون البقاء ضمن دائرة خبراتهم عبر التحليل الرياضي في القنوات، بينما اختار بعضهم الابتعاد تمامًا عن الأضواء والركون إلى الهدوء، مبينًا في ذلك عدم خلو مرحلة الاعتزال من التحديات “إذ شهدت حالات لنجوم كانوا في قمة الشهرة انتهت مسيرتهم بأحداث غير متوقعة، بل ومأساوية أحياناً، ما يعكس أهمية الاستعداد المبكر لهذه المحطة المفصلية في حياة اللاعب”. علي الغريب غياب مهني واضح وذكر مدير إدارة علم النفس الرياضي ورعاية الطفل بنادي الاتفاق، الأخصائي النفسي علي الغريب أن ورش عمل معنية باللاعبين كشفت افتقارهم إلى رؤية واضحة لأهدافهم المستقبلية، ولا يملكون خططًا بديلة في حال عدم تحقيق الاحتراف، في غياب الوعي المهني لديهم منذ وقت مبكر، وأن التكيف مع الانتقالات يعتمد على إدراك اللاعب للمرحلة وموارده النفسية، والدعم الاجتماعي المتاح له “لاسيما والانتقال ليس حدثًا لحظيًا، بل عملية ممتدة قد تستغرق وقتًا طويلاً، مشددًا على ضرورة استحداث الأندية الرياضية كل ما من شأنه أن يُسهم في بناء شخصية متوازنة للاعب، تجمع بين الالتزام الرياضي وتطوير جوانب حياتية أخرى وخاصة لما بعد الاعتزال”. وأكد الغريب على تحقيق الرياضي في مراحل الفئات السنية سلسلة من النجاحات على مستوى النادي أو المنتخبات الوطنية “ لكنها تتضاءل عند الانتقال إلى الفريق الأول، حيث تقل الفرص ويواجه اللاعب تحديًا حقيقيًا في إثبات ذاته، قد يصل أحيانًا إلى الشعور بفقدان قيمته الاحترافية، مما يثبت أن النجاح في مراحل الناشئين لا يضمن بالضرورة الاستمرار في مستوى النخبة، وما يصحبها من جوانب نفسية مرتبطة بمرحلة الانتقال من الفئات السنية إلى الاحتراف”، موضحًا أن تجربته كلاعب سابق أوجدت لديه ضرورة التركيز على مرحلة الشباب بوصفها مرحلة وقائية، مع أهمية الاستعداد النفسي المبكر الذي يسهم في حماية الرياضيين من التحديات المستقبلية، خاصة مع ما يواجهه اللاعبون من ضغوط جماهيرية وفنية تتطلب الحفاظ على مستوى أداء عالٍ بشكل مستمر. وبنى الغريب رأيه على دراسة حديثة أجراها العالم روبرت موريس والعالم إيميلي ديسون (2019) أوردت “أن الانتقال من فئات الشباب إلى الفريق الأول يعد من أصعب المراحل، حيث لا ينجح سوى نحو 17 ٪ من الرياضيين في الوصول إلى النخبة، بينما يفشل أكثر من 90 ٪ من لاعبي كرة القدم في تحقيق الاحتراف الكامل، وأن التوجهات الحديثة في علم النفس الرياضي لم تعد تقتصر على دراسة مرحلة الاعتزال، بل اتجهت نحو فهم الانتقالات المختلفة في المسيرة الرياضية، مثل الانتقال من الهواية إلى الاحتراف أو من الفئات السنية إلى الكبار، وكونها نقاط تحول حرجة قد تنتهي باستبعاد اللاعب أو تعثر مسيرته”. ولفت الغريب إلى أن هذه المرحلة تتزامن مع تحديات نمائية متعددة، وقد تستغرق من سنة إلى أربع سنوات حتى يتمكن اللاعب من تثبيت أقدامه في الفريق الأول، رغم ما تشهده من تحولات نفسية واجتماعية معقدة، مستدلًا بنموذج أعده الإخصائي كوتيه قسم فيه المسيرة الرياضية إلى مراحل: التطور، والأداء النخبوي، والاعتزال، مع وجود انتقالات تتطلب تدخلاً نفسيًا متخصصًا؛ “فنموذج المسيرة الرياضية الشمولية يربط بين الجوانب الرياضية والنفسية والاجتماعية والأكاديمية والمالية، وأن تزامن هذه الانتقالات يزيد من الضغوط على اللاعب ويرفع احتمالية التعثر في التكيف” محذرًا من خطورة اقتصار هوية اللاعب على كرة القدم فقط؛ كون الهوية الأحادية قد تعيق التكيف عند التعرض للإصابة أو الاستبعاد، في حين أن تنوع الأدوار الحياتية يعزز من قدرة اللاعب على الصمود. واستعان الغريب بتجربة وزارة الرياضة البريطانية عام 2019، وأنها وضعت خطة متكاملة لدعم الصحة النفسية للرياضيين، نقلت هذا الملف من كونه مسؤولية فردية إلى مسؤولية مؤسسية، تشترك فيها الأندية والاتحادات “وشملت المبادرات برامج تثقيف نفسي وورش عمل للكشف المبكر عن مؤشرات القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي، ووجوب التعامل مع الرياضي بوصفه إنسانًا متكاملًا لا مجرد أداة لتحقيق الإنجازات، لذا لابد من فهم العوامل المؤثرة في الانتقال من الناشئين إلى الاحتراف، وإعداد خطط مسبقة، ورصد المؤشرات السلبية مبكرًا، وتقديم دعم نفسي متخصص يوازن بين تطوير الأداء وإدارة الضغوط، بما يضمن استمرارية اللاعب واستقراره على المستويين المهني والشخصي”. حسام أبو داوود تحد حقيقي في إدارة المال أثناء الاحتراف. بدوره عاصر اللاعب المعتزل حسام أبو داود بدايات مرحلة، الدخل المادي المرتفع للاعب الرياضي، وشهدت حياته نماذج حصلت على مداخيل مادية مرتفعة، “لكنها لم تُحسن التعامل معها، وافتقدت إلى الوعي، مما يكشف عن تحد حقيقي في إدارة العوائد المالية خلال فترة الاحتراف” موضحًا أن قِصر العمر المهني للاعب الرياضي، الذي يبدأ عادة من سن 18 وينتهي غالبًا بين 30 و35 عامًا، يلزمه بالتخطيط المبكر والواعي، لأن في حال غيابها ومع توقف الدخل والمصدر المادي وغياب بدائل الدخل يضع اللاعب أمام أزمة مالية كبيرة، وحياة مستقبلية غامضة”. ونبه أن الإصابات المبكرة أو تراجع المستوى في ظل بذخ مالي نحو الكماليات وغياب التأمينات قد يسهمان في تقليص الدخل قبل نهاية المسيرة، وبداية المشكلة يُفاقم من المشكلة “والتي أيضًا من أسبابها دخول بعض اللاعبين في مجالات استثمارية غير مدروسة، نتيجة ضعف الخبرة أو غياب الاستشارة المتخصصة، ومما أذكره تمامًا في الثمانينيات والتسعينيات، لم يكن اللاعب الرياضي حينها يوازن بين الرياضة والتعليم، مما أثر لاحقاً على خياراته بعد الاعتزال”. ودعا أبو داود إلى ضرورة إلزام اللاعبين المحترفين ببرامج توعوية في الإدارة المالية والتخطيط الاستثماري “فالاحتراف لم يعد مجرد ممارسة رياضية، بل هو مسار مهني يتطلب تأهيلاً متكاملاً، وحياة العديد من اللاعبين الذين واجهوا أزمات مالية بعد الاعتزال تمثل درسًا وتحذيرًا للاعبين الآن، وأن يتسلحوا بالوعي، وبناء مستقبل أكثر استقراراً للأجيال القادمة. بدر الخراشي المشكلة لا تبدأ بعد الاعتزال بل في ذروة المسيرة. وبيّن اللاعب السابق بدر الخراشي أن التحديات التي تواجه اللاعب المعتزل ليست وليدة الاعتزال، ولا بداية توقفه عن اللعب “بل تمتد جذورها إلى سنوات مبكرة من المسيرة الاحترافية، حين يكون التركيز حينها منصبًا بالكامل على الأداء داخل الملعب، دون إعداد حقيقي للحياة بعده، حيث كما هو معروف أن مراحل الفئات السنية يتم تأهيلهم لتحقيق البطولات والانضباط التكتيكي، في ظل غياب التوجيه والإرشاد المرتبط بالإدارة المالية أو الاستثمار، أو حتى تطوير المهارات المهنية التي تضمن للاعب مستقبلًا مستقرًا بعد انتهاء مسيرته الرياضية”. وأشار الخراشي إلى أن المسؤولية مشتركة بين اللاعب نفسه من جهة، والأندية ووكلاء الأعمال من جهة أخرى “ فلاعبون كثر لا يملكون تصورًا واقعيًا عن الحياة بعد الاعتزال، رغم يقينهم بأنه أمر حتمي، لكنه يُؤجَّل ذهنيًا وكأنه بعيد المنال، وسط وجود فجوة في طبيعة العمر الكروي، حيث يُعد اللاعب في سن 20 إلى 25 عامًا في ذروة عطائه الرياضي، بينما يُعتبر هذا العمر بداية المسار المهني لدى الآخرين، ما يعمّق فجوة الإدراك تجاه المستقبل” مؤكدًا سطوة الإنجاز وتحقيق البطولات على اللاعب وتغافله حينها عن مستقبله، بل إن البعض يرى هذا التفكير نوعًا من التشاؤم أو الاستسلام”. وقال:” محدودية الخبرة الحياتية لدى اللاعبين، نتيجة احترافهم المبكر، تجعلهم أقل وعيًا بسوق العمل ومتطلباته، وأقل استعدادًا للالتزامات خارج الإطار الرياضي، لذا يستوجب من البداية إعداد اللاعب مبكرًا عبر مسارات واضحة، منها المسار التعليمي بالحصول على شهادات أو تعلم لغات، أو المسار المهني داخل الرياضة كالتدريب والإدارة والتحليل، أو المسار التجاري المدروس الذي يضمن استدامة مالية”. ودعا الخراشي إلى ضرورة إطلاق برامج حقيقية تبدأ من ذروة اللاعب، لا بعد اعتزاله كالتعليم المالي الإلزامي منذ أول عقد، وتعريف اللاعب بكيفية قراءة العقود، وإدارة الدخل، وفهم الاستثمار والمخاطر “مع أهمية توفير مسارات تعليمية مرنة لا تتعارض مع الاحتراف، إلى جانب برامج انتقالية قبل نهاية المسيرة بعامين، تُعنى بالتأهيل الوظيفي والتعريف بسوق العمل، وقبل ذلك كله إنشاء صندوق خاص لدعم اللاعبين بعد الاعتزال، خصوصًا في حالات الإصابات أو التعثر المالي”. أشار الخراشي إلى عدد من البنود التعاقدية التي تُشكل خطرًا على مستقبل اللاعب، أبرزها بنود الإصابات التي قد تتيح للنادي فسخ العقد أو تخفيض الراتب، إضافة إلى تأخير الرواتب، وضعف بنود التأمين الطبي، وغموض حقوق الصورة، إلى جانب محدودية مرونة الانتقال والإعارة “ فاللاعب ليس في حاجة الشفقة بعد الاعتزال، بقدر حاجته الماسة إلى منظومة تحمية وهو في ذروة مجده، تُذكره بأن كرة القدم مهنة مؤقتة، فيما تبقى الحياة أطول وتحتاج إلى إعداد مبكر ووعي مستمر”.