الطُرُق السـريعة في المملكة..

اكشــط ثُمَّ اكشــط !؟

قد أكون مِن أوائل الذين قادوا سياراتهم على الطريق السريع بين الرياض والقصيم، وذلك قبل وضع اللوحات الإرشادية على ذلك الطريق المهم جداً. حيث بدأتُ السفر عبر ذلك الطريق مُنذُ مَطلع شهر رجب 1406هـ/فبراير 1986م. ولم يَمُرّ ثلاثة أو أربَعَة أشهُر إلاّ وبدأ إسفلت المسار الأيمن من الطريق باتجاه القصيم في التَشَــُّقق والتَحدُّب، بسَــبب عَدَم تحديد أوزان للشاحنات، وكذلك عدم وجود محطات أوزان الشاحنات آنذاك. حيث كانت مئات ناقلات المحروقات تسلُك ذلك الطريق السريع يومياً مِن مصافي أرامكو إلى القصيم بحمولات تتجاوز العشرين طن، وذلك قبل تمديد شركة أرامكو السعودية لخط أنابيب ينقل تلك المحروقات مباشرةً من المصفاة إلى محطة تخزين الوقود في القصيم؛ مما أدى إلى توَقُّف تلك الشاحنات. ولم يكَد ينتهي عام 1986م إلا والمسار الأيمن للطريق السريع من الرياض إلى القصيم قد أصبح غير قابل لسير الشاحنات عليه، مما اضطُّر وزارة المواصلات آنذاك (النقل والخدمات اللوجستية) لكشط المسار الأيمن وإعادة سـفلتته قبل أقل مِن سنة بعد افتتاحه. ولا تزال وزارة النقل والخدمات اللوجستية تقوم بكَشط المسار الأيمن وأحياناً المسارين الآخرين للطُرُق السريعة في المملكة (الرياض/الدمام، الرياض/القصيم، الرياض/الطائف، مكة المكرمة/جَـدَّه، المدنية المنورة/جَـدَّه، المدنية المنورة/القصيم)، وإعادة سـفلتتها كُل سنتين أو ثلاث أو أربع على الأكثر، حتى بعد تطبيق حدود قُصوا لوزن الشاحنات وإنشاء محطات وزن الشاحنات على الطُرُق السريعة وغير السريعة. والسبب في كشط إسفلت تلك المسارات من الطُرُق السريعة وكذلك الطريق الدائرة في مدينة الرياض هو استخدام وزارة النقل والخدمات اللوجستية للإسفلت في رصف الطُرُق، سواءً السريعة أو غيرها داخل المُدُن مِن قِبَل أمانات المُدُن، رَغمَ عَدَم مُلائمة الإسفلت للظروف الجوية الحارة جداً في غالبية مناطق المملكة. والسـؤال هُنـا: لماذا لم تستخدم المملكة الخرسانة لرَصف الطُرُق السريعة، وتلك الطُرُق التي عليها حركة سير كثيفة مثل الطُرُق الدائرية في مُدُن المملكة !؟ الطُرُق الإسـفلتية تُصَنَّف الطُرُق الإسفلتية ضِمنَ تصنيف "الرصف المرن Flexible Pavement". وهو نظام رصف طُرُق يتكون من عدة طبقات إنشائية تعتمد في نقل الأحمال المرورية إلى الطبقات السفلية من خلال التدرج الطبقي وتوزيع الإجهادات تدريجياً. ويتميز بوجود طبقة سطحية إسفلتية مرنة تسمح بقدر من التَشَـكُّل (التمدد) دون حدوث كسر. ومن أمثلة الرصف المرن طُرُق المُدُن والقرى. ولو استعرضنا مزايا استخدام الإسفلت في رصف الطُرُق، لوجدنا أهمّ ميزة هي الانخفاض النسبي لتكاليف الإنشاء، وكذلك سُرعَة العَمَل، مُقارنةً باستخدام الخرسانة. ولكن حينما ننظُر إلى العُمر الافتراضي للطريق الإسفلتي، نجد أنَّ المراجع الهندسية العالمية تقول 15 – 25 سنة، مع كشط وإعادة سَـفلتة للطبقة العُليا كُل 10-15 سنة. ولكن واقع الطُرُق الإسفلتية في المملكة لا تنطبق عليها هذه الأرقام العالمية مُطلَقَـاً. حيث نَجِـد أنَّ كشط وسفلتة الطبقة العُليا للطُرُق الإسفلتية في الطُرُق السريعة والطُرُق الدائرية يتم كل 3-4 سنوات على الأكثر، أي بمُعدل خُمـس الأرقام العالمية. والسبب واضح وضوح الشمس، وهو ارتفاع درجة الحرارة في غالبية مناطق المملكة. حيث يؤدي ارتفاع درجة حرارة الجو إلى 50-60 درجة مئوية إلى ليونة المادة الأساسية في الإسفلت (البيتومين Bitumen)، وبالتالي ليونة طبقة الإسفلت (خلطة البيتومين والرمل والحصى) وتمدُدها وحدوث تشقُقات في الطريق، أو ما يُسمى بــ "التخَـدُّد أو التَجَعُّـد Rutting"، والذي يزداد بارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 60 درجة مئوية. والتخَـدُّد Rutting هو تَشَـوُّه يَظهَر على شكل انخفاضات طولية في مسارات عجلات المركبات على سطح الرصف (الطريق)، وينتج بسبب الأحمال المرورية الكبيرة وحركة السير الدائمة على الطريق، خاصةً في طبقات الرصف الأسفلتي، نتيجة ضعف في الخلطة الإسفلتية أو الطبقات السفلية أو بسبب ارتفاع درجات الحرارة. وظاهرة التخَدُّد لا تُخطئها العين في إسفلت المسار الأيمن للطُرُق السريعة والطُرُق الدائرية في المملكة، والتي تستوجب كشط وإعادة سفلتة تلك المسارات كل 2-3 سنوات على الأكثر، حيث تَصِل درجة حرارة الطريق الإسفلتي في أشهُر الصيف الحارة في المملكة لأكثر من 70 درجة مئوية. ولا يخفى على سكان مدينة الرياض أعمال كَشـط وإعادة سَـفلَتة المسار الأيمن للطريق الدائري كل سنتين أو ثلاث على الأكثر، وذلك بسـبب التشَـقُقات وظاهرة التَخَـدُّد التي تظهر على المسار الأيمن للطريق وأحياناً الأوسط. الطُرُق الخرسـانية تُصّنَّف الطُرُق الخرسانية ضِمنَ تصنيف "الرَّصف الصلب Rigid Pavement"، وهو نظام رصف يعتمد بشكل رئيسي على بلاطات خرسانية ذات مُعامِل مرونة مرتفع، تقوم بتوزيع الأحمال المرورية على مساحة واسعة من التربة التحتية، ويتميز بقدرته العالية على مقاومة التشوهات الدائمة. مِن أمثلة الرصف الصلب الطُرُق السريعة في أمريكا وأوروبا ومدارج المطارات بصفةٍ عامة. ومِن أهم مزايا الطُرُق المرصوفة بالخرسانة هي طول عُمرها الافتراضي، والذي يتراوح بين 30 – 40 سنة، مع انخفاض الحاجة للصيانة الدورية، مُقارنَةً بالطُرُق الإسفلتية. والجدول التالي يُقارن بين هذين النوعين من رصف الطُرُق. السـؤال هُنا: في ظلَ ارتفاع حرارة الأجواء في مناطق المملكة، وفي ظل المزايا الاقتصادية للطُرُق الخرسانية، لمـاذا لا نَجِـد في المملكة طريقاً واحداً ولو بطول عشرة أمتار مرصوف بالخرسانة !؟ هل هناك إحصائية توَضِّح لنا عدد المَرَّات التي تَمَّ بها كَشط وإعادة رصف إسـفَلت مسارات الطُرُق السريعة والطُرُق الدائرية في المملكة، حتى يُمكِن تقدير التكاليف الحقيقية لصيانة هذه الطُرُق الإسفلتية مُقارنَةً بالطُرُق الخرسانية !؟ وهل لدى وزارة النقل والخدمات اللوجستية وأمانات المُدُن في المملكة دراسات هندسية واقتصادية تُقارِن بين مزايا الطُرُق الإسفلتية والطُرُق الخرسانية وتكاليف إنشاء وصيانة كُلاً منها !؟ وبالمناسبة، فقد أفادني أحد المقاولين العاملين في إنشاء وسـفلتة الطُرُق في المملكة، بأنَّ التكلفة التقريبية للمتر المربع من الطريق المرصوف بالإسفلت تبلُغ حوالي 250 ريال، مُقَارَنَةً بحوالي 370 ريال للطريق المرصوف بالخرسانة الإسمنتية. خُلاصَة القَول، إنَّنا بحاجة ماسَّة لدراسة اقتصاديات استخدام الرصف الصلب (الطُرُق الخرسانية) لرَصف على الأقل الطُرُق السريعة والطُرُق الدائرية في مدن المملكة، بدلاً مِما هو مُشاهَد مِن تِكرار كَشط وإعادة سفلتة مسارات الطُرُق السريعة والطُرُق الدائرية في المملكة، وما يَـتبع ذلك مِن تعطيل لحركة السير وتَكَبُّد الدولة مصاريف مالية ضخمة للصيانة المُتكررة كل سنتين أو ثلاث سنوات. كذلك هناك فائدة اقتصادية كبيرة للطُرُق الخرسانية تَتَمَثَّل في قُدرَتها على تَحمُّل أوزان كبيرة تتجاوز العشرين طن الحالية للطُرُق الإسفلتية، وما ينتُج عن ذلك مِن فوائد تخفيض عدد الشاحنات على تلك الطُرُق عند رَفع الوزن المسموح به للشاحنات مِن عشرين طن إلى ثلاثين أو أربعين طن على الطُرُق الخرسانية. مُقـارَنَة بين الرصف المَرن (الطُرُق الإسفلتية) والرصف الصَّلب (الطُرُق الخرسانية) البند الرصف المرن الرصف الصلب مادة الطبقة السطحية خلطة إسفلتية خرسانة إسمنتية طريقة توزيع الأحمال توزيع تدريجي عبر الطبقات توزيع واسع عبر البلاطة الخرسانية مُعامِل المرونة منخفض نسبياً مرتفع العمر التصميمي 15 – 25 سنة 30 – 40 سنة الكلفة الابتدائية أقـلّ أعلى كلفة الصيانة أعلى نسـبياً أقـلّ نسبياً قابلية الإصلاح سهلة وسريعة أكثر تعقيداً مقاومة التَخَـدُّد أقـلّ في درجات الحرارة العالية عالية زمن التنفيذ أسـرَع أطوَل الاستخدام الشائع الطُرُق داخل المُدُن والقُرى الطُرُق السريعة ومدارج المطارات