المترجمة ريوف خالد :

ترجمات البازعي والمزيني والغدير ملهمة وجديرة بالتقدير .

ريوف خالد: مترجمة ومدوّنة سعودية، معتمدة في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية من هيئة الأدب والنشر والترجمة. عُرفت بترجماتها الأدبية والفكرية، ومن أعمالها «سكنى منزل التل»، و«الفتى المفقود»، و«مِلْكمَن»، و«أحلام في حقبة حرب»، إلى جانب مشاركتها في ترجمة «لماذا نكتب؟» و«الزّن في فن الكتابة». وفي هذا الحوار تتحدث عن علاقتها بالترجمة، وموقفها من النص، وتجربتها بين الولع الأدبي والمسؤولية المهنية، التقينا بها وكان هذا الحوار . كيف بدأ مسارك مع الترجمة الأدبية: هل هو امتداد لعلاقتك بالقراءة، أم نتيجة الدراسة وفرص الممارسة المهنية التي أتيحت لك؟ ترجمت قبل دراسة أي مقرّر ترجمة، وقبل أن تلوح أي فرصة مهنيّة في الأفق؛ فبدايتي في الترجمة أقرب إلى امتداد رغبتي في مشاركة ما يعجبني من الأدب عمومًا، وخاصةً الشعر، مع دائرة معارفي المقرّبة. في تلك المرحلة بدأت تذوّق الشعر الإنجليزي بلغته، وكنت في السنة الأولى من المرحلة الجامعيّة حين ترجمت أول مرة. ومن المفارقة أنني بدأت بترجمة الشعر، ثم فررت منها. رأيت أن أوسّع الدائرة، وأجرّب مقروئية الترجمة عند شريحة مختلفة؛ فأنشأت صفحة على «فيسبوك»، نشرت فيها لأشهر قبل حذفها. لم يتبقَّ من تلك المرحلة عدا قصيدة وحيدة للشاعر سيغفريد ساسون، علقت في الشبكة العنكبوتيّة، في مكان خارج نطاق تصرّفي. تولّدت لدي بعد ذلك استجابة مختلفة للنصوص التي أحبّها؛ صرت لا أكتفي بالإشارة إليها، بل أترجمها آملة أن تجد في فضاء العربيّة من يحبّها. في تلك المرحلة لم أفكّر في الممارسة المهنيّة؛ كانت ولعًا. هكذا انتقلت من الشعر إلى المقتطفات والمقالات الأدبيّة. ما الذي منحك إياه التكوين الأكاديمي، وما الذي أضافته الخبرة المهنية؟ لم تكن الترجمة محورًا أساسيًا منفردًا في دراستي الأكاديميّة؛ فقد توزّعت دراستي على الترجمة والأدب واللسانيّات وتعليم اللغة الإنجليزيّة لغير الناطقين بها، وما زاد على ذلك كان تعلّمًا ذاتيًا مستمرًا. بدأت بالترجمة عمليًا قبل أي اطلاع منهجي على دراسات الترجمة ودون تخطيط للانخراط فيها، ثم توسعت لاحقًا في دراساتها، فقد جاءت البداية من الممارسة، خلافًا لميلي المعتاد إلى البحث والدراسة قبل البدء. وعندما أقبلت على دراسات الترجمة فيما بعد، منحتني فهمًا أعمق لما يحدث خلال عمليّة الترجمة؛ فقد عرّفتني بالاستراتيجيّات التي استعملتها دون وعي اصطلاحي، ومنحتني لغة لتحليل خياراتي الترجميّة ووصفها وتسويغها، ووسّعت آفاقي في التعامل مع النصوص. مكّنتني الخبرة المهنيّة من صقل أدواتي ومعارفي، والتعامل مع معضلات الترجمة وتعقيداتها بوعي، واتخاذ قرارات ترجميّة أكثر موثوقيّة مع الحفاظ، قدر المستطاع، على النص وما وراء النص. هل هناك مترجمون عرب تعلمت من تجاربهم؟ بالطبع. المترجم في حالة تعلّم مستمر، ولا تكفيه تجربته وحدها؛ إذ يحتاج من وقت إلى آخر إلى قراءة بعض النصوص وترجماتها، للفائدة والاطلاع. وفي العالم العربي تجارب ملهمة وجديرة بالتقدير. ومن الأسماء التي أذكرها في الترجمة من الإنجليزية: الدكتور سعد البازعي، والدكتور حمزة المزيني، والدكتورة منيرة الغدير، والدكتور محمد عناني، والأستاذة لطفيّة الدليمي، والصديقة العزيزة الأستاذة بثينة الإبراهيم. نشعر بالفخر عندما نرى اسم مترجمة سعودية شابة على أعمال عالمية مختلفة في الأسلوب والبناء والفضاء الثقافي؛ حدثينا عن رحلتك معها، وأيها كان الأكثر تحديًا لك كمترجمة؟ لكل نص تحدياته اللغوية، أو الثقافية، أو المعرفية أو الأسلوبية، وتتداخل بحسب طبيعته. في كتاب نغوغي واثيونغو «أحلام في حقبة حرب»، تمثّل التحدي الأبرز في خصوصية العالم الثقافي الذي يصوره؛ فهو زاخر بتفاصيل الحياة اليومية لقبيلة «الغيكويو»، وبإشارات ثقافية محلية يصعب أحيانًا العثور على مصادر وافية لها. لذا رافقت الترجمة رحلة بحث طويلة، إلى جانب الاستعانة بالحواشي — الجدليّة غالبًا — عند الحاجة لوضع بعض الإشارات في سياقها المناسب للقارئ العربي. كانت رحلة شاقة وممتعة بالقدر نفسه. أما في «الفتى المفقود» لتوماس وولف، فالتحدي مختلف؛ إذ إن النص ذو طابع حدادي ورثائي مؤلم، وهو الكتاب الوحيد الذي لا أفضّل أن يخبرني أحد بقراءته، والعمل الوحيد الذي لم أسعَ إلى إهداء نسخ منه. أما «ملكمن» لآنا برنز، فكان من أكثر الأعمال تحديًا، لتعقيده الثقافي والمعرفي والأسلوبي؛ إذ يتميز ببنية فريدة، تكاد تنعدم فيها أسماء الشخصيات، وتقوم بدلًا من ذلك على تسميات وصفية مستمدة من صورتها أو وصمتها الاجتماعية أو علاقاتها العائلية. كما تعمد آنا برنز إلى مفردات نادرة وفق تصنيفات معجم أوكسفورد، وقد استدعى نقل هذه السمات ومثيلاتها إلى العربية اللجوء إلى استراتيجية التعويض، حفاظًا على الحمولة العامة. وتضمّن التحدي أيضًا المحافظة على وعورة النص المقصودة، وفقراته الممتدة، وجمله الاستطرادية الطويلة، بوصفها جزءًا أساسيًا من تجربة القراءة. شاركت تطوعا في ترجمة بعض نصوص كتابي «لماذا نكتب؟» و«الزِّن في فن الكتابة». ما الذي دفعك إلى هذه التجربة؟ دفعني ولعي بالترجمة، ورغبتي في إثراء المحتوى العربي في مجال لم يكن مطروقًا آنذاك كما هو اليوم. شاركت مع فريق من المترجمين العرب في مشروع «تكوين» للأستاذة بثينة العيسى، فترجمنا مقالات من «لماذا نكتب؟»، ثم واصلنا العمل في «الزِّن في فن الكتابة»، مساهمةً في الترجمة والمراجعة. خُصّصت عوائدها لأعمال خيريّة تعليميّة. كانت تجربة جميلة جمعت بين عمل أحبه وغاية أقدّرها. كيف نحكم على جودة الترجمة برأيك: حين تكون قريبة من النص الأصلي، أم حين تبدو كأنها كُتبت بالعربية؟ لا يمكن اختزال جودة الترجمة في معايير عامة أو أحكام سريعة، دون فحص يقابل النص المصدر بالنص الهدف، ويدرسه وفق مذهب الترجمة المتّبع؛ إذ يختلف النظر إلى المعيار ذاته باختلاف مذاهب الترجمة. شخصيًا أفضّل أن تحافظ الترجمة على أكبر قدر ممكن من غرابة النص، وأن تتقلّص فيها مساحة العنف الترجمي. لا أميل إلى مذهب التمركز العرقي في الترجمة، وأحب حين تكون «استضافة للغريب»، وفق تعبير الدكتور عبد السلام بنعبد العالي. في الوقت نفسه، لا يمكنني، مع تحفّظي على استراتيجيّات التوطين، القول إنها تتنافى تمامًا مع الجودة؛ إذ لا مفرّ منها أحيانًا مع نصوص تفرضها. وقد استعنت بها في نطاق محدود، وللضرورة، ضمن مشروع ترجمة مقررات ماثيو ليبمان وآن شارب الفلسفيّة للأطفال، بناءً على إذن حصلت عليه دار بصيرة لتوطينها، بما اقتضته طبيعة النص وغايته التعليمية. هل تختارين الأعمال التي تترجمينها؟ أم تضعين الجانب المهني أولوية، حتى لو لم يعجبك العمل؟ لم أترجم حتى الآن كتابًا لم أكن لأكمل قراءته لو وقع في يدي. كثيرة هي الكتب التي آثرت عدم ترجمتها عندما عُرضت علي لأسباب مختلفة؛ مهنتي الأساسيّة معلّمة، ولا شيء يلزمني بالترجمة غير الهوى. هل يمكن أن تقبلي ترجمة عمل عن لغة وسيطة، كما في بعض الآداب الآسيوية والإفريقية التي لم يصل كثير من روائعها إلى القارئ العربي؟ أفضّل من حيث المبدأ أن تُترجم هذه الأعمال على أيدي مترجمين يترجمون من لغاتها الأصلية، لتجنّب مزيد من الانزياح عن النص المصدر. . تكتبين نصوصًا جميلة في «كُنّاشة». هل سنرى نصوص مطبوعة، وما مشاريعك المقبلة في الترجمة أو الكتابة؟ سُررت باستحسانك لـ«كُنّاشة». كان هذا حلمي الأسبق، قبل أي عمل في الترجمة؛ فقد كتبت قصصًا قصيرة في سنوات اليفاعة، ونشرتها في بعض المنتديات الأدبية، لكنني لم أحتفظ بشيء منها. ما زال الحلم حاضرًا، لكنه مؤجّل حتى أفسح له مساحة من أيامي. وقد أسهمت بكتابة النص السردي في كتاب «بريدة»، بالتعاون مع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية وهيئة فنون الطهي. وفي الترجمة، سيصدر قريبًا بإذن الله كتاب «الفن والعمارة الإسلاميّة» لروبرت هيلنبراند، عن دار سارت للفنون، وروايتا «مبارك» و«بشارة ومجد» لماثيو ليبمان، عن دار بصيرة، إضافة إلى الكتاب الثاني من مذكّرات نغوغي واثيونغو، عن دار روايات. وهناك مشاريع أخرى في الترجمة والكتابة من المبكّر الحديث عنها الآن.