مونديال كأس العالم! 2026-2022
يعود اليوم مونديال كأس العالم مجددا، وتعود معه المتعة الجمالية في تجمع عالمي يجمع ثقافات الشعوب والأمم في مسرح رياضي متعدد الأعراق والألوان. وبرغم أن نظام إقامة المونديال كل أربع سنوات يشعرني بانصرام العمر وتسارع الزمن؛ فالخطوة الواحدة بمقياسه تشطف أربع سنوات من العمر، وهي كفيلة بأن تنقلك من عقد إلى عقد، ومن مرحلة عمرية إلى أخرى، إلا أنّها تملأ الذاكرة بكثافة التفاصيل وطمأنينة الضجيج ورحابة التعدد والتجدد. كانت بداية وعي جيلنا الرياضي على هذه البطولة في ١٩٨٦، فهي البطولة التي تزامنت مع نشاطنا العمري في الرياضة وإن كانت متابعتنا غير دقيقة ولا واعية بالمعنى الحقيقي لأن تكون متابعا ناضجا لكرة القدم؛ فلم تكن متابعتنا في تلك الحقبة تخرج عن رصد الأهداف وأفضل اللاعبين مهارة وركضا.. ثم تتابعت السنوات والمونديالات حتى تجاوزنا وعينا الشعبي البسيط والساذج إلى وعي جديد بدت لنا فيه الظاهرة الرياضية لحظة فلسفية تتعلّق بطريقة الإدراك، أي بما يتجلّى لك من الظاهرة وبطريقة إدراكك لها، وهذا ما صنع فارقا في التلقّي، إذ لم تعد الكرة مجرد لعبة ترفيهية، أو نشاط رياضي منفصل عن الفكر والثقافة، حتى بلغ الأمر غايته في مونديال قطر حين احتضنت دولة عربية خليجية المونديال وأبدعت في التنظيم، إلى حدّ العرفان ممن راهن على العرب والخذلان لمن عارض فكرة الاستضافة ومن أبرزهم الكاتب والفيلسوف الرياضي الممبز سايمون كريتشلي الذي فشل في تجاوز تعصّبه للعرق الأوروبي والمركزية الأوروبية فظن أن كأس العالم بطولة خاصة بعقلية الرجل الأبيض، وانتقد في مقالة له نشرت عام ٢٠١٧ ترشيح قطر لإستضافة البطولة وعدّ ذلك مؤشرا على فساد الفيفا، فإن كان الفساد ينتج نسخة مثل نسخة ٢٠٢٢ فحيهلا به، غير أن العكس هو الصحيح إذ يبدو أن مؤشر الرياضة العالمية قد بدأ في التحول الجديد آنذاك لنشهد اليوم عالمية الدوري السعودي ومساهمة الفرق السعودية في المنتخبات العالمية بلاعبيها المحترفين الذين سيحيلون مباريات كأس العالم في هذا المونديال إلى حفلة تعارف لأولاد حارتنا في المحفل العالمي. إضافة إلى ذلك فمونديال قطر كان نقلة وتحولا في المركزية الرياضية، إذ بدأت أنظار العالم تتجه نحو الإقليم الخليجي بمقاييس القوة الناعمة؛ ومن هنا جاءت النقلة الأهم لمستقبل رياضي جديد؛ ممثَّلة في رؤية ٢٠٣٠ للمملكة بقيادة سمو ولي العهد الأمير بمحمد بن سلمان، فأعلنت السعودية استضافتها لمونديال ما بعد القادم في ٢٠٣٤، وظفرت بملفّ التنظيم، وهو المونديال الذي قد يكون فيه أمثالي من الجيل الآيل إلى التقاعد على أعتاب عقد عمري تشعّ فيه الذكرى أكثر من الحلم، خلافا للجيل الجديد الذي قد يعيش حلما سعيدا وحقبة حضارية مختلفة وتطورا في المهارات والتقنيات قد تجعله يرى ما نعيشه اليوم من افتتان بالمونديال مدعاة للسخرية قياسا بالتطورات التي قد تتجاوز الذكاء الاصطناعي إلى الخيال الفانتازي الذي قد يمنح الجمهور امتياز المشاركة في المباريات والتفاعل مع النص الرياضي أسوة بالقارئ في النقد الجديد الذي مُنِحَ حقَّ تأويل النص الأدبي وقراءته بمعزل عن المؤلف. يعود المونديال اليوم ونحن في شوق لبطولة ترتقي إلى مستوى المونديال السابق تنظيما وحماسا، فلا تزال ذكرى النهائي المثير بين الأرجنتين وفرنسا عالقة بالأذهان، فقد استحق النهائي في البطولة الأخيرة أن يكون نهائي النهائيات مما قد يجعل تجاوزه أمرا بالغ الصعوبة وخارج التوقّع، وذلك ما ستكشف عنه البطولة المقامة في غضون الشهر الحالي، بتنظيم ثلاثي مشترك بين أمريكا وكندا والمكسيك.