في كتاب « هكذا قرأت عبد الجبار الرفاعي » للكاتبة رجاء بوعلي ..

النـص الثـانــي: كيــف تعيـــد القــــراءة تشكيــل فكـرنا .

مدخل قبل البدء : إن القراءة الجادة في الفكرتفرض على القارىء المتأمل أن يُعملَ فكره هو الآخر ويدونه، ويعيد النظر به، وقد يقوم بمنجز يشارك في إنتاج المعنى، والوعي الإنساني بطبيعته خاضع للتحولات المختلفة الناتجة عن المناظرات أو البحث أو التفسير أو الفلسفة أيضاً، ونقول حينئذ إن النص الناتج لن يكون مؤطراً في معنى واحد، بل سيصبح نصاً ممكناً منفتحاً يرصد تقاطعات الكاتب والقراء فيما يلتقون به من سياق تاريخي أو خلفية معرفية ودينية أو أفق قرائي . وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى كتاب هكذا قرأت عبد الجبار الرفاعي: لمحات حول المشروع الفكري للكاتبة رجاء بوعلي كمشروعٍ تأويلي قائم بذاته في ضوء ما ارتأته الكاتبة ولامس تجربتها الفكرية الخاصة وهمها الإنساني، حيث يلحظ المتتبع لإنتاج الكاتبة القصصي أو الروائي اهتمام مركز بفكرة الوجود الانساني وأسئلته الكبرى إزاء الأديان والتعددية والاختلاف الثقافي أو ما اختارت له اصطلاحا الصدمة الثقافية المتشكلة من الاختلاط المباشر بالآخر المختلف، وهي تشير إلى ذلك بشيء من التفصيل في قصتها عشرة أيام في عين قسيس الانجيلي، وتتضح رؤية هذا الكتاب فيما لو نظرنا إليه من خلال المناهج التي تتناول القراءة والتأويل، هذه المناهج التي تُعنى تفكيك العلاقة بين النص والقارئ والمعنى، لتنتج مايمكن تسميته بالنص الثاني، وهو ما اخترتُ له عنوانا للورقة التي سأطرح بها عدة محاور . المحور الأول: السُلطة الفكرية بين المُفكر والمُتلقي.. لطالما افترضت النظرة التقليدية للنص أن المؤلف يمتلك سُلطة المعنى الكاملة، وأن مهمة القارئ تقتصر على اكتشاف هذا المعنى، ونحن نستطيع إعادة النظر في هذه النظرة التقليدية من خلال نظريتين، الأولى: في فلسفة التأويل عبر مايسميه الألماني غادامير بـ (اندماج الآفاق)، (وهي نظرية تقوم على أن الفهم ليس مجرد استعادة لنوايا المؤلف بل هو حوار ينتج عن تلاقي أفق القارىء المعاصرمع أفق النص التاريخي مما يؤدي إلى توسيع آفاقهما معا وينتج معنى) . والثانية عبر نظرية موت المؤلف لرولان بارت والتي تقول بتقويض سلطة الكاتب تماما معتبرة أن النص لا يكتسب معناه إلا في لحظات قراءته وحينئذ سوف يكون المعنى أقرب إلى الصورة المثلى، وهذا ما تمهد له الكاتبة في اعتراف قبلي في مقدمة كتابها إذ تقول: (يلتقي القراء والكتاب في ميادين الفكر والمعرفة والآداب على أرفف المكتبات المنتشرة في العالم، وبين دهاليز الصفحات المعتقة والمحدثة، وهذا مايجعل الكاتب كائناً عولمياً يخترق الجغرافيات بهوية مخففة من مادتها، يقارب الثقافات في الفضاء الرحب، ينفذ في الأدمغة نفاذ الأكسجين، ويجري في الوعي مجرى الماء ليؤثر في الانسان أثر الفراشة ذلك أثر القراءة، في هذا السياق جاءت هذه التجربة القرائية المعرفية ) . المحور الثاني: التقاط المعنى أم إسقاط فكرتنا عليه؟ تثير القراءة سؤالًا مركزيًا وهو: هل يكتشف القارئ المعنى الكامن في النص وعليه تتفتح آفاق الفكر، أم أن القارىء يقوم بالبحث عما يدلل على أفكاره ويؤكدها دون تقليب أو مناقشة؟ ندرك تماما أن هناك فرق بين شرح النص وتأويله. فالشرح يسعى إلى فهم البنية الظاهرية للنص، بينما يذهب التأويل إلى استكشاف إمكانات المعنى التي يفتحها النص، غير أن هذه الإمكانات لا ينبغي أن تتحول إلى إسقاطٍ اعتباطي من القارئ؛ إذ يظل النص نفسه هو الإطار الذي يضبط حدود التأويل . تبدو قراءة رجاء بوعلي متوازنة إلى حد معقول في هذا الجانب؛ فهي تحاول أولًا عرض المفاهيم الأساسية في فكر الرفاعي قبل أن تقدم فكرها الخاص ثم تسعى إلى التقاط الدلالة وتقاطعها من داخل النص. في الفصل المعنون بتجليات التصوف المعرفي الفلسفي تشير الكاتبة إلى تجربة المفكر في عيش اللحظة الصوفية التي تدفقت عليه بعروج روحاني نحو المحبوب المطلق واستشعاره رعشة الإجلال، حيث يجانب ثناءاته من خلال كشفه للمعنى التأويلي من رقصة السماح التي أسسها جلال الدين الرومي. وتواصل الكاتبة تتبع هذه المعاني عبر أفكاره، وفي هذا الموضع تفتح أفقا تأويليا بتأملها في قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين)، حيث تُعقـب وتقــول: (في ذلك إرادة الحق في خلق هذا التنوع البشري وفتح طرائق متعددة تلبي احتياجات الروح وتنسجم مع اختلاف الأعراق والانتماءات والثقافات والمرجعيات الدينية والفكرية). إذن فهي بذلك تدعو لرؤية المختلف بنظرة توافقية ترقى بالانسان، وسواء اتفق القارىء مع تجربة المفكر والكاتبة أم لم يتفق معهما فإنه سيكتشف أن هذا النص الذي أسميناه بالنص الثاني قد طرح المزيد من الأسئلة أكثر مما قدم إجابات مجهزة أو قطعية، وهذه إحدى أدوات إشعال الفكر والبحث. المحور الثالث: القارئ كشريك في إنتاج الفكر عبر الزمن وتغيراته.. إننا ندرك تماماً أن النصوص لا تبقى ثابتة في معناها، بل تتغير دلالاتها مع تغير القراء، وقد عبّر عن هذه الفكرة هانز روبرت حين تحدث عما أسماه مفهوم أفق التوقع، وأفق التوقع هو: المرجعية الثقافية والجمالية التي يقابل بها القارىء النص وهو الذي يحدد ما إذا كان النص متوافق مع الأفق او ابتكاريا أي مغيرا للأفق . ووفقًا لهذا التصور، نستطيع القول أن حياة النص بل حياة الأفكار وقوة الأمم تتشكل عبر سلسلة من القراءات المتعاقبة. فكل جيل يعيد قراءة الأفكار وفق أسئلته الخاصة ويجدد دلالاتها هو جيل بناء قادر على قيادة مجتمع ناجح، والجدير بالوقوف أن الرفاعي يتطلع بنظرة استشرافية ولايتشدق بمنجزات التاريخ والبقاء في الماضي واستقاء القوة منه . تذكر الكاتبة في الفصل المعنون بـثناء الرفاعي على الجيل الجديد وتقول: ( أنه يراهن بتحدي الواثق على الأجيال الجديدة ويعتبرهم يمثلون تطلعاته وآفاقه ويثمنهم برأس مال الحاضر والمستقبل وتقول هذه الرؤية الاستشرافية هي الأنسب لمنهجه الفكري الذي يأخذ في الاعتبار سياقات الزمن المعاصر والعلوم الانسانية والفلسفة الحديثة موظفاً كل ذلك في فهم الانسان وعلاقته بالدين، ولذا يظل قريباً من الإنسان بنسخه الحديثة فهو الحلم الذي يتطلع إليه، وتستشهد الكاتبة على حديث استقطاعا ًمن لقاء تلفزيوني معه حين سُئل: لو خُير من الذي يريد أن يراه من الماضين، الجاحظ؟ أبي العلاء المعري؟ أبي حيان التوحيدي؟ فأجاب بأنه يريد أن يرى الإنسان بعد مئة عام ) . المحور الرابع: تحليل منهج الكاتبة رجاء في قراءة الفكر.. تقوم قراءة رجاء بوعلي على مقاربة يمكن وصفها بأنها قراءة تفسيرية تأملية كما ذكرنا؛ تجمع بين العرض التحليلي والانطباع الفكري، ويميزها أنها سيرة فكرية خاصة بالكاتبة حيث يجد القارىء نفسه أمام نص يدمج تجربة الكاتبة في صيغة تتناول القلق واليقينيات مرتبطة بالفكر والتجربة وهذا ما يلامس أسئلة القارىء أيضاً وقد نجحت في الحفر في هذه المنطقة، كما أدرجت بالتعاقب تجربة المفكر بأسئلتها الخاصة، ويمكن وضع منهجها في عدة ملامح: البناء المفاهيمي المنظم: حرصت الكاتبة على تقديم المفاهيم الأساسية في فكر الرفاعي بطريقة منظمة يتمكن القارئ من خلالها رؤية ملامح المشروع بشكل انسيابي، في مقابل صعوبة حصر فكر متعدد الانتاج والرسالات . القراءة السياقية والمقاربة الحوارية: تبدو القراءة في كثير من المواضع أقرب إلى حوارٍ فكري مع النص، و تتنقل الكاتبة بين الشرح والتفسير والتأمل . اللغة التأملية والأدبية :تمنح اللغة المستخدمة في الكتاب مساحة جمالية، بتوظيف أدبي ينأى عن الجمود الوارد في كتب التنظير والفلسفة . خاتمة نقدية انطباعية : لابد من لفت النظر إن هذا الكتاب بمثابة نص يؤكد بالضرورة كيف تتفاعل أفكارنا ومفاهيمنا، مرجعياتنا ويقينياتنا حين نتأثر بفكرٍ ما، وكيف نعيد ترتيب وعينا من الداخل دون إيلاء أهمية قصوى أين انتهى بنا النص وأين بدأنا، وأن مشروع الرفاعي الفكري هو مشروع كمثل أي مشروع قابل للنقض، والكاتبة باختيارها له لم تجعل منه مشروعاً نهائياً بقدر ماكان انتصاراً للمعنى الذي يتقاطع مع تجاربنا كبشر عامة. ولابد من معرفة أن هذا الكتاب يقدم الرفاعي كما مر عبر تجربة الكاتبة رجاء لا كما يظهر في مشروعه كله ، وعلى ذلك سيتشكل لكل قارىء مفهوم مختلف دون مفاضلة لأن لكل منا تجربة مختلفة، ولكن تبقى قوة الكتاب في صدقه وهمه الانساني دون التشديد على بنائه الفكري لما فيه من تأملات واعترافات خاصة تجر نحو البحث عن الحقائق والتي هي قائمة بقيام الزمن. ختاماً يمكنن أن نستشهد بتأكيد الفيلسوف غادامير على أن الحقيقة مستقلة إلى حدٍ كبير عن أي منهج، وأننا في الواقع كائنات تفسيرية، وأن وجودنا بحد ذاته عملية تفسير لماضينا الذي يسقط علينا ونستجيب له، ليس بكيفية فهم الوجود، بل بكيفية كون الفهم وجوداً. .......................................... مرجعيات : نظرية اندماج الآفاق _ للفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير_ انظر ويكيبيديا . نظرية موت المؤلف _الناقد الفرنسي رولان بارت_ ويكيبيديا. نظرية أفق التوقع _ هانز روبرت _ ويكيبيديا.