كنت قد سمعت منذ فترة.. عن إصدار الغذامي الجديد الذي هو بعنوان (ماذا لو كنت مخطئا). لم أكن قد قرأت الكتاب، ولكن شيئا كان يدعوني إليه، وإلى كشف مقولته الرئيسة .. وفي أحد الأيام بحت لأحد الأصدقاء المقربين، بفكرة ظلت تشغل بالي، وتعن عليّ إرهاصاتها ومن ثم كانت تقلقني.. قلت لصديقي: لقد سألت نفسي وتفكرت، حول ما إذا كانت قناعاتي المعرفية، ومجمل الأفكار التي أتخذ منها ارتكازا في ممارسة حياتي، ماذا لو كان مجموع ما أعرفة وتراكم معي عبر سنين من القراءة والتبحر في الكتب، ليست هي المباديء والأسس الحقيقية، لتوجه دفة فكري على الأساس السليم.. وهذه الأزمة أو الصدمة بالفعل كانت مؤرقة ومقلقة ومزعزعة لقواعد ثبات تلك الأفكار. هناك مقولة تُنسب إلى العارف جلال الدين الرومي عندما سُئل يوماً: نراك تقرأ وتكتب كثيراً، فماذا عرفت؟ فأجاب: عرفت حدودي. وربما هذه هي المقولة التي وقعت عليها يوما، ووضعت بذرتها القيمية، في صميم تساؤلي السابق. هذه المفارقة التي ذكرتها آنفا .. دفعتني لقراءة كتاب الغذامي .. لأن حدسا ما لاح لي، وربما أجد إشباع فضولي حول تلك الحالة في ثنايا هذا الكتاب.ووجدتني بعد أن وقع الكتاب بين يدي أسير في طريق سالك، معبد وممهد لإرواء عطش حدسي.. ثم إنني بعد الفراغ من قراءة الكتاب، وضعت ما وجدته فيه ويخصني جانبا في الحفظ والصون.. وبدأت أتماهى مع خطاب الغذامي الذي ضمنه إصداره هذا. وفيما يلي فحوى قراءتي لفصول الكتاب الثلاثة، التي جاءت هذه القراءة عبر تلبية هذا العنوان، لفضولي الذي انطلق من مقولة التساؤل عن جدوى ومآل حصيلتي المعرفية المزعومة. الأسئلة عندما تتوالد كلما استمرت آلة السؤال تعمل، وتولد الأسئلة، التي تترك مجالا واسعا للأجوبة، وطرح المزيد من الأسئلة، النابعة أيضا من إمكانية الجواب المتاحة؛ يظل المفكر أو الفيلسوف بعيدا عن شعاع سؤال: ماذا لو كنت مخطئا؟ الذي هو في المحصلة (لحظة) مراجعة لإرث المفكر نفسه، التي لا تعمل إلا عند نفاد الذخيرة الفضولية أو الملكة الاستفهامية من خلال أداة أو آلة تصنيع وإنتاج الأسئلة. وأيضا في اللحظة التي يقف فيها المفكر أمام نفسه، مقابل المرآة التي تنشيء سؤال الجدوى والغاية والحقيقة. والسؤال السيكولوجي المهم هنا.. هو كيف نشأ هذا السؤال / العنوان .. الذي هجم على عقول بعض المفكرين بشكل أو بآخر! فهناك عقول أقرت ورست على شاطيء هذا السؤال ذو الصيغة التواضعية التي تمنح العقل المتقبل له ولحدوده ولنجاعته، تواضعا معرفيا، ففي هذا السؤال، توليد مجازي لمعرفة أعمق، تولدت عن فهم ووعي وإدراك هذا الإشكال الذي تمت صياغته على هيئة سؤال مفصلي وحاد.. على مستوى الصدمة المعرفية.. في الحين الذي أربك فيه هذا السؤال عقولا أخرى فضرب في عمق غرورها وعنجهيتها فرفضته أو تجاهلته مع عمق معرفتها بفاعليته وقوة ارتطامه بحصيلتهم المعرفية والفكرية.. فكان تجاوز هذا السؤال .. من قبيل تبرير معاقرة شهوة ولذة التفوق العقلي المزعوم لهؤلاء الجاحدين الهاربين من قوة الحقيقة، وكأن هذه الفئة التي أربكها السؤال وهز قواعد اعتدادها بالعقل، تنصلت من قناعاتها بإضمار هذا السؤال وكبته حسب التعبير الفرويدي. والجواب عن دافعية تلقي هذا السؤال ونشأته من جانب نفسي، هو ما جاء في مقولة الغزالي.. التي كانت محملة بصيغة كثيفة من المعنى، والتشخيص لدواعي هبوط هذا السؤال على بعض العقول. فمقولة الغزالي تحدد بالضبط المنطلق الصحيح للارتياح لذلك السؤال، والخروج من فخه، فإدراك العقل ومعرفة عجزه بنفسه.. هي البوابة التي يدخل منها المفكر إلى دهاليز فكره وبحثه. لأن اليقين بأن العقل يدرك عجزه يخلخل مفهوم ومصير الحصيلة المعرفية. والخطأ الذي هو أصوب من خطأ الآخر. والكلمة المفتاحية هنا هي (العجز). لكن الوقوف على حقيقة هذا العجز، قد تؤدي إلى نقيض الارتياح، بحيث تربك هذه الحقيقة الرافضين لها، لأنها تعري عقولهم التي ارتكزت على مفهوم أن العقل يدرك تفوقه، وما منعهم من التصالح مع السؤال، إلا الغرور الفلسفي الذي ذكره روسو وفقا لما ذكره عنه الغذامي. سؤال الكتاب كان تقسيم الغذامي لفصول كتابه ذكيا وقويا.. حيث بدأ بتمهيد فكرة الكتاب أو مقولته الرئيسة في الفصل الأول، وكأنه يهيء القاريء للفصل الثاني، الذي يطرح فيه الغذامي سؤال كتابه، على نفسه، ولكن بشكل موارب، عندما تحدث في هذا الفصل عن وظيفة النقد الثقافي.. حيث أبرز الغذامي مرحلة تساؤله عن النقد الأدبي الذي ظل زمنا يتبناه، ثم بدأ بسؤال هل في الأدب شيء غير الأدبية؟ وهذا الشيء الذي غير الأدبية هو تصحيح المسار، بعد طرح سؤال أسئلة الغذامي: ماذا لو كنت مخطئا؟ ماذا يريد أن يقول الغذامي داخل شرح منظومته النظرية؟ أظن أن سؤال ماذا لو كنت مخطئا؟ قد طرأ ببال الغذامي عند تساؤله حول جدوى النقد الأدبي وقد أجاب عليه بجعل النقد الأدبي في موقع الخطأ.. على الأقل بالنسبة لتوجه الغذامي في مشروعه الفكري والفلسفي، بحيث تخلى عن عمله واشتغاله بالنقد الأدبي، إلى النقد الثقافي، الذي رأى فيه الغذامي الصواب بعد أن وضع النقد الأدبي في مرمى التساؤل والسؤال الرئيس في مجمل مواضيعه التي تطرق إليها في كتابه. بحيث يحيل تحليل هذا الفصل بناءً على الفصل الأول وانطلاقا منه، إلى أن النقد الأدبي ربما كان هو الخطأ الذي برز من ذلك السؤال؛ فالغذامي لم ير في النقد الأدبي ما يعزز مقولاته، أو فيما حدث بعد ذلك من تبنيه لنظرية النقد الثقافي كمنبع لتجليات مراده وغايته الفكرية.. وكأنه يقول أن العقل الذي يقف عنده النقد الأدبي، هو عجز العقل الذي برهنه الغزالي، أو هو الخطأ الذي عرفه عقل الغذامي نفسه. الكائن السردي وصلنا إلى اللحظة، عندما كذب سقراط العرافة بأنه أحكم حكماء أثينا، بمعالجته الواعية لمسألة أن الفلاسفة لا يملكون الحكمة الكاملة التي تؤهلهم للحكم .. وذلك تفعيلا من سقراط لسؤال ماذا لو كنت مخطئا؟ حيث أن سقراط بتقريره أن الحكمة المطلقة هي لله وحده .. قد سبق لحظة طرح السؤال المشكل ماذا لو كنت مخطئا.. وخرج من مأزقه المعرفي وتخلص من مفهوم الغرور الفلسفي.. وأعباء هذا السؤال، حيث أن سقراط لم يكن بحاجة لهواجس وإرهاصات ذلك السؤال .. فقد كان متقدما خطوة أو خطوات عن ضرورة طرح ذلك السؤال الذي شكل سقراط بواسطة استباقه للسؤال / الأزمة بأن أقر مبكرا بعجز العقل الذي توصل إليه، حسب مقولة الغزالي التي توضح وتقرر أن ميزة العقل (العقل المتزن المستقر) تكمن في إدراك ومعرفة عجزه. أيضا في الفصل الثالث، يظهر مفهوم الكائن السردي، من خلال تشبعه بالصيغة النسقية، ومفهوم العيش وفق نظام (الدراما) ويظهر ذلك جليا في ممارسة وسلوك الأفراد على نحو تمثيلي أدائي.. والذي ساهمت فيه مفاهيم ومصطلحات الليبرالية الجديدة.. لأنها جردت الإنسان من المعنى الخاص، الذي يتولد عبر التنوع .. وهنا تبرز المعضلة من خلال تعزيز الفردانية المنغمسة في النسق وحركية الإنتاج والاقتصاد.. وهنا لا تعني الفردانية تمثل الذات والانطلاق من أصالتها في وسط المعمعة، بل تعني الانصهار في الصيغة المجتمعية السردية.. مما يجعل الفرد الفرداني حسب مفهوم الليبرالية الجديدة، كمادة موصلة وفائقة التوصيل للنسق المضمر.. ولو أن الكائن السردي تجرد من عقدة النسقية.. ولم يكن الطرف الذي يسهم في إيصال وتمرير النسق..فسوف يغدو متحررا من القوى الجاذبة والشديدة التي تجره لمركز دوامة النسق.. وسوف يصل لصيغة معرفية ترشح بالحكمة كما كان سقراط نموذجا للتحرر من نسق الغرور الفلسفي.. ومن ثم نشوء استباقيته للسؤال المشكل: ماذا لو كنت مخطئا؟ وفي الختام، أطرح سؤالا يتبنى مفهوم الفلسفة، وتعريفها الذي يقر بأن التفلسف هو مهارة طرح السؤال وتوليده، وأترك السؤال مفتوحا للنقاش والتأمل، حسب أدبيات الفلسفة نفسها: كيف يطرح الكائن السردي - بشكل عام وجماهير- سؤال ماذا لو كنت مخطئا على نفسه؟ .. ولنقل كيف يتجلى للعامي ورجل الشارع العادي، هذا التساؤل وكيف سيتعامل معه وفق وضمن حصيلته المعرفية .. فهل ينحصر تأثير هذا السؤال في فئة الفلاسفة والمفكرين وأصحاب النظريات والأفكار المطولة؟ أم أنه ينطبق على أي عقل تلازمه دوما، حقيقة عجزه!