في القراءة أكتشف أشباهي.

الحياة رحلة طويلة في محاولة التأقلم، وهذه الرحلة الطويلة تجعلني أشعر بنفسي وهي تضيع أكثر وأكثر في المجهول، فإنسان الزمن الحاضر عداء في كل تلك الطرق والزوايا المجهولة التي تتعبه نفسيًا؛ فنحن رهائن العصر الحديث. حاولت لفترة طويلة أن أقاوم لكن من يستطيع أن يقاوم كل هذا ؟ في هذه الحياة هناك أشخاص حين تراهم تشعر أنهم بخير، وهم يختبئ في داخلهم عالم من الفوضى، صراع مرير، روح ترجو الفكاك. وهذه الأرواح هي أرواح حساسة، من فرط حساسيتها تطعم الناس من أجل أن “ريح الصبا” هبت، كما كان يفعل لبيد بن ربيعة، والصبا ريح لطيفة تهب من المشرق، ولعلي أذكر ما كتبه جواد علي عن “ريح الصبا” في مفصله، يقول: “قد يعجب الغريب من تغزل العرب بريح الصبا، ومن مدحهم لها إلى حد الإفراط، فليس في أشعار العالم، ولا في نثرهم، شعر أو نثر فيه هذا القدر من التغزل بريح من الرياح، وقد لا يفهم الغريب أي تعليل يقدم إليه ويقبله، وخير جواب يقدم إليه هو حضوره بنفسه إلى جزيرة العرب للاستمتاع بلذة الصبا في ليلة مقمرة من ليالي الجزيرة، وسيعرف عندئذ سحر دلال “الصبا” وسحر تغزل العرب بها، على عكس “السموم” التي تشوي الوجوه، وتعمي العيون، فتجعل الشعراء يلعنونها، والناس يتذاكرون ثقلها وشدتها عليهم وما ألحقته بهم من مهالك وأضرار.” أرواح تنشد الجمال في كل ركن من أركان حياتها، وإن بدت القسوة على طباعهم فقد تكون لإخفاء هذه الرقة التي يستنكرها بعضهم أو يخافها. كان العم محمد الصالح الدواس وهو من مواليد ١٣٣٦هـ تقريبًا محبًا للكتب والعلم، وكان صامتًا كأنه يتعبد بصمته، ومنعزلًا عن الناس، وكان يترك الزراعة لأيام من أجل القراءة، وكان أبناؤه إذا سألوا أمهم عن أبيهم؟ تقول جملة تعكس حال القارئ، جالس “يحزن”، وهي بذلك تشبه حالة القراءة وانكباب القارئ على الكتاب بحالة الحزن، ياله من تشبيه صادق. في الغالب هذه الشخصيات مختلفة عن سياق عصرها، تتعامل مع الأشياء التي اعتدناها ومن المفترض أن لا نعتادها بحساسية شديدة، وكأن سمير جريس يقصدهم حين قال: “إنها شخصيات تحيا على حافة الجنون، ولا تأمل من الناس سوى التفهم أو القبول”. بازوليني، كان روحًا ترجو الفكاك، كان يحاول أن يتجاوز واقعه بالهرب، تقول عنه آنا ماغناني: “لن أنسى أبدًا ركضنا الذي تقطعت فيه أنفاسنا ولا رقة الأرض في تلك اللحظة ولا الإتساع اللانهائي للحاضر تحت وقع خطواتنا المتوافقة. أعرف عندئذ أن بيير باولو هو إلى الأبد صبي لن يكون بوسعه أن يشيخ. أشد على يده ببالغ القوة، تمنيت لو ركضنا بأسرع من قدره”. أظن أحيانًا أن الكتابة والرسم والسينما محاولة للركض أسرع من القدر، لوهلة نشعر بالتحليق، بالبعد عن الواقع، وكأننا تجاوزنا مصيرنا. حين أتوه بين الكتب هربًا من هذا العالم اكتشف أشباهي، أؤلئك الوحيدين في عصور مختلفة، يقول حسين البرغوثي في ضوئه الأزرق: “كنت عاقلًا، ومثقفًا، وطالبًا في الدراسات العليا، وكل شيء يبدو على ما يرام، وفي الداخل صحراء فيها كائن قاعد على ركبتيه في الفراغ ويأكل قلبه”. وفي الجهة الأخرى من العالم، هناك في نابولي حيث أري دي لوكا يقلب وحدته وقد كتب في جبل الرب: “داخل صدرك ثمة صبي يقذف حجارة على الحائط”. الغريب أن “حسين” ودي لوكا كلاهما وقد ولدا في عام ١٩٥٤م، فإن كان الزمن ربطنا برباط روحي مع اختلاف سنواتنا، فنفس الزمن جمعهم. هذه الحياة متاهة طويلة، نحتاج فيها أن نقاوم أنفسنا قبل كل شيء، فمن ينتصر على نفسه من سيهزمه ؟ تثقل علينا الحياة، وثقل هذه الحياة يعرفه الناس في صوتي، فحبالي الصوتية لا تساعد صوتي المبحوح حين أحمل الدنيا على ظهري. حياة دهاليزها كثيرة، وتسكنها عوالم مختلفة، حيوات لا حصر لها. ومن الكتب عرفت أن هناك عالمًا غير هذا العالم، حكايات لا تنتهي، شخصيات لا تفنى، عالم يخبرني أنني لن أكون وحيدًا أبدًا. وهذه هي نفس الحياة التي صحب فيها بندر بن سرور قلقه على “فرته” قاطعًا تهاتيه نجد. كل هذه الحياة من آدم حتى آخرنا هي في الواقع حياة واحدة، نفس واحد، في زوايتها اليسرى أوصى كافكا صديقه ماكس برود بأن يحرق أعماله، وفي الجهة المقابلة كان أبو حيان التوحيدي يتأمل النار التي أشعلها وهي تأكل جزءاً من روحه. في رواية “ساحة ايطاليا” لأنطونيو تابوكي ظهرت أعراض عند فولتورنو، أعراض مرض جديد، كان يجيب بغتة على سؤال قد وجه له في اليوم السابق، ويتذكر أشياء لم تحدث حتى الآن، ويعاني مرتين من الإحباط ذاته. وحين زارته زلميرا لترى مابه قالت: “إنه شاعر. يعاني من داء الزمن.” هذا هو الزمن في كل حين متمسكاً بعاداته، ونحن متمسكون بوعينا الذي يقودنا إلى “داء الزمن”. في “موسم الهجرة إلى الشمال” كانت السيدة روبنسن تقول لمصطفى سعيد: “أنت يا مستر سعيد خال تمامًا من المرح، ألا تستطيع أن تنسى عقلك أبدًا ؟!” هذا العقل الذي جعله في مكان آخر من الرواية يقول: “كنت باردًا كحقل جليد، لا يوجد شيء في العالم يهزني.” حين نفقد ثقتنا بالعالم ماذا سيقنعنا بجدوى الجدية ؟! منذ سنوات أحاول أن أعيد ترتيب داخلي، أفشل، لكني مازلت أحاول، فالإنسان في هذه الحياة عليه على الأقل أن يحاول، ولنرى في النهاية جدوى محاولاتنا. نحن محبين الأدب جعلتنا الحياة نَحْن ليس لما حدث، بل لما كان عليه أن يكون حين حدث. لذلك نكتب لنحاول أن نفهم، ليست الفكرة بأن نشرح شيء. سُئل محمد المقحم أين تذهب الكلمات التي لم نستطع أن نقولها؟ قال: “في التجاعيد، في الشيب، في القولون.” والأدب بالنسبة لأنطونيو تابوكي هو البحث عن التمزقات ليشير إليها، ليسأل الواقع، من دون أن يعطينا أي جواب. وبالنسبة لأمل دنقل كان الشعر دائمًا حلم بمستقبل أجمل، وبالنسبة له الواقع لا يكون جميلاً إلا للسذج ! ونحن نعيش في واقع غريب، لم يعد هناك شيء مقنع. يقول بوهوميل هرابال في قطارات تحت الحراسة المشددة: “الناس لم تعد تؤمن بشيء، لا بالله، ولا بالأساطير، ولا بالخرافات، ولا بالرموز، بتنا وحيدين في العالم، إذن، كل شيء بات مباحًا!”. وفي هذا العالم مازلنا نحاول التأقلم، وتعلمون ما هو المخيف ؟ أن يكون التأقلم هو ماذكره اري دي لوكا في المستحيل يقول: “في المصنع عند بدء العمل: بعدما تدور الآلات وتتحرك وتستقر تلك الدوامة في رأس العامل، ولا يعود منتبهًا إليها.” بمضي الوقت، نصبح غريبي الأطوار. ساهين على الدوام، سريعي الغضب، شاردي النظرات، نجلس بين الكتب طوال اليوم من دون انتباه للعالم الذي يجري من حولنا. يقول مؤيد الدين عن أخيه الوزير جمال الدين القفطي صاحب المصنفات المشهورة: “انقطع في داره مستريحا من معاناة الديوان، مجتمع الخاطر على شأنه للمطالعة والفكرة وتأليف الكتب، منقبضًا عن الناس، محبًا للتفرد والخلوة، لا يكاد يظهر لمخلوق”. وكتب لوران غُودِه في شمس آل سكورتا: “لم يكن يطلب لنفسه شيئًا من أحد. ورجاؤه أن يترك وشأنه مبحرًا في المياه مخلفًا هموم العالم وراءه.” ونحن مازلنا هنا نحلم بأن نخرج من الحياة كما جئنا إليها.