رحيل مبدع

نذرف الدموع كلما بلغنا خبر رحيل مبدع… فهل نبكي لفقد شخص عزيز فحسب، أم لأننا نشعر بأن شيئًا من ذواتنا قد انطفأ؟ ما سر تلك الصلة الخفية التي تربط المبدع بجمهوره، حتى يبدو غيابه فاجعًا بهذا القدر؟ إن الفقد، في جوهره، تجربة إنسانية موجعة، لا ترتبط بمكان أو زمان. فالإنسان قيمة قائمة بذاتها، بغض النظر عما يحمله من علم أو إبداع. يكفي أن يغيب عزيز عن ناظرينا زمنًا يسيرًا حتى نشعر بثقل الغياب، فكيف إذا كان الغياب أبديًا، حيث لا لقاء بعده في هذه الحياة؟ هناك، يترك الفقد أثره العميق في النفوس، وجراحًا لا تندمل في قلوب الأحبة والمريدين. غير أن رحيل المبدع يختلف؛ إذ لا يرحل كله. يغيب الجسد، لكن الأثر يبقى شاهدًا حيًا عليه. تبقى أعماله كأنها نبض متجدد، نهتدي بها إلى روحه، ونستعيد من خلالها ملامح فكره وفرادته. فالإبداع هو الامتداد الحقيقي للإنسان، وهو الابن البار الذي يخلّد صاحبه عبر الأزمنة. لقد رحل الأديب السوداني الطيب صالح، لكن روايته الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال» ما تزال تنبض بالحياة، تُقرأ وتُلهم، وتتردد أصداؤها في الوجدان العربي والعالمي. وغاب نجيب محفوظ، غير أن أحياء القاهرة التي رسمها في رواياته ما تزال حيّة في ذاكرة القرّاء، حتى بدا وكأنه لم يكتب روايات فحسب، بل وثّق روح مدينة كاملة. وفي عالم الشعر، رحل محمود درويش، لكن قصائده ما تزال تتردد على الألسن كأنها كُتبت بالأمس. أما المتنبي، فقد غاب منذ قرون طويلة، غير أن أبياته ما تزال حاضرة في الثقافة العربية، يستشهد بها الناس في مواقف الحكمة والفخر والحياة، وكأن الشعر الصادق يملك قدرة خارقة على مقاومة الزمن. وفي ميادين العلم والفكر، رحل أحمد زويل، لكن إنجازاته في علم الكيمياء وأبحاثه في “الفيمتو ثانية” ما تزال تُدرّس وتُلهم أجيالًا من الباحثين حول العالم. وغاب ستيفن هوكينغ، غير أن رؤيته للكون والثقوب السوداء ما تزال حاضرة في الجامعات ومراكز الأبحاث، وكأن عقله لم يتوقف عن طرح الأسئلة الكبرى للإنسانية. كما رحل العالم المسلم ابن الهيثم منذ قرون طويلة، لكن إسهاماته في علم البصريات ما تزال تشكّل أساسًا علميًا لكثير من التقنيات الحديثة، في دلالة واضحة على أن العبقرية الحقيقية لا تقاس بعمر صاحبها، بل بقدرتها على تجاوز الزمن والبقاء حيّة في حياة البشر. أما في ميادين العلم والاختراع، فقد غاب غولييلمو ماركوني عن عالمنا، لكن اختراعه للمذياع ما يزال حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية، وكأنه لم يغب قط. ورحل توماس إديسون، غير أن اختراعاته ما تزال تضيء العالم حتى اليوم. وكذلك ستيف جوبز، الذي لم يكن مجرد رجل أعمال، بل صانع رؤية غيّرت علاقتنا بالتقنية والاتصال والإبداع البصري. وفي وطننا، تزخر الذاكرة بأسماء صنعت نهضته وأسهمت في تشكيل وعيه الثقافي والحضاري. ويكفي أن نذكر الشيخ حمد الجاسر، الذي لم يكن مجرد مؤرخ وأديب، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا أسهم في خدمة الأدب والجغرافيا والأنساب والصحافة، وأسّس صحيفة «اليمامة»، ومهّد الطريق لصدور صحيفة «الرياض» التي أصبحت إحدى أهم المنابر الإعلامية في المملكة. وقد شهدت الصحافة السعودية تحولات كبيرة، فغابت النسخ الورقية تدريجيًا لتحل محلها المنصات الرقمية، مواكبةً التطور التقني المتسارع، مع استمرار المؤسسات الصحفية الرصينة في أداء رسالتها المهنية، محافظةً على ثقة جمهورها ومكانتها بوصفها مصادر موثوقة للمعلومة والتحليل. وربما تكمن عظمة المبدع في أن أثره يتجاوز حدود عمره الزمني. فكم من عالم أو أديب أو فنان مات منذ عشرات أو مئات السنين، لكنه ما يزال يؤثر في الناس أكثر من أحياء يعيشون بينهم اليوم. ذلك لأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بطول عمره، بل بعمق أثره. إن الحضارات نفسها تُقاس بمبدعيها. فما الذي أبقى أسماء اليونان القديمة حاضرة حتى اليوم؟ أليس فلاسفتها؟ وما الذي جعل الأندلس حيّة في الذاكرة؟ أليس شعراؤها وعلماؤها ومعمارها وفنونها؟ فالمبدعون هم الذاكرة الحية للأمم، وهم الجسر الذي تعبر به الحضارات نحو المستقبل. نبكي… نعم، لأن العاطفة تغلبنا، ولا نملك أمامها إلا التسليم. لكن البكاء الحقيقي، والأشد وجعًا، ليس على رحيل مبدع، بل حين تعجز الأرض عن إنجاب أمثاله؛ حين تجف منابع الإبداع، وتغدو المواهب نادرة، أو تجد بيئة لا تحتضنها ولا تنميها. عندها فقط يصبح الفقد خسارة حضارية لا فردية. وهنا تبرز مسؤوليتنا الكبرى؛ أن نُعدّ الأرض، ونهيئ المناخ، ونرعى البذور. علينا أن ننشئ المراكز الثقافية، ونفعّل المعاهد، ونحتضن المواهب، ونفتح أمامها آفاق الإبداع في الأدب والفن والعلم والتقنية، بأساليب تواكب ما وصلت إليه الأمم التي استثمرت في الإنسان قبل كل شيء. إن كثيرًا من المبدعين لم يولدوا في بيئات مثالية، لكنهم وجدوا من يؤمن بهم، ويمنحهم الفرصة، ويحتضن أفكارهم. فالإبداع لا ينمو في الفراغ، بل يحتاج إلى مجتمع يقدّر الفكرة، ويحترم الموهبة، ويمنح الإنسان حق المحاولة والتجربة والخطأ. وفي المملكة العربية السعودية اليوم، تتجلى ملامح هذا التوجه بوضوح، من خلال دعم الثقافة والفنون والابتكار، وتمكين الشباب، وإنشاء المؤسسات والمبادرات التي تُعنى بالمواهب والإبداع، إيمانًا بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم، وأن الأمم لا تتقدم بالموارد وحدها، بل بالعقول التي تصنع مستقبلها. فالمبدعون لا يولدون صدفة، بل تُصنع بيئاتهم، وتُصقل قدراتهم، ويُمنحون الفرصة ليضيئوا سماء أوطانهم… ويتركوا لنا، حين يرحلون، ما يستحق أن يُبكى عليه باعتزاز، لا بحسرة. * مدير تحرير مجلة الفنون سابقاً.