تحتفل مجلة ”اليمامة“ بمرور خمسة وسبعين عاما على صدورها فهنيئاً لليمامة. ولقرائها الكرام وللقائمين عليها بهذا الإنجاز العظيم الذي يبرز مدى اهتمام وتقدير بلادنا حكومة وشعباً بالعمل الجاد المفيد للمجتمع والوطن. من يطالع الصفحة التالية للغلاف يجد التعريف بالمجلة: ”مجلة اسبوعية شاملة تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية “ ويتبع ذلك عبارة ”أسسها حمد الجاسر عام ١٣٧٢ هـ“. ولعل الجيل الجديد، الذي لم يعاصر نشأة المجلة ومسيرتها ولا حياة مؤسسها، يعتقد أن هذه السنوات كانت سهلة مفروشة بالورود وعبارات الثناء والتقدير من الجميع وأن المشرفين عليها لم يواجهوا اية صعوبات أو تحديات أتعبتهم وكدرت صفوهم وقلبت حياتهم رأساً على عقب. ويعزز هذا الانطباع ما يحظى به مؤسسها من تقدير وتكريم في الوقت الحاضر، اذ تحمل شوارع في الرياض وجدة اسمه، كما اُطلق اسمه على احدى حدائق الرياض ، فضلا عما ناله من أوسمة وتكريم من قادة الوطن ومؤسساته. غير أن وراء هذا النجاح قصص طويلة مؤلمة من التحديات والمحن والصبر عليها والإصرار على مواجهتها. ومن هنا سأحاول في هذه السطور أن استعرض جانبا من الصعوبات التي و اجهتها ”اليمامة“ ومؤسسها، لتبقى هذه المسيرة درساً ملهماً للأجيال الصاعدة. وقبل الحديث عن بعض المقالات التي كان لها أثر في مسيرة المجلة وحياة صاحبها، يجدر بنا ان نتذكر بأن ”اليمامة“ كانت أول صحيفة تصدر في منطقة نجد (الرياض) في أواخر عهد المغفور له الملك عبد العزيز طيب الله ثراه. بالإضافة الى استبشار طلبة العلم ومثقفو تلك الأيام بها فقد دعت هذه الصحيفة المواطنين للكتابة فيها والمساهمة بإبرازها ونجاحها: ”اليمامة…..ترحب بكل كاتب صحيح الفكرة، سليم القصد، نزيه الغرض، … لاتفرق بين احد وآخر“.(١) وهذا الكلام لم يقله الشيخ من قبل الاستهلاك المحلي أو الترف الذهني وإنما هو جزء أصيل من منهج الشيخ الجاسر الفكري والصحفي الذي عرف به طوال حياته وليس أدل على ذلك ما ورد في رسالة خطية منه الى صديقه الحميم الشيخ عبد الله الخيال سفير المملكة العربية السعودية في بغداد وبعد ذلك في واشنطن، الذي كتب له في أحد الخطابات المتبادلة بينهما: “ ولست (أنت) في حاجة الى أن اطلب منك أن تولي (اليمامة) من الناحية المعنوية شيئاً من عنايتك وتعضيدك ومؤازرتك فهي مجلتك وأنا وأنت وكل عربي مسلم فيها على حد سواء“(٢) وقد ضمت صفحات اليمامة أسماء بارزة من رجالات السياسة والفكر والعلم والادارة من بينهم الملك فيصل بن عبدالعزيز في رثاء جلالة الملك عبدالعزيز رحمهما الله، والشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ عبدالمحسن بن محمد التويجري، واللواء سعيد بن عبدالله كردي (مدير الاستخبارات العامة في ذلك الوقت)، والاستاذ فهد العريفي، والشيخ عبدالله بن ادريس، والاستاذ محمد عبدالرزاق حمزة، والشيخ عبدالله بن خميس، والاستاذ عبدالكريم الجهيمان، والاستاذ سعد البواردي، والاستاذ عبدالعزيز المعمر، والأستاذ إبراهيم العنقري والأستاذ محمد بن عبدالعزيز العنقري والاستاذ عبدالله الطريقي، والاستاذ حافظ وهبه، والاستاذ عبدالرزاق الريس، والشيخ ناصر المنقور وغيرهم من الشباب المتحمسين لخدمة بلادهم ونشر الوعي بين المواطنين. بالإضافة إلى أن اليمامة أول صحيفة ظهرت في المنطقة الوسطى فهي قد طُبعت بعد أقل من عامين من صدورها في أول مطبعة أسست في المنطقة الوسطى هي شركة الطباعة والنشر الوطنية (مطابع الرياض) مما لا شك فيه أنه كان ” لليمامة “ قراؤها الذين ينتظرون صدورها كل أسبوع لما كانت تحتوي عليه من مقالات تمس شجون ومشاعر و أفكار ومشاكل القراء والمواطنين بوجه عام وتعنى باحتياجاتهم ومشاكلهم، وقد ذكر جلالة الملك فيصل أنه كان يحرص على قراءة اليمامة حتى في (أسفاره) عندما كان في لوزان.(٣) والواقع أنه لم يكن الجميع يشترك بهذا الشعور تجاه“ اليمامة“ فالبعض كان يتصيد الهفوات غير المقصودة لإبرازها وتضخيمها وبثها من باب الجهل او الحسد والغيرة وسوء الفهم. ومع أنه كان في ذلك الوقت جهة مختصة بالرقابة على المطبوعات (قلم المطبوعات التابع لوزارة الخارجية ثم المديرية العامة للصحافة والنشر) لكن كما ذكر الدكتور بن سلمة حاولت العديد من الشخصيات والجهات ممارسة الرقابة على المجلة ثم الصحيفة. لدرجة أن بعض المسؤولين في الشركات المساهمة منح نفسه حق التدخل في ما ينشر فيها (٤). وقبل أن نتطرق لهذه المقالات هناك مقالة تستحق القراءة والتركيز للواء المرحوم سعيد عبدالله كردي الذي كان يكتب فيها قبل و بعد توليه مصلحة الاستخبارات العامة ورئاستها(٥): فقد استهل مقالته بمقولة للإمير سلطان رحمه الله عندما كان وزيرا للمواصلات أقتبس منها:“ ان حرية الصحافة في بلادنا غير منها في أي مكان آخر إذ لا مجال فيها للأطماع ولا مجال للمرتزقين… صحيح ان هناك قوانين تقيدها ولكن ما أحسن قيود القوانين حين يرى المرء ما له وما عليه وضرب مثلا لذلك فقال: ”اقرأوا جريدة اليمامة فإنها تكتب ما لا تستطيع صحيفة من الصحف أن تكتبه“ انتهى هنا كلام سموه رحمه الله ويستطرد اللواء فيقول: ” مهمة الصحافة هي مراقبة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية …الخ في البلاد، وانتقاد ما ينحرف منها عن خط السير الصحيح، بقصد تقويمها وإعادتها إلى جادة الصواب لأن البشر غير معصومين عن الخطأ“. عودة إلى بعض المقالات التي كما ذكرت سابقا خلقت زوبعة او سحابة صيف فطأطأ لها الشيخ رأسه إلى أن عبرت بدون تأثير يذكر، مثلا افتتاحية ”أقفلها وأرحنا“ (العدد ١٣١، ١٠ محرم ١٣٧٨) التي كتبها الشيخ منتقداً ممارسة سلبية لجهة حكومية مما أغضب رئيسها و هدد قائلا “إغلاقها على يدي”. إلا أن هناك مقالات لم تمر بسهولة بل كان لها عواقب أثرت على حياة الشيخ نفسه مثل افتتاحية ”مرحبا برسول السلام“. كان الشيخ الجاسر، بالإضافة الى مسؤولية اصدار ”اليمامة“ والاشراف عليها، يعمل مديرا لكلية العلوم الشرعية (تأسست ١٣٧٣ هـ) وكلية اللغة العربية (تأسست ١٣٧٤هـ) وهما بالمناسبة نواة جامعة الامام محمد بن سعود. في شهر صفر من عام ١٣٧٦ هـ الموافق لسبتمبر ١٩٥٦م زار المملكة رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو، فأوعزت المديرية العامة للإذاعة والنشر إلى جميع وسائل الاعلام للترحيب بضيف البلاد وامتثلت مجلة ”اليمامة“ لهذا الأمر و نشرت في العدد ٤٦ بتاريخ ١١ صفر ١٣٧٦ هـ الموافق ١٦سبتمبر ١٩٥٦م، مقالا ترحيبيا بضيف البلاد في صدر الصفحة الأولى عنوانه ”مرحبا برسول السلام“. وقد أثار العنوان عاصفة من الغضب في بعض الأوساط وكان من نتيجته فصل الشيخ من عمله في ادارة الكليتين (العلوم الشرعية واللغة العربية). ومن المقالات التي أودع الشيخ فيها السجن حيث أساء بعض المغرضين تفسيره وفهمه واعتقادهم أنهم هم المعنيون دون سواهم بهذا المقال الذي كان افتتاحية عدد ١٧٠ المؤرخ في ٢٦ شعبان ١٣٧٨هـ الموافق ٣ مايو ١٩٥٩م بعنوان “هؤلاء الكتاب المضللون” ولولا عناية الله سبحانه وتعالى ثم تدخل ولي العهد آنذاك الامير فيصل و نبل الشيخ ناصر المنقور ووفائه وشهامته (رحمهم الله جميعا) لحدثت امور لا تحمد عقباها بالنسبة للشيخ. لم يقف تأثير كيد الحاسدين والحاقدين عند سجن صاحبها وتوبيخه بسب هذه الافتتاحية ومقالات لاحقة عند هذا الحد بل امتد الى مصادرة ”اليمامة“ واندثار مطابع الرياض فيما بعد. ولو كان الجاسر في البلاد لسجن ولحُكم عليه بالإقامة الجبرية في مسقط رأسه قرية البرود. ما حدث هو أنه كانت مطابع الرياض تقوم بطباعة الصحف التي تصدر في منطقة الرياض وقبيل رمضان من عام ١٣٨١هـ الموافق ١٩٦٢م وبينما كان الشيخ حمد خارج مدينة الرياض حضر رئيس تحرير احدى الصحف وطلب من عامل في المطبعة من الإخوة المصريين طباعة عدد من جريدته بناء على اتفاقيات سابقة مع المطابع، وكان فيها مقالات تتعرض للرئيس المصري حينذاك، و لم تكن العلاقات السعودية المصرية على ما يرام بسبب تدخل مصر في اليمن، وكانت غالبية وسائل الاعلام المصرية تهاجم السعودية بضراوة ونهج لا يصح وترد عليها الصحف والاذاعة السعودية على نحو متفاوت. ولم يشأ الجاسر لليمامة أن تدخل في الجدل من منطلق أنه لا يصح للصحافة الانحدار إلى مستوى غير لائق ـ لكي لا نقول بذيء ـ فلا يليق بالصحافة السعودية التي تصدر في بلاد العروبة والاسلام النزول الى مستواها. لذلك كان عمال المطابع المصريين يمارسون عملهم بدون مشاكل وبعيدا عن الأجواء الملبدة ولكن عندما طُلب من أحدهم صف العدد وطباعته رفض بشدة وطلب تكليف عامل لبناني بدلا عنه لكن رئيس تحرير تلك الصحيفة أصر على طلبه، فما كان من هذا العامل الا أن اجتمع مع مواطنيه وقرروا الذهاب الى سكنهم ورفضوا العمل. حاول الشيخ حمد ثنيهم عن اضرابهم وطلب منهم العودة الي العمل ولكنهم أصروا على موقفهم. كان ذلك في بداية شهر رمضان الكريم فذهب الشيخ الى (الأمير) فيصل بن عبد العزيز لتهنئته بالشهر الكريم ومن ثم عرض عليه مسألة نقص العمال والمخافة من ارتباك العمل. كان يوسف ياسين حاضرا في ذلك الوقت وقد استغرب تصرف العمال حيث أن اليمامة معروفة بعدم اشتراكها بالمعركة الاعلامية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، لكن شرح الجاسر ليوسف ياسين أن المطبوعة لم تكن اليمامة. وشرح لسموه ان امتناع هؤلاء العمال عن العمل سيربك العمل في المطبعة فما كان من سموه الكريم الا أن أمر الشيخ صالح العباد بالإيعاز الى القنصليات السعودية في كل دمشق وبيروت وعمان بمنح مطابع الرياض عشر تأشيرات عمال طباعة واحضارهم الى الرياض على حساب الدولة. من نتيجة ذاك الاجتماع الودي سافر الجاسر لمقابلة عمال الطباعة واختيار المناسب منهم وبينما هو في بيروت وصلت إليه نصيحة من محب بأنه ينبغي له ان يبقى خارج المملكة فقد نُزعت اليمامة منه وصدر أمر بحبسه وفرض الإقامة الجبرية عليه بعد مرور فترة سجن في قريته البرود. بقي الشيخ في بيروت حتى عام ١٣٨٤ هـ (١٩٦٤م) (6) عندما تولى الملك فيصل رحمه الله الحكم. هذه بعض المصاعب والمنغصات التي واجهت الشيخ في حياته مع ”اليمامة“ ويجدر بنا أن نقول هنا أن هذه التحديات لم تبدأ مع اليمامة ولم تنتهِ بإيقافها أو مصادرتها. بل إن ما مر به الشيخ ينبغي أن يكون مصدر إلهام لشباب الأجيال القادمة، فقد كان، رحمه الله، ينهض بعد كل عثرة بعزيمة أقوى وإرادة أصلب مما كان عليه من قبل فبعد تجربة اليمامة أسس بعد عودته من بيروت وصدور نظام المؤسسات الصحفية، أسس مع عدد من رفاقه مؤسسة اليمامة الصحفية وأصدر من خلالها صحيفة اليمامة الاسبوعية وجريدة الرياض اليومية. ثم غادرها بعد قرابة عامين نتيجة ما واجه من صعوبات ونكران الجميل من البعض ، ليؤسس مجلة ”العرب“ العلمية البحثية في شهر رجب ١٣٨٦ هـ (اكتوبر ١٩٦٦) ومازالت تصدر بعد أكثر من ست وعشرين عاما من وفاة الشيخ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. ورغم الألم الذي كان يشعر به الوالد لمصادرة اليمامة منه إلا أنه كان يؤمن بالتسامح كقيمة عليا، فها هو في لقاء مرئي مع الأستاذ محمد رضا نصرالله يقول: “إن صحافة المؤسسات اليوم أقوى بكثير من صحافة الأفراد، ليس بفضل نظام المؤسسات وحده، بل بسبب التطور الشامل في البلاد. هناك شباب متميزون يتفوقون بأعمالهم على جيلنا السابق. لكننا نطمح لصحافة أقوى وأكثر تخصصاً؛ لا نريد خمس أو ست صحف يومية متشابهة كأنها نسخة واحدة، بل نحتاج صحافة متخصصة للمرأة، وللرياضة، وللبحث العلمي”. (٧). المصادر: ١- مجلة اليمامة العدد ٦٦، في ٣ رجب ١٣٧٦هـ ٣ فبراير ١٩٥٧م. ٢- خطاب خاص من الشيخ حمد للشيخ عبدالله الخيال (٢٠رمضان ١٣٧٣ هـ ٢٢ مايو ١٩٥٤م). ٣- حمد الجاسر: (١٤٢٧هـ ٢٠٠٦م): من سوانح الذكريات الجزء الثاني (ص ٩٩٤) ٤- عبدالعزيز بن سلمة: (١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م): حمد الجاسر و مسيرة الصحافة والطباعة والنشر في مدينة ال11رياض (من ١٣٧٢ إلى ١٣٨١هـ ـ١٩٥٢ إلى ١٩٦٢م) (ص ٢٠٧). ٥- سعيد عبدالله كردي (١٣٧٩ هـ ): مجلة اليمامة عدد ١٩٩ الصفحة ١. ٦ـ حمد الجاسر (١٤٢٧هـ ٢٠٠٦م): من سوانح الذكريات الجزء الثاني (ص ٩٥٩-٩٦٧ 7ــ برنامج الكلمة تدق ساعة- عام ١٩٧٩م.