صدورها جلب المطابع إلى الرياض ومهّد الطريق لانطلاق صحف العاصمة..
الشيخ حمد الجاسر يروي قصة تأسيس «اليمامة».
في هذا المقال التوثيقي، يستعيد مؤسس مجلة اليمامة الشيخ حمد الجاسر تفاصيل البدايات الأولى للصحافة في مدينة الرياض، من خلال تجربته الشخصية في تأسيس مجلة «اليمامة» عام 1372هـ، التي كانت أول مطبوعة تصدر من العاصمة. ويروي الشيخ الجاسر قصة الفكرة منذ ولادتها، والمساعي التي بذلها للحصول على الترخيص، والعقبات التي واجهها في الطباعة والتوزيع، مستعرضًا أسماء الرواد الذين أسهموا في هذا المشروع الثقافي المبكر. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها توثق مرحلة مفصلية في تاريخ الصحافة السعودية؛ إذ أسهم صدور «اليمامة» في فتح الباب أمام نشوء صحف ومجلات أخرى في الرياض. كما تكشف عن الدور الذي اضطلعت به المجلة بوصفها منبرًا ثقافيًا جمع نخبة من المثقفين والكتّاب السعوديين في وقت كانت فيه الصحافة الوطنية لا تزال تخطو خطواتها الأولى. وهنا مقتطفات من مقال الشيخ الجاسر الذي نشره في مجلة العرب ( محرم، صفر 1403) تحت عنوان « نشأة الصحافة في مدينة الرياض»: -كانت فكرة إنشاء صحيفة في مدينة الرياض تشغل ذهني ، منذ أنْ حللتُ هذه المدينة ، وأدركت من خلال زيارتي لكثير من الأقاليم لفتح بعض المدارس المستوى الفكريَّ بين السكان ، مما كان من أثره النفور من انتشار التعليم الحديث ، وكنت — ولا أزال — أرى أنَّ من أسباب قوة الوعي في أيِّ شعب من الشعوب إنتشار الصحافة بين أفراده ، مها كانت منزلتهم من الأُمية (…) -في شهر ربيع الثاني من سنة ١٣٧٢ هـ تقدمت لسعود - رحمه اللّه- بطلب إصدار صحيفة يومية في الرياض ، على أن تصدر شهرية فأسبوعية في أول الأمر ، حتى تتهيأ الوسائل لإصدارها يومية ، وبعد اجتماع طويل معه في اليوم الثالث عشر من ذلك الشهر لم أخرج إلا وأنا أحمل نسختي كتابين أحدهما هذا نصّه : بسم اللّه الرحمن الرحيم الرقم : ٧١٨٣ التاريخ : ١٣٧٢/٤/١٣ هـ ديوان ولي العهد من سعود بن عبد العزيز إلى المكرم عبداللّه السلمان، سلمه اللّه السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . لقد طلب منا الشيخ حمد الجاسر السماح له بإصدار صحيفة في الرياض باسم (الرياض) فوافقنا على ذالك . فأنتم إن شاء اللّه تعاملون الصحيفة فيما يرد لها من ورق وخلافه . كما تعاملون الجرائد والمجلات الداخلية ، وسيرد لها مطبعة فأنتم أعفوها من الرسوم ، والسلام . التوقيع (سعود ) والكتاب الثاني موجه لوزير الداخلية الأمير عبدالله الفيصل بهذا المضمون . وكان أمر إجازة إصدار الصحف منوطاً بوزارة الخارجية ، وفيها فرع يعرف باسم (قلم المطبوعات ) وكان نظام المطبوعات يقضي - بعد الموافقة السامية على منح الرخصة بإصدار أية صحيفة — بتقديم كفيلين : كفالة غرامة ، وكفالة إحضار لمَن يسمح له بإصدار صحيفة .. ولقد تعثَّر الأمر بالنسبة لي ، وكنت في جدة لمتابعة الموضوع ، فزرت الشيخ محمد بن علي البيز — رحمه اللّه _ وكان من أساتذتي حين كنت طالباً في المعهد السعودي بمكة ، فجرى الحديث في مجلسه عما تم في أمر إصدار الصحيفة ، فذكرت ما اعترض سيري فقال أخوه الشيخ أحمد - رحمه اللّه : أنا مستعد لكفالتك كفالة غرامة ، وكان من بين الحاضرين الشيخ عبد العزيز الحمد العبدلي من سراة أهل عنيزة فقال : وأنا أكفلك كفالة إحضار ، ثم ذهبا معي إلى وزارة الخارجية فتم كل شيء ، وخرجت بالرخصة التي تقضي بالسماح لي بإصدار صحيفة يومية باسم جريدة (الرياض) تصدر موقتةً مجلةً شهرية . وكان من أثر عملي في المعهد صلتي بالمشائخ وبالمدرسين من العلماء ، وكانت صلتي بطلبة البعثة في القاهرة قوية ، ومنهم من كان على وشك إكمال الدراسة الجامعية . لقد تهيأت الوسائل لإصدار الصحيفة سوى عقبة من السهل اجتيازها وهي (الطباعة) وما المانع من اغتنام الفرصة وطبعها خارج البلاد بعد أن يئست من إمكان طبعها في مطابع المملكة وهي خمس. أقواها مطبعة أم القرى مخصصة لطباعة الجريدة الرسمية ، وأوراق الدواوين..، ثم المطبعة السعودية بمكة ، وعنها تصدر جريدة البلاد السعودية ، وهي أقوى مطبعة خاصة في ذالك العهد ، أما المطبعة الماجدية بمكة . فكانت معطلة ، وفي المدينة مطبعة صغيرة ومثلها في جدة . لقد جمعت بعض مواد العدد الأول للمجلة ، وسارعت بالسفر إلى القاهرة فوجدتُّ ممّن لي بهم صلة من طلاب البعثة من الاهتمام بالموضوع ، والمشاركة فيه ما مكنني خلال وقت قصير من إعداد العدد الأول من المجلة ، وطبعه في (مطابع دار الكتاب العربي) وكان ذالك العدد يحوي : ١- يا صديقي القارىء وهي كلمة (أسرة التحرير) خلاصتها (سترى في هذه الصحيفة الجامعة صورة مصغرة لنا - بما فينا من محاسن ومساوىء ، ولسنا ممّن يقول : اقبل المحاسن ، وتجاوز عن المساوىء إذْ تجاوزك إقرارٌ لها ، وإبقاءُ عليها ، وهذا ما لا نرضاه لك ، ولا ترضاه لنفسك ) . ٢ - ثم فاتحة المجلة بعنوان : (هذه الصحيفة يد بيضاء لسمو ولي العهد المحبوب ) جاء فيها : (وأمة تتولى أمورها هذه الحكومة التي يتبوأ عرشها ملك عادل مصلح ، ويدير دَفَّة توجيهها نحو كل خير ومجد وسؤدد ، وليُّ عهد تربَّع في سويداء القلوب ، قبل أن يتربع فوق دست الحكم - هي جديرة بأن تدرك ما تصبو إليه من عزِّ ورفعة ، وحَرِيَّةٌ بأن تصل إلى ما تسعى نحوه من خير وصلاح إن شاء اللّه ) ثم تعبير عن نظرة ولي العهد إلى (ما للصحافة في عهدنا الحاضر من عظيم الأثر ، في نشر الآراء النافعة ، وتوجيه الأفكار ، وإنارة الشعور العام ، ورآى هذه المدينة العظيمة بماضيها الزاهي المجيد ، وحاضرها المبارك السعيد مدينة (الرياض) التي بلغت من الإزدهار والنشاط العمراني ما لم يسبق له مثيل في ماضيها ، وقل أن يوجد له نظير بين لداتها — أحوج ما تكون إلى صحيفة ) الخ .. ٣ - ثم مقالات دينية للشيخ عبد العزيز بن باز ، والشيخ عبدالله الخياط ، والأستاذ خليل الهراس . فمقطوعات شعرية قديمة وحديثة ، فدراسة أدبية ، فنقد كتابي «تهذيب الصحاح» و«طبقات فحول الشعراء)) فبحث لغوي ، فوصف كتاب مخطوط ، فبحث طبيٌّ ، والخاتمة صفحتان بعنوان : (من أنباء الحركة الثقافية ) عن شؤون التعليم ، وحركة النشر والتأليف والمكتبات . ومن كتاب هذا العدد: حمد الجاسر وناصر المنقور ويوسف الحميدان وعبد الرحمن المنصور وحارث الراوي. وصفحات العدد ٤٤ بالغلاف . وعلى الصفحة الأولى من الغلاف التاريخ ( ذو الحجة سنة ١٣٧٢ هـ - أغسطس سنة ١٩٥٣م) ثم البيانات التي توضع عادة عن اسم الصحيفة ورقم العدد . وفي الصفحة الأخيرة إعلان عن (مكتبة العرب ) وهي مكتبة أنشأتها لبيع الكتب ، وللقيام بالنشر، والتوزيع ، وكانت من أولى المكتبات التي أنشئت في مدينة الرياض لبيع الكتب الحديثة . مشكلة الطباعة -منذ أن فكرت في أمر إصدار صحيفة ، وأنا مَعْنِيٌّ بإعداد العدة لإيجاد مطبعة ، وقد جمعت لهذا الغرض من طلاب المعهد ومدرسيه ومن بعض الإخوان مبلغاً من المال بلغ خمس مئة ألف ريال موزعة على (٥٠٠) سهم كل سهم مئة ريال - أَسْهَمَ في دفعها واحد وثلاث مئة (٣٠١) ، منهم ذو السهم الواحد ، ومنهم ذو الخمس مئة سهم ، ومن هذا المبلغ تَمَّ شراء أرض ثم بناؤها لتكون مقراً للمطبعة التي طلبت آلاتها من خارج البلاد ، ويتطلب وصولها وتركيبها وتشغيلها زمناً . لا داعي للإفاضة في الحديث عن أول مطابع أنشئت في مدينة الرياض ، وكانت يوماً من الأيام تقوم بطبع سبع صحف ، وهي الآن في دور الاحتضار بعد أن تطورت إلى شركة ، أسهم فيها بعض سراة هذه البلاد وأعيانها . توسلت بالشيخ محمد سرور للمساعدة في طبع (اليمامة) بالأجرة في مطابع البلاد السعودية في مكة فَتَمَّ ذالك اعتباراً من العدد الثالث، وكان الأستاذ الشيخ عبد الله بن خميس يقيم في مكة للدراسة فتولى الإشراف على الطبع هناك ، غير أن الأمر لم يستقم طويلاً بسبب تأخر الطبع فيتأخر صدور العدد عن وقته ، فنشر في فاتحة العدد السادس كلمة قال فيها : (فررنا من المطابع المصرية لسببين : ١- كثرة الأغلاط المطبعية وهي نتيجة حتمية تفرضها بحوث المجلة وتحقيقاتها الغريبة على المصححين هناك ! ٢-هوة البعد السحيقة بين محرري المجلة ، وبين المطبعة ممّا يسبب تأخر المراسلات ، والوقوع في الإرتباك .. ولأجل هذا اخترنا (مطابع البلاد السعودية ) لتكون الفائدة مزدوجة ، فانعكست القضية وجاءت _ الخسارة بالنسبة إلينا — مزدوجة !! ) أَثار هذا القول غضب مدير المطابع ، ولعله لم يكن مرتاحاً من أول الأمر ، فأعاد مَوادَّ الجزء السابع إلى الأستاذ ابن خميس ، ولم تُجْدِ الوسائل فكان لا بُدَّ من طبع المجلة خارج البلاد، بعد الاتصال بمؤسسة الطباعة والصحافة والنشر التي أنشئت حديثاً في مدينة جدة ، والتوسط بأسرة آل الجفالي غير أن الجزء الذي قدم لهذه المؤسسة للطبع (نام) ولم يتم طبعه ، حتى انتهى شهره ، وشهران بعده كان عدداهما قد طبعا في بيروت ووزعا على المشتركين . ولم تنته مشكلة الطبع حتى قطعت المجلة في سيرها عامين ، أصدرت في عامها الأول اثُنَيْ عشر جزءاً بلغت صفحاتها (٥٩٧) صفحة كل جزء (٤٤) صفحة سوى الجزء الأخير ، وهو خاص عن البادية فصفحاته (٧٠) والجزء السابع (٥٢) لأنه أصغر من الحجم المعتاد لبقية الأجزاء ، وصدر عدد خاص عن تأبين الإمام عبد العزيز — رحمه اللّه تعالى - حين توفي في يوم الإثنين ٢ ربيع الأول سنة ١٣٧٣ ه الموافق ، ٩ نوفبر سنة ١٩٥٣ م ). ومن السنة الثانية صدر إحدى عشر جزءاً في (٣٩٢ صفحة) إذ تمَّ إنشاء ( مطابع الرياض) وأصبحت قادرة على إخراج الصحيفة بشكل آخر . وحين يستعرض القارىء تلك الأجزاء التي صدرت من اليمامة يجدها سجلاً حافلاً بأسماء كثير من مثقني هذه البلاد الذين أسهموا في إنماء الحركة الأدبية ، وأصبح كثير منهم يتولون في الدولة رفيع المناصب من وزارة وغيرها . وليس من المبالغة القول أن صفحات تلك المجلة على ضعفها. وتعثر سيرها كانت ملتقى فكرياً لا لأولئك الكتّاب وحدهم بل كان يشاركهم آخرون من كتّاب البلاد العربية ، ولكن بقلة . وقد يؤخذ على هذه الصحيفة أنها ليست متميزة المنهج ، فما ينشر فيها من الأبحاث يتناول مختلف جوانب الحياة العامة ، من دين وأدب وتاريخ واجتماع واقتصاد ، ولكنه في كل ذالك لا يبعد عن مستوى فهم مُنْشىء المجلة للغاية من الصحافة إنها -كما يرى- وسيلة إصلاح وتقويم للإنسان في مختلف شؤونه . اليمامة جريدة وفي يوم الأحد غرة شهر صفر سنة ١٣٧٥ _ تحولت اليمامة الصحيفة الشهرية إلى جريدة يومية ، فتغلغلتْ في معترك الحياة العامة ، وبذالك نالت نصيبها من المتاعب(…)