هل يمكنك أن تكون فناناً وحراً؟

السماء مليئة بالنجوم التي تتشابه في لمعانها، لكن دائماً هناك نجم مختلف تماماً؛ نجم لا يستمد ضوءه من انعكاس الآخرين عليه، بل من ناره الداخلية. هذا هو الفنان الحقيقي، الذي يدرك أن ثمن نجوميته الأبدية يكمن في كلمة واحدة: الحرية. قد يمهد له الناس الطريق، لكنهم لا يملكون منحه العبور إلى الخلود إلا عندما يقرر هو أن يطير بجناحيه، وينطق بصوته الخاص. ولعل هذا المعنى هو ما استعدتُه في ليلة هادئة، حين انبعثت الأصوات من دور السينما وسط حركة الداخلين والخارجين، المسكونين بذكرى “مايكل” الذي ما زال يحرّك الجماهير بأعداد هائلة. ثمة يقينٌ عبرني في تلك اللحظة؛ أن الجمهور الدائم هو ثمرة إخلاص الفنان لرسالته؛ هذا الإخلاص الذي يجعل غريباً في قارة أخرى يبكي لبكائك أو يضحك معك. فالفن قادر دائماً على أن يعلمنا كيف نلاحظ، وأن النجم، لكي يسطع، عليه ألا يدع المحيطين به يضعونه في إطار مصالحهم الشخصية. إن النجاح قد يتحول أحياناً إلى قفص من التوقعات، أو حصار من السيطرة والوصاية التي تحاول تأطيره، حتى وإن كانت مدفوعة بهاجس الحماية. يحدث ذلك حين يقول أحدهم لموهوب: “مارس هوايتك، ولكن بطريقتنا، وفي هذا المكان المرسوم”. والحقيقة هي أننا عندما نملي على المبدع طريقة تأمله ونتاجه، فنحن في الواقع نلغي وجوده. والنجاة تبدأ حين يُحاط الفنان بمن يفتح له الأبواب ويدعوه للتحليق، ليفتح ذراعيه ويتصل بذاته. وبعد قراءةٍ في سير أساطير غادروا عالمنا، يتجلى بوضوح كيف أن السعي خلف المثالية قد يقلل من ثقة الفنان في عيني نفسه؛ ليصبح خائفاً على صورته التي أحبها الناس، مرعوباً من اللحظة التي قد ينطفئ فيها ضياؤه. هذا الخوف هو القيد الأكبر الذي يصنعه المبدع لنفسه، بعد أن ينسى في غمرة القلق أن البشر يحبون في الفنان إنسانيته، وضعفه، ورحلة تطوره. إن التحرر من ضريبة النجومية يبدأ حين ندرك أن التحول هو طبيعة الحياة، وأننا لسنا مطالبين بالتوهج الدائم؛ فطبيعة الكون هي المد والجزر، والنجم الذي لا يقبل بالخسوف المؤقت يحترق وينتهي. لذا يظل مسعانا الأجمل فنانين كنا أو بشراً عاديين ألا نفقد أنفسنا في الركض خلف الكمال المطلق، وإن طمأنينة النفس هي الملاذ الأسمى، و الحرية التي لا تفنى.