في باب العطف على الضمير المتّصل الواقع في محلّ جرّ بحرف الجرّ استشهد الحسن بن محمّد الأستراباذيّ (ت715هـ) بالآية الكريمة بقراءة حمزةَ: {تساءلون به والأرحامِ} بجرّ (الأرحام)، وقال معلّقًا: “القراءة مردودة، وأجمعوا على أنّها غير صحيحة، والصحيح النصب على حذف المضاف أي: واتّقوا الله الذي تساءلون به وقطعَ الأرحام”(1) قد يتعجّب بعض من يقرأ هذه المقالة، ويتساءل ما الجديد فيها فبعض النحويّين المتقدّمين اشتهر بردّ بعض القراءات القرآنيّة، ومنها هذه القراءة؟ وأجيب أنّ سبب الكتابة في هذا الموضوع هو أنّ من ردّها هو نحويّ متأخّر من نحويّي أواخر القرن السابع، وبدايات القرن الثامن الهجريّين أي بعد انتهاء عصر التقعيد النحويّ عند كثير من النحويّين. ولعلّ من المهمّ أن نبدأ بتوثيق القراءة، ونسبتها إلى حمزة الزيّات؛ لنعرف أنّها قراءة سبعيّة مقبولة، وليست مردودة كما زعم الحسن الأستراباذيّ، قال الدانيّ (ت444هـ) في كتابه المسمّى بمفردة حمزة بن حبيب الزيّات، وهو يسرد قراءات حمزة في سورة النساء: “والأرحامِ بخفض الميم على القسم، والتقدير: وربّ الأرحام كما قال: {والعصر} {والفجر} {والتين}، وشبهه ممّا أقسم به من المخلوقات. وكذا روّينا عن إبراهيم النخعي، ومجاهد، والحسن، وغيرهم: أنّهم كانوا يقولون: كقولك: أسألُك بالله والرحمِ. ويجوز الخفض عند الكوفيّين بالعطف على المضمر، وأنشد فارس بن أحمد شاهدًا لذلك: فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيّامِ من عجب بخفض الميم من (الأيّام) بالعطف على الكاف التي هي في موضع خفض بباء الجرّ نظير ما في الآية سواء”(2) فهي قراءة سبعيّة قرأ بها حمزة، وهو أحد القرّاء السبعة، وقرأ بها غيرُه، أمّا قول الداني: بخفض الميم على القسم فإنّه صحيح على أنّه أسلوب قسم، ولكنّه فيه تجوّز من حيث الصناعةُ النحويّةُ؛ لأنّ الأرحام مضافة إلى كلمة ربّ المحذوفة، فهي مجرورة بالإضافة، وليس بحرف القسم كما نظّر الداني بقوله: والعصر، والفجر، والتين. ولي وقفة مع هذا الرأي الذي قال به الحسن الأسترباذيّ في ردّ هذه القراءة السبعيّة المتواترة. قوله: القراءة مردودة، وأجمعوا على أنّها غير صحيحة! والسؤال: مردودة عند مَن أعند بعض قرّاء القرآن الكريم أم عند بعض النحويّين؟ أمّا القرّاء فصنّفوا هذه القراءة ضمن القراءات السبع المتواترة، وقد قرأ بها جماعة منهم: “حمزة، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والمطوعيّ، ومجاهد، والحسن البصري، وابن عبّاس، وأبو رزين، ويحيى بن وثّاب، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وابن مسعود، والأصفهانيّ، والحلبيّ عن عبد الوارث، وأبان بن تغلب، وأبو إياس هارون بن على بن حمزة الكوفي”(3). أمّا قوله أجمعوا على أنّها غير صحيحة فمَنِ المُجمِعون؟ أهم قرأة القرآن الكريم أم هم النحويّون؟ لعلّ الإجابة عن هذا السؤال واضحة في تصنيف القراءة ضمن قراءة أحد القراء السبعة التي يوثق بقراءتهم، وتنسب إلى حمزة الزيّات، أمّا النحويّون فلم يعهد عنهم -بحسب اطّلاعي- إجماع ينفي صحّة هذه القراءة السبعيّة بل إنّ الاحتجاج بها يعضد بعض الشواهد الشعريّة التي تثبت صحّة العطف على الضمير المتّصل الواقع في محلّ جرّ دون إعادة حرف الجرّ. أمّا بعضُ نحويّي البصرة فقد تجرأوا على تخطئة هذه القراءة، وغيرها، فقد قال عبد اللطيف الخطيب: “زعم البصريّون جميعًا أنّه لحن، وأوّل من شنّع على حمزة هذه القراءة المبرّدُ حتّى قال: لا تحلّ القراءة بها، وتبعه على ذلك جماعة منهم ابن عطيّة”(4)، فبعض نحويّي البصرة كانوا يردّون قراءة حمزة (والأرحامِ)؛ لأجل الحفاظ على اطّراد قواعدهم النحويّة! ولعلّ في عبارة عبد اللطيف الخطيب تجوُّزًا في قوله: (زعم البصريّون جميعًا) فلا يمكن أن يُنْقَلَ الإجماع عن البصريّين كلّهم بهذا الإطلاق، فالجرأة على تخطئة القراءات القرآنيّة نقلت عن بعضهم، وليس كلّهم. ومن يجرؤ أن يردّ قراءةً سبعيّةً متواترة من أجل مخالفتها لرأي بعض نحويّي البصرة؟ وتوجيه قراءة “والأرحام بالخفض على أنّه معطوف على الهاء في (به) أو على أنّه مجرور بباء مقدّرة، أو بالقسم”(5)، و”قرأ جمهور السبعة ما عدا حمزة وأبا جعفر ويعقوب والأرحامَ بنصب الميم، وهو معطوف على اسم الله تعالى، والتقدير: اتّقوا اللهَ واتّقوا الأرحامَ أن تقطعوها”(6). ثمّ إنّ بعض المتقدمين من النحويّن قد ردّوا هذه القراءة من باب التحرُّج الدينيّ قال الزجّاج (ت311هـ): “القراءة الجيّدة نصب الأرحام المعنى: واتّقوا الأرحام أن تقطعوها، فأمّا الجرّ في الأرحام فخطأ في العربيّة لا يجوز إلّا في اضطرار الشعر، وخطأ أيضًا في أمر الدين عظيم؛ لأنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: لا تحلفوا بآبائكم، فكيف يكون تساءلون به وبالرحم على هذا؟ رأيت أبا إسحاق إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أنّ الحلف بغير الله أمر عظيم، وأنّ ذلك خاصّ لله -عزّ وجلّ- على ما أتت به الرواية، فأمّا العربيّة فإجماع النحويّين أنّه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الجرّ إلّا بإظهار الجارّ، يستقبح النحويّون مررت به وزيدٍ، وبك وزيدٍ إلّا مع إظهار الخافض حتّى يقولوا بك وبزيد، فقال بعضهم: لأنّ المخفوض حرف متّصل غير منفصل فكأنّه التنوين في الاسم فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه”(7). والسؤال كيف جاء التحرّج في تخريج بعض النحويّين لجرّ (الأرحامِ) بعدّ الواو حرفَ عطفٍ، ولم يجئ التحرّج الدينيّ عند من عدّ الواو حرفَ قسمٍ، وهي صريحة في الحلف بغير الله؟ وقال السيوطيّ (ت911هـ): “كان قوم من النحاة المتقدّمين يعيبون على عاصم وحمزة وابن عامر قراءات بعيدة في العربيّة، وينسبونهم إلى اللحن، وهم مخطئون في ذلك فإنّ قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربيّة”(8). ونخلص من ذلك إلى أنّ قراءة حمزة الزيّات بجرّ (الأرحامِ) قراءة سبعيّة مقبولة عند علماء القراءات، وعند كثير من النحويّين الذين يحترمون السماع عن القرّاء السبعة، والعشرة، وغيرهم. والنحويّون أيضًا يقبلون الاحتجاج بالقراءات الشاذّة فضلًا عن القراءات المتواترة قال السيوطيّ: “أمّا القرآن فكلّ ما ورد أنّه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربيّة سواء كان متواترًا أو آحادًا أم شاذًّا”(9). والحسن بن محمّد الأستراباذيّ المتوفّى في القرن الثامن (ت715هـ) كان متأخّرًا عن زمن ابن مالك (672هـ)، ومن ناصره ممّن جوّزوا الاحتجاج بهذه القراءة، وغيرها في علوم العربيّة، وإن منعه الأكثرون(10)، والمقصود أنّ الحسن الأستراباذيّ عاش في زمن المحقّقين من متأخّري النحويّين الذين كانوا يقبلون الاحتجاج بجميع القراءات القرآنيّة، فهذا الموقف منه مستغربٌ، ولا مسوّغَ له. الحواشي: •البسيط في شرح الكافية، الحسن بن محمّد بن شرف شاه الأستراباذيّ، تحقيق: حازم سليمان الحلّيّ، المكتبة الأدبيّة المختصّة، الطبعة الأولى، 1427هـ، جـ1، ص729. •مفردة حمزة بن حبيب الزيّات الكوفيّ، أبو عمر الداني، تحقيق: حاتم الضامن، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1432هـ، الرياض، المملكة العربيّة السعوديّة، ص80، ص81. •معجم القراءات، عبد اللطيف الخطيب، دار سعد الدين، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1422هـ/ 2002م، جـ2، ص6. •معجم القراءات، عبد اللطيف الخطيب، جـ2، ص6. •معجم القراءات، عبد اللطيف الخطيب، جـ2، ص6. •معجم القراءات، عبد اللطيف الخطيب، جـ2، ص5. •معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق الزجّاج، تحقيق: عبد الجليل شلبي، عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408/ 1988، جـ2، ص6. •الاقتراح في علم أصول النحو، جلال الدين السيوطيّ، تحقيق: محمود سليمان ياقوت، دار المعرفة الجامعيّة، القاهرة مصر، د.ط، 1426/ 2006، ص79، ص80. •الاقتراح في علم أصول النحو، جلال الدين السيوطيّ، ص75. •انظر الاقتراح في علم أصول النحو، جلال الدين السيوطيّ، ص80.