الجميل الباقي .!

ليست كل الأيادي التي تمتد للناس سواء، فبعضها يمنحك شيئاً ينتهي أثره بانتهاء الحاجة، وبعضها يضع في طريقك ما يبقى معك طوال العمر. وبين النوعين فرق لا تقيسه الأرقام، بل تقيسه التحولات التي تصنعها المواقف في حياة الإنسان. في مجتمعاتنا، يكثر الخلط بين المعروف والمعاملة، حتى أصبح بعض الناس يظن أن كل ما يقدمه للآخرين يدخل في باب الإحسان، ولو كان سيعود إليه بعد حين. فتراه يقرض مالاً مسترداً، أو يقدم شيئاً ينتظر مقابله، ثم يتحدث عنه طويلاً وكأنه صنع معروفاً استثنائياً، بينما يغفل عن أشخاص قدّموا له ما هو أعظم أثراً وأبقى حضوراً دون أن يطلبوا ثمناً أو يشعروه بمنة. فالمال ـ على أهميته ـ يبقى في كثير من الأحيان وسيلة مؤقتة تعالج ظرفاً عابراً، أما الجميل المعنوي فقد يصنع إنساناً جديداً بالكامل. كلمة ثقة في وقت الانكسار، أو تزكية فتحت باب رزق، أو موقف دعم في لحظة تعثر، أو تعريف بشخص كان سبباً بعد الله في نجاح مشروع أو وظيفة أو مستقبل كامل، هذه الأشياء لا تسترد كما تسترد الأموال، ولا تنتهي بانتهاء التاريخ المكتوب على الورقة أو التحويل البنكي. ولذلك فإن بعض الناس يعيش سنوات طويلة على أثر موقف معنوي واحد غيّر مجرى حياته، بينما ينسى مبالغ مالية كثيرة مرت به ثم انتهت بانتهاء حاجتها. فالفرق بين من يعطيك مالاً تسترده الأيام، ومن يمنحك أثراً يبقى فيك، يشبه الفرق بين من يعبر بك طريقاً قصيراً ثم يرحل، ومن يفتح لك طريق العمر كله. ولعل المشكلة ليست في المال نفسه، فالإقراض الحسن خلق نبيل حين يقصد به التيسير وابتغاء الأجر، وإنما الإشكال في تضخم شعور المنّة عند بعض الناس، حتى يتحول القرض المسترد إلى قصة تُروى، وكأن الطرف الآخر لم يُعد المال إلى المقرض بينما المعروف الحقيقي غالباً لا يتحدث أصحابه عنه، لأنهم يدركون أن قيمة الجميل لا تكون بكثرة التذكير به، بل بالأثر الذي يتركه بصمت. ومن المفارقات أن بعض الناس قد ينسى من وقف معه بجاهه وسمعته وعلاقاته حتى تجاوز أصعب مراحل حياته، لكنه يظل يتحدث بإجلال مبالغ فيه لمن أقرضه مبلغاً عاد إليه كما خرج. وكأن المعروف عند البعض أصبح يقاس بحجم الحركة المالية لا بحجم التحول الذي أحدثه الإنسان في حياة غيره. والحقيقة أن أجمل ما يقدمه الإنسان للناس ليس دائماً ما يخرج من جيبه، بل ما يخرج من مروءته. فهناك من يمنحك فرصة، أو يدفع عنك ظلماً، أو يفتح لك باباً مغلقاً، أو يحفظ مكانتك في غيابك، وهذه أشياء لا تُشترى ولا تقاس بالأرقام، لكنها تبقى في الذاكرة ما بقي العمر. ولهذا يبقى الجميل المعنوي هو الجميل الباقي، لأن المال مهما طال أثره ينتهي، أما المواقف النبيلة فتبقى حيّة في النفوس حتى بعد غياب أصحابها بسنوات طويلة.