ميس العثمان في روايتها الجديدة «اسمها الثاني حنجرة»..

المسقط الروحي لحكاية عائشة المرطة.

ميس العثمان تقترب ، تغوص ، تحاكي عائشة المرطة، تستنطقها، تطرح أسئلتها وأوجاعها، تغني معها، ولها تقول :( أبشري يا عيني جابوا لي خبر / في حبيب الروح باكر تفرحين / علموني عنه قالوا ماقدر / وإكشفت الأيام شوقه والحنين)، وتذكرها أنها ليست منسية كما تقول: هي ( منسية .. منسية .. ياعونة الله ولا لي عندكم طاري.. منسية .. منسية .. ولي الله هو اللي عالم وداري )، بالطبع هي لم تكن منسية يوم من الأيام لأن أغانيها تسمع ويطرب لها الكثيرون ولا تزال عائشة تُحيي أفراحهم إلى اليوم في أغنيتها الخالدة ( امبارك عرس لثنين .. ليلة ربيع وقمره.. وللي جمع بين قلبين .. الله يطول في عمره.) لكن ما لا يعرفه الكثير هي حكايتها، أوجاعها ، بدايتها ، بعد ثمانية وأربعون عاما تجد من ينصفها ويقول لنا من هي ص8: ( “عائشة “ الفريدة التي حوَّلَتْ وتحوَّلت، رفعَتْ العبء والعباءة في مجتمع يرى في “ الأنثى” قرينةً طبيعية للذنب. تٌولَدُ، فتسبقُ مُباركتَها سُبلُ تحصينها وطرقُ شِبه موحَّدة تجتهد لتجعلها “ لا مرئية”، حتى يُلقَى حِملُها منتقلا من الأب إلى الزوج وصولا إلى “ المقبرة” بشاهد دون اسم على الأغلب.) هذا مقطع من مقدمة رواية “ اسمها الثاني حنجرة “ الصادرة عن منشورات جدل 2025، حُنجرتها وهي هويتها، صوتها الذي يميزها عن غيرها، اثبات وجودها وأنها كائن موجود وليس ظلا لآخر، هي رواية نسوية تطرح قضياهن، تناقش ما تعرضنا له بالأمس واليوم، إذن هي سيرتها وسيرتهم، فقضاياها لم تكن تخصها وحدها، لكن لو لم تمشي الدرب رغم صعوبته، لكن الأمر أصعب عليهن، تحكي ميس القصة كاملة من الطفولة إلى المرض ومغادرة الدنيا وما بين تلك السنوات من صراعات وهم وأوجاع ، صراع مع المجتمع والزوج والمرض أخيراً، طفولة ابتدأت باليتم ومن ثم العمى، لكن العيش في ظل خال طيب وامرأة خال حنونة هون عليها، وربما ساعدها أكيد لتكون عائشة التي عرفناها، صوت النهام وأصوات بيئة الفنطاس وأوجاعها ساهما في تكوين تلك البحة الذهبية ، التي اختبرت في بادئ الأمر بقراءة القرآن، وتبرر ميس ذلك في ص17( إذ كان هو المقبول حينها، فبذكاء التلاوة ومقاماتها كانت محط قبول أوسع في ذاك المجتمع / هذا المجتمع !) ومع العودة ( عودة المهنا1899-1984) كانت بداية الإنطلاقة إذ اصطحبها خالها سالم وهي لا تزال في سن الثالثة عشر، لماذا تجيب ميس ص30 ( لقد كان هو الآخر بحاراً يشعله الحنين بلا هوادة، ونهاماً متفرداً بصوته، حافظاً للزهيريات، مردداً المواويل الأسيانة بالفقد والاشتياق والاحتراق، لذلك لعلّه أقدرُ الناس على تلمُّس وجع الترداد وارتجاف الكلمات والمعاني على حبالكِ الصوتية الطرية بالتجربة.)، لتنطلق مع العودة وسعاد وبنات العودة لتحيي أفراح ومواليد أهل الكويت وينطلق صوتها ويسمع ويطرب له، في هذه الأجواء تعرف راشد بوفتين على عائشة وهي بنت الخمسة عشر ربيعاً تضع العباءة على رأسها وتدور تحيي أفراح أهل الكويت مع العودة أُعجب بها وتزوجها ولكنه بعد فترة من زواجها رفض أن تغني مُجددا رغم حبُ لها واقتناعه بموهبتها ولكن “ ذلك المجتمع / هذا المجتمع” كما تقول ميس ص63 ( لعلهُ لم يكن غاضبا كما شعرت هي، ولكنه قد يكون من ملأ قلبَهُ بجروح لحوارات سابقة لم تسمعها بعد، وتَحيَّر بتفاصيلها كي لا يؤذيها؟ حتما لم يكن هو، بل النميمةُ تطرق الأبواب من الخلف.) في مجتمع لم تطرق الحداثة بابه بعد وهو في مُتصف 1950م لا بد للمرأة من رجل يقف معها ويدعمها فهو العكاز الذي تقف به وتعتمد عليه، لذلك كان التوقف حتمي إلى إن أتى الفرج زواج أمير البحرين عيسى بن حمد “ ملك البحرين “ وتعود عائشة للغناء مُجددا، وتقول: ميس ص90 ( هل كانت ترتيباتٍ إلاهيةً قدرية تتضافر فيما بينها لتُعيد تبديل المساقات نحو التوهُّج لعائشة ؟) نعم هي كذلك لتلتقي مع الملحن خالد الزايد ( 1943-2008) وتغني معه كما لم تغني من قبل بمصاحبة فرقة موسيقية أغنيتها الأولى “ حكم الهوى “ من كلمات الشاعر والممثل ماجد سلطان ( 1940-2014) على مسرح سينما الأندلس التي هدمت عام 1994م والكاتبة تنتقد الهدم ، في ص 124 لمن أراد الرجوع لرواية، مع الأسف لم يكن لتلك الموهبة الإستثنائية التي تملك حنجرة ذهبية تمرنة على أصعب حالات الغناء وأجادت فن السامري والخماري ونقازي وكانت ملكة غناء تلك الفنون ، إلا سنوات قليلة جداً ربما لا تتجاوز العشر، تخللها وأما الباقي من عمرها فكان صراع بين الإختفاء والعودة. القهر الذي عاشته وتعايشت معه عائشة كان سبب رئيسي ربما في مرضها، تعلق ميس على ذلك ص165 ( ربما لأنها في طفولتها - رغم العمى - كانت بصحة جيدة، لكن الروح مجرَّحة بعبورها للحياة المدببة بالكوابيس اللامنتهية..) . من يقرأ رواية “ اسمها الثاني حُنجرة” ويكون قريبا مثلي من ميس وعقيل، يتأكد له ودون أن يقرأ الإهداء الذي تقول : فيه ميس( إلى الرفيق المُحب؛ الذي أغواني بفكرة “ تُشبهني” منذ14عاما، وشهِدْتُ في عينيه لحظتهَا ثقته العالية بتحقيقي لها..) أن هذه الرواية أتت بعد حوار طويل وعميق وهادئ مع عقيل عيدان ، الذي كتب قبلها عن الشاعر الكويتي فهد العسكر، ( 1917-1951) “ معصية فهد العسكر “ الذي يقول في إحدى قصائده ( أنا إن متُّ أفيكم يا شاب / شاعرُ يرثي شبابَ العسكَرِ / بائساً مثلَي عضَّتهُ الذئاب/ فغدا من هّمهِ في سَقَرِ ) ويأتي بعد سبعون سنة من يرثيه بل ويعيده إلى الحياة بأزهى الألوان. أنتما تفكران وتحرثان وتزرعان معاً وتقطفان معاً وهي الحياة الحقيقية رجل وامرأة .