في ديوان « في الطريق إليَ » لضحى الهاشمي ..

الطريق إلى هموم الذات وانعطافاتها الوجدانية.

يمثل ديوان الشاعرة ضحى الهاشمي (في الطريق إليّ)، تجربة شعرية شابة، تعبر عن الشعور الإنساني بين الخيبة والألم في شكل شعري يلتزم بالإيقاع التقليدي، وتنجح في تجربة شكل شعري متحرر من القيود العمودية في نماذج معدودة في ديوانها الذي يضج بالشعر والألم. وتحدد اللغة ملامح التجربة الشعرية عند ضحى الهاشمي؛ وذلك بمكانتها الاجتماعية التي جعلت الشاعرة تشير إليها ثالثة بعد والديها في الإهداء، وقيمتها التعبيرية عن رؤيتها وكشفها عن وعيها بذاتها، حيث منحتها اللغة القدرة على تشكيل الصورة النفسية والكونية التي تفكر بها، كما ابتكرت لها الصياغة التي تعبر عن عميق شعورها وإحساسها، وصولًا إلى المستوى التي جارت به شعور الآخرين الذين يشاركونها الحدث الوجداني أو العاطفي النابع من ذاتها وعقلها وكل حواسها، فأصبح النص الشعري صورة موحية عن هذه التجربة. وتعريفًا بهذا الديوان فقد صدر عن جمعية الأدب المهنية ضمن مشروع أديب في نسخته الأولى في مسار الشعر الفصيح عام 1447ه، ويضم إحدى وأربعين قصيدة، تنوعت أشكالها الشعرية بين الشعر العمودي، والتفعيلة. ويقتضي الدخول إلى عالم الديوان الوقوف على عتباته لكشف دلالاتها، والتي تبدأ من الغلاف، وعلاقته بجانبين، هما: مشروع أديب: الذي رعته جمعية الأدب المهنية، حيث يأتي هذا الديوان ضمن مسار الشعر الفصيح في هذه المبادرة. نصوص الديوان: وهي القصائد التي تقود إشارات الغلاف إلى مضامينها، وعوالمها الخفية. وبالنظر إلى لوحة الغلاف فهي تنتمي إلى الفن التجريدي، وهو الأسلوب الذي لا يصور الواقع المرئي بدقة، ويعتمد على امتزاج الأشكال والألوان والخطوط وتداخلها، لتكوين مشاعر وأفكار تبتعد عن المحاكاة التقليدية للمكونات الواقعية، وقد تكون المزيج اللوني في هذه اللوحة من الألوان: الأصفر والأخضر والأرجواني والأبيض والتركواز بنسب متفاوتة، بعضها جاء في شكل خلفية كاملة وبعضها جاء في شكل خطوط أو كتل لونية. ويمكن أن تقرأ خصوصية الغلاف في تجربة ضحى الهاشمي وفق نمطها التعبيري، تبعًا لسمات هذا اللون من الفن التشكيلي في ابتعاده عن فكرة المحاكاة والتقليدية، وقبوله تعدد التأويلات، وانعكاس الصورة بحسب ذاتية التجربة، وعدم خضوعه لقواعد ثابتة، مما يفتح أبوابًا متعددة من القراءة الدلالية بحسب الألوان والأشكال والأحجام في هذه التجربة الشعرية الشبابية، فتصبح هذه الرموز إشارات إلى مضامين القصائد وملامحها المختلفة الخاصة بالشاعرة. ولعل في العنوان ما يلفت إلى الذاتية وما يشعر بذوبان المعاني الشعرية فيها، إذ يحيل عنوان الديوان (في الطريق إليّ) إلى الذات وسبل التعرف عليها؛ حيث استغلت الشاعرة توظيف دلالة هذا العنوان في الصيغ التي عنونت بها القصائد، مع ملاحظة أنه لا يوجد في الديوان قصيدة بهذا العنوان، لكن كل العناوين تشتغل على هذا المعنى في مشروع الطريق إليّ، لذا ركزت النصوص على ماهية الطريق وارتباطه بالذات وهمومها وانعطافاتها الوجدانية والعقبات التي تواجهها وهي دلالات تنطلق من العنوان الرئيس، نجد ذلك في مثل: قلبها في يدي، وصول، انعكاس، هلع، الضاد، ببابك، فيك أمضي، وكما هي علاقة عنوان الديوان بالقصائد في دلالاته على المعنى وعدم اقتناصه لفظيًا منه، تتراوح قصائد الديوان بين تسمية منبثقة لفظيًا من الديوان، مثل: (قضت نحبها قلبها في يدي)، أو دلاليًا مثل نص اعتزال، فالفكرة موجودة في النص دون اللفظ. ونقف في عتبة الإهداء على عبارة: “ إلى الخير والحسن أمي خيرية حجازي وأبي حسن الهاشمي (رحمه الله) ثم إلى اللغة والحب، فهما أيضًا لي أم وأب”، وهو ما يكشف عن انتظام العلاقة وانضباطها منذ الطفولة بين علاقة الأسرة، والعلاقة باللغة، حيث تحيل العبارة إلى مادة التكوين الأولى التي أسست فهمها الذي تجلت معالمه وبصماته في لغتها التعبيرية المتشحة بالعاطفة، وفي تعبيرها عن مناحي الانتماء التي لا تقف عند الأبوين بل تدفعها إلى إحياء آصرة الرحم اللغوي الذي يشكل تكوينها الروحي والثقافي والنفسي. وقارئ الديوان يجد نفسه أمام شكلين شعريين، هما: الأول: الشكل التقليدي التي التزمت فيه الشاعرة بشكل القصيدة العمودية المنتهية بقافية واحدة، وهي التي جاءت عليها جميع قصائد الديوان باستثناء أربع قصائد تفعيلة، وقصيدة واحدة مزدوجة القافية، وهي قصيدة تورط التي زاوجت فيها القافية بين النون والميم (٢)، ويلاحظ القارئ تكرار القوافي، وتكرار القاموس اللغوي، فقصيدة أغار تكرر مفردات قصيدة اعتراف الأولى رائية ساكنة والثانية مكسورة، وهما الروي الغالب على قوافي الديوان، إكمالًا لإشارات اليأس واللوعة والشجن. الثانية: الشكل التجريبي، وهو محدود، وتغير فيه شكل القصيدة من شكل القصيدة العمودية البيتية إلى قصيدة التفعيلة التي تجلت في أربع قصائد وهي: جرعة زائدة، بحري، أسرف، أحمق، وهو ما يرسم دلالة محاولة التجريب والتغيير. وتقترب لغة الديوان السلسة من المتلقي، فيما تنحو لغة قصائد التفعيلة إلى الترميز وتحفيز القارئ على البحث عن التأويل والحفر فيما وراء الكلمات. ويتبدى للمتأمل بعض الظواهر الأسلوبية الموحية بالإيقاعات الوجدانية، والمعبرة عن ذروة تأزم الذات، وذلك في استخدام ألفاظ السؤال وأساليب الاستفهام، وهو أسلوب تركز ظهوره في النصف الأول من الديوان، تقول: “أسائل طفلا غريقًا: أجبني بحق السماء أما زلت حي؟” . وتقول في موضع آخر: “إني أحبك كيف هُدّ جداري؟ . ويلاحظ غياب المخاطب بالاستفهام، كما يغيب المخاطب في الحوار كذلك، حيث تتحدث الشاعرة دون إشعار بهوية الطرف الآخر، فهي تقدم إجابات على أسئلة متخيلة، في مثل: “أجبتك لا ينبغي أن ألام فأنت انعتاقي الذي قد تقدّر” . هذا البيت يأتي رابعًا بعد ثلاثة أبيات، لا يكشف أحدها عن محاور آخر، أو ما يشعر بسؤال الشاعرة التي بادرت بهذه الإجابة الكاشفة عن استسلام لشعور الانعتاق بالوقع في أسر هذا الآخر، ومع غياب الطرف الثاني من أطراف الحوار نلحظ غزارة في استخدام صيغ الأمر، مثل: “خذ، ضم لملم طمئن”، و”ترفع رتل”، و”أفلت دع اضرب ارحل” . ويتمدد غياب الآخر حتى يشمل غياب العالم الخارجي ممثلًا في المجتمع بقضاياه، وغياب هوية المخاطب في أسلوب الاستفهام أو أسلوب الحوار، فالديوان حافل بالحوارات مع الآخر الذي لا يمكن تبيّن هويته، هذا التهميش للآخر يقابله حضور الذات الشاعرة بحيويتها واتقادها في النصف الأول من الديوان ثم ذبولها وانكسارها في الجزء الأخير منه، وهو حضور يتمثل في بعض القصائد باسم الشاعرة، مثل قولها: “عيناك ما عيناك ياقلب الضحى...” ، وقولها:” وتسكن في ضحى الأحلام” . كما يتبع غياب الآخر غياب الصوت الإنساني الجمعي، وذلك لانعزال الشاعر وتراجع دوره في المجتمع وانغلاقه على تجربته المنقطعة عن الزمان والمكان في عالم فردي منقطع عن التواصل ليس مع المجتمع بقضاياه بل حتى مع الآخر الذي يقاسمه التجربة الوجدانية، ليختفي العالم الإنساني الحميمي ويحضر عالم الشاعرة المكون من ذاتها ومشاعرها حيث تعيش في دائرتها الصغيرة منكفئة على نفسها، وعليه ستغيب التفاصيل الخارجية التي ترصدها عين الشاعرة الملاحظة للمفارقات والمتأملة في الكون، وستحضر حاستا السمع والرؤية ليس لملاحظة العالم الخارجية بل لملاحظة هذه الذات من خلال الآخر الذي لا يتجلى، وهذا ظاهر بشكل كبير في الديوان في المفردات من قبيل: أراه، أراك انعكاسًا، مخلوعة العينين، وصوتك مدركي، رأيتك يا صاحبي، وبصوت حازم، ومع غياب الآخر تحضر الذات الشاعرة في نظمها التجربة الحياتية الوجدانية ومحاولة الدخول إلى عالمها وفهم تفاصيلها كما لو كانت الشاعرة التي تكتب ذاتًا أخرى مع استخدام لغة بسيطة بعيدة عن التكثيف بعيدة عن الصور ففيها سرد للتفاصيل الحياتية. ويمكن أن يجسد هذا التحول المتتابع بين النمو والانحدار دورة شعورية تبدأ ممتلئة بروح الحياة التي تبعث الحيوية في الأشياء من حولها وتتسلل إلى الروح القارئة التي ينكشف لها ذلك الامتلاء في النصف الأول من الديوان والمكتنز بالأسئلة والحوارات، ثم ما يلبث الشعور في التأزم والتمزق والدخول في الصراع السائر نحو المجهول مع منتصف الديوان ليصل إلى الموت في نهاية الديوان، فالنصوص تحمل صيغة الموت الحقيقي والمجازي. يتضح مما سبق أن هذه التجربة تأتي في سياق التجارب الشبابية التي تتسارع وتيرتها نحو التجديد، وتتفاوت في سلمها الشعري بين الصعود والهبوط، لكنها لا تنقطع عن الإبداع والجرأة في طرق المضامين الحافلة بالصراعات الذاتية والمراوحة بين الإيقاع العمودي والتفعيلة والقدرة على لفت الأنظار بكلا الشكلين، مع عودة القصيدة العمودية برؤى مختلفة تؤكد صوت الشاعر ولغته الخاصة التي يسعى من خلالها إلى تقديم نصوص جديدة مدهشة وثرية، مع مراجعة تجربته والحرص على عدم تكرارها، لأن كل نص جديد لابد أن يعزز من حضور الشاعر، الذي يتأتى من الانفتاح على العالمين الخارجي والداخلي، والسيطرة على اللغة بهدف استغلال طاقاتها، و ايحاءاتها فالانشغال بالتأمل والإصغاء للتجارب الشعرية الناضجة يحرر القصيدة من نمطيتها ويمنح الشاعر فرصة لاقتناص الابتكارات الشعرية المدهشة. * أكاديمية وأديبة