مسافة عناق!

-١- نواة الحب الإيثار ونواة الحرب الأثرة، فأينما وُجِدَ الحب فثمة التضحية والعطاء والبذل وإنكار الذات، وأينما وجدت الحرب فثمة البحث عن السيادة والغلبة والاستئثار بالموارد والهيمنة على العالم. -٢- هذا هو الأصل الأخلاقي لكلّ من الحب والحرب، غير أنه بتشابك العلاقات وتداخل المصالح واختلاف سبل العيش يحدث تعالق بين هذه الأصول فينزع الحب أحيانا إلى الحرب وتنزع الحرب إلى الحب، مع امتزاج النزعة الفردية بالنزعة الجمعية، إذ يبدو الحب فرديا في أساسه في حين تبدو الحرب جمعيّة في منزعها؛ ولذلك تكثر الحروب كلما كثرت التكتلات الجماعية، سواء على مستوى الأفراد أو الدول. -٣- يقول الشاعر الحماسي:  ذكرتك والخطي يخطر بيننا وقد نهلت منّا المثقفة السمر بدأ البيت بفردية الحب”ذكرتك” ثم دخل في صيغة الجمع حين وصف الحرب: والخطي يخطر بيننا، وقد نهلت منّا. تلك هي فلسفة الحب في فرديته وإيثاره والحرب في جمعيتها وأثرتها، مما يعزز شمولية الحرب وخصوصية الحب. -٤- ينفي مصطفى الجوزو في دراسته ديوان عنترة البيتين الشهيرين من معلقته: ولقد ذكرتك والرماح نواهل منّي وبيض الهند تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسّم ويرى أنها منحولة أو مصنوعة في المعلقة، وهي ليست من شعر عنترة. وأرى أن بيت الحماسيّ ابن عطاء السندي وهو من شعراء الدولة الأموية قد يعزز صحة البيتين ونسبتهما في المعلقة من طريق ذاكرة الشعر وتوارد الشعراء، فما دام أن هذا المعنى- أو هذه الصورة التي تقرن بين الحب والحرب - قد خطر في ذهن الشاعر  الأمويّ كما يخطر الخطيّ فلا يبعد أن يخطر البيتان في مخيلة الشاعر العبسيّ. -٥- تبقى صورة لمعان السيوف ومقاربتها بثغر المحبوبة المتبسّم هي الأجمل والأكثر فرادة بصرف النظر عن نسبتها، فالنسبة هنا لا تمحو هذه الصورة من ذاكرة الشعر، وإن محتها من ذاكرة الديوان.