ماذا علينا أن نفعل؟

عندما تُصبح الجودة مُسمى يبتعد عن الفعل.

عندما نتحدث عن “الجودة” في عمل المُؤسسات تظهر أمامنا خمسة أهداف رئيسة مُتكاملة نود تحقيقها. أول هذه الأهداف هو “الفاعلية”، بمعنى تحقيق المُتطلبات المُستهدفة التي نتطلع إليها. وثاني هذه الأهداف هو تحقيق هذه الفاعلية “بكفاءة”، أي بأقل ما يُمكن من الجهد والتكاليف، حيث يرتبط ذلك بالقدرة على المُنافسة، وما أشدها في هذا العصر الذي نعيش فيه. أما ثالث الأهداف فهو “الرشاقة” بمعنى الاستجابة للمُتغيرات دون تأخير، وما أكثر هذه المُتغيرات أيضاً في هذا العصر وتأثيرها في المُنافسة. ويأتي الهدف الرابع ليهتم بشؤون التعامل مع “المخاطر” والسعي إلى تجنبها والحماية منها، وتأمين بيئة آمنة للعمل يُؤدي كُل فرد عامل فيها واجبه بالشكل المأمول. ثُم يبرز الهدف الخامس بعد ذلك ليُؤكد على “الاستدامة” في تحقيق الأهداف الأربعة وتقديم “قيمة” تتمتع بسمعة متميزة تحظى ليس بالنجاح فقط، بل باستمرار هذا النجاح أيضاً. ولا شك أن مبادئ الجودة ترتبط في جوهرها بالحس العام للإنسان منذ الأزل، لكن الاهتمام بحوكمتها، كما نعرفها اليوم، بدآ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945. فقد تسلحت اليابان، المهزومة في تلك الحرب، بهذه الحوكمة في نشاطات مُؤسساتها الإنتاجية من أجل المُنافسة واختراق الأسواق العالمية. وقد نجحت في ذلك وأعادت بناء ذاتها واستعادت بذلك مكانتها. ومع هذا النجاح، انتقلت العدوى الحميدة لحوكمة الجودة إلى مُؤسسات الدول الأخرى ثُم إلى المنظمة الدولية للتقييس التي قدمت لأول مرة معاييرها العامة الشهيرة، في حوكمة الجودة في المُؤسسات ISO 9000 عام 1987. ومثلت هذه التوصيات قاعدة لتوصيات أخرى عديدة في مجال حوكمة الجودة في المُؤسسات في مُختلف التخصصات. وهكذا انتشر الاهتمام بالجودة، وشؤون حوكمتها، في المُؤسسات الحكومية والخاصة حول العالم، وأُنشئت لها الإدارات والوظائف، وبات الاجتهاد والإبداع في معاييرها موضوعاً حياً يشغل بال العاملين على إدارتها وتطويرها. وهكذا تراكمت معطيات حوكمة الجودة بدرجة عالية، في مُختلف المجالات، لتتجلى بذلك نظرتان مُختلفتان. تتمثل النظرة الأولى بمُلاحظة توجه المُؤسسات نحو بناء قاعدة معرفية واسعة ومُتجددة من المعايير التي يُؤدي الالتزام بها إلى تعزيز الجودة وتحقيق أهدافها على أفضل وجه مُمكن. وقد حظيت هذه النظرة بمشهد بروز مُؤسسات مُتخصصة بشؤون حوكمة الجودة في مجالات مُحددة، تعمل على بناء مثل هذه القاعدة من المعايير في مجالها؛ ثُم توصي المُؤسسات العاملة في هذه المجالات بتنفيذ هذه المعايير، لتمنحها مقابل ذلك شهادات توثق هذا التنفيذ مُعبرة بذلك عن جودة أعمالها وما تُقدمه من مُعطيات. أما النظرة الثانية فتحمل اتجاهاً مُغايراً لسابقتها، حيث ترى في هذا الاتجاه بأن حوكمة الجودة باتت، بسبب التوسع الكبير في معايير حوكمتها، مُتضخمة أكثر مما يجب. وهي بذلك تُعيق العمل المُستهدف وتحد من “فاعلية” أدائه. كما تزيد من الجهد غير المبرر والتكاليف التي تُعطل “الكفاءة” وتحد من القدرة على المُنافسة، فضلاً عن تراكم التعقيدات التي تُقلص “الرشاقة” المعززة للمنافسة. ويُضاف إلى ذلك تضخم المعايير المُرتبطة “بالشك” في التزام العاملين بواجباتهم في إطار الحماية من المخاطر. ثُم الحد من القدرة على “الاستدامة” الناتج عن كُل ذلك. وإذا أردنا التعليق على كُل من هاتين النظرتين، فلعلنا نقول بأن النظرة الأولى تتطلع باتجاه كون معايير حوكمة الجودة “دواءً” للمُؤسسات يُعزز قدراتها، ويُفعل نشاطاتها، ويُحسن أداءها، ويحميها، ويُمكنها من الاستمرار والاستدامة. أما النظرة الثانية فترى بعين الريبة أن هُناك “زيادة في جرعة هذا الدواء” عن المستوى المُعالِج المطلوب. وأن هذه الزيادة تصل في كثير من الأحيان إلى مستوى يُؤدي إلى إعاقة الجودة ذاتها، أي إلى المستوى الذي تُصبح الجودة فيه مُسمى يبتعد عن الفعل. وعلى هذا الأساس تبرز بين النظرتين مُشكلة جرعة معايير الحوكمة المُناسبة للجودة المنشودة. في إطار الجرعة المُناسبة المنشودة، برزت بحوث عديدة. وقدمت هذه البحوث توصيات مُختلفة لضبط هذه الجرعة، تضمنت خمسة محاور رئيسة مُترابطة. يهتم أول هذه المحاور بالحد من تعقيدات الإجراءات والتفاصيل المُنظمة للعمل التي لا ضرورة لها، مثل الحد من كثرة الخطوات التنظيمية ومُتطلبات التوثيق. ويُركز المحور الثاني على الحد من الاستمارات والتقارير المطلوبة، وتجنب التكرار فيها، والابتعاد عن التفاصيل التي لا تتمتع بسببية كافية. ونصل إلى المحور الثالث الذي يهتم بمعايير قياس الأداء وعدم الإفراط في زيادتها، وجعلها مركزة على الأسس بدل متاهة التفاصيل التي تُشتت النظر إلى الأداء. ولعلنا نذكر، في هذا المجال، قول أينشتين في القياس، وهو أبرز علماء القرن العشرين، حيث أفاد بأن “ليس كُل شيء قابل للقياس يستحق القياس”. ثُم يبرز المحور الرابع الذي يقضي بحسن اختيار العاملين ومُؤهلاتهم والحد من الشك في التزامهم بالعمل وضبط سلوكهم، واستبدال ذلك بتعزيز ثقافة الانتماء والعمل والإنجاز والتميز ووضع حوافز لذلك. وهُناك بعد ما سبق المحور الخامس الذي يتطلع إلى مُتغيرات العصر، خصوصاً الأثر المُتزايد للذكاء الاصطناعي في مُختلف المجالات، والعمل على التفكر والتدبر مع العالم أجمع في هذا الشأن، بما يشمل مُختلف نشاطات الحياة، بما في ذلك مُتطلبات الجودة والتميز والقدرة على المُنافسة. وإذا كان هُناك من كلمة أخيرة فلعلها تكون إبراز حقيقة أن الجودة تُعطي وصفة مُتكاملة للنجاح. وعلى ذلك، فإن على معايير حوكمتها أن تُحيط بجميع جوانبها، دون نقصان، بما يُؤدي إلى تفعيل العمل، وكفاءته في المنافسة، ورشاقته في الاستجابة للمُتغيرات، ضمن بيئة ثقة آمنة تُحفز العاملين على العطاء، وعلى نجاح مُستدام. * أستاذ هندسة الحاسب جامعة الملك سعود