«البؤساء»..  

الإرث الأضخم في تاريخ الأدب!

أنصتوا لهدأة الليل وضباب باريس يلف ضواحيها وينخر عظام فقرائها بردًا فيما يذوب على عتبات مدافئ أغنيائها ليعبر بهم دفئًا وسلاما.. أنصتوا لهذا الصوت الشجي يغني، امرأة حاسرة الرأس، شعرها محلوق حتى جذوره، وتشي النعومة النابتة حديثًا بأيام عرفت فيها هذه الرأس الشعر الحريري الأملس الغزير، كان فمها ينقصه أسنانه هو الآخر، والوجنتان غائرتان، والعين الزرقاء تغشاها مسحة حزن وألم هضيم، كانت الفاتنة التي لم تعد فاتنة تغني بملابس خفيفة والثلج المسّاقط يذوب على كتفيها، ورعشة يدها وقدميها الحافيتين لا تصل إلى صوتها الخلاب الساحر، والجمع المتجمهر حولها ما بين الساخر والمستهزئ والمتأثر واللا مبالي… هكذا صور لنا فيكتور هوجو فانتين وهي تغني تستجدي آخر موهبة أوتيتها وآخر بضاعة بقيت في جعبتها بعدما باعت شعرها وأسنانها اللؤلؤية البيضاء لتجمع مبالغ مالية ضئيلة من أجل صورة ابنتها العابرة في ذهنها كوزيت. البؤساء إرث أدبي ضخم، كل شيء فيه كبير عظيم، حزنه عظيم كلماته عظيمة شخوصه عظيمة شِعره رائع عذب عظيم، فيكتور هوجو كان يترك لنا صفحات للخلود، وكلمات من شأنها أن تبكينا عامًا بعد عام وعقدًا إثر عقد وقرنًا يدفع قرنا، البؤساء رواية الفقراء، تحكي لك بأدق الأوصاف وبأحداث تقع في مئات الصفحات وبكل تمهل وتأني ماذا من شأن الفقر والجوع أن يفعلا بأناسهما، وكيف يقع هؤلاء التعساء دومًا تحت رحمة عديمي الرحمة، قوم جشعون ألفوا الفقر ودموعه ورثاثته فما عاد يؤثر فيهم وكل ما يعنيهم هو رنين الدراهم الذهبية فحسب! جان فالجان، فانتين، كوزيت، ثلاثة قد صاروا علامة للمعاناة ومثالًا للاستقامة والنزاهة، حيث تقلب جان فالجان في أكثر من حال خلال الرواية، يومًا كان لا يملك لقمة يومه، ويومًا هو شديد الثراء، وفي زمن كان سيد قومه وآخر أوضع من فيهم، وفي كل أحواله بقيت أخلاق جان فالجان ورقته وعطفه وسماحته وحبه للخير وإقدامه عليه بكل ما يملك هؤلاء ظلوا دائمًا حاضرين، تلهج بهم روحه وجوارحه، هكذا شاءه أن يكون فيكتور هوجو: علامة على انتصار الخير وبقائه ومصداقيته مهما تقلب الزمان ودارت الأيام وسارت المصائب بين العباد دولا.. لطالما امتلك الكاتب الشاعر الفرنسي فيكتور هوجو مقدرة عجيبة على تلمس آلام البشر وتحسس مواضعها ومعرفة أدق مخابئها ثم إنه بملكته الأدبية الرائعة يسردها لنا ويجسدها شخصيات وحوادث وأماكن وأزمنة في صفحات طويلة تترا، فلا غرابة إذًا في أن يخرج لنا هاتين التحفتين أحدب نوتردام والبؤساء. البؤساء نشرت عام «1862» وكتب فيكتور هوجو في مقدمتها «ما دام ثمة هلاك اجتماعي، بسبب من القانون أو العرف، يخلق ألوانًا من الجحيم على الأرض، ما دامت مشكلات العصر الثلاث: الحط من قدر الرجل باستغلال جهده، وتحطيم كرامة المرأة بالجوع، وتـقـزيم الطفل بالجهل، لم تحل بعد، ما دام الاختناق الاجتماعي لا يزال ممكنًا في بعض البقاع، وبكلمة أعم، ما دام على ظهر البسيطة جهل وبؤس، تكون هناك حاجة إلى كتب من هذا النوع»، ولا أكاد أجد وصفًا أدق للبؤساء من هذا، فهي رواية صالحة لكل زمان ومكان، فحكايتها واقعة لا محالة ما عاش البشر على ظهر هذي البسيطة، ماعاش الجهل والظلم والاستعباد وكل الظروف التي أوردها الكاتب، ولهذا هي باقية إلى اليوم وإلى الغد ومحفوظة للأجيال القادمة وإلى الأمم ما بقيت.