«أغالب مجرى النهر» الفائزة بالبوكر العربية..
رواية تنبش خزائن التاريخ لتصل إلى الحاضر المأزوم.
فازت رواية (أغالب مجرى النهر) النهر للكاتب الجزائري سعيد خطيبي الصادرة عن دار (هاشيت أنطوان/ نوفل) اللبنانية عام 2025 بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) للعام 2026 حيث نافسها خمس روايات عربية أخرى رواية (غيبة مي) من لبنان للكاتبة نجوى بركات ورواية (الرائي) من العراق للكاتب ضياء جبيلي روايتين من مصر الأولى (أصل الأنواع) للكاتب أحمد عبد اللطيف والثانية (فوق رأسي سحابة) للكاتبة دعاء ابراهيم ورواية أخرى من الجزائر أيضا هي (منام القيلولة) للكاتب أمين الزواي لنكون أمام روايتين جزائرتين من أصل ست روايات عربية تنافستا على هذه الجائزة وإن اختلفت مواضيعهم وإنما يتقاطعان ببعض الثيمات فالأولى أحداثها قبل العشرية السوداء بينما الثانية أثناءها لكن كليهما يشرحان المجتمع الجزائري مسلطين الضوء على عاداته وتقاليده إن كان في الريف أو المدينة كروايتنا هذه التي قال عنها كاتبها سعيد خطيبي “شرعت في الكتابة أواخر عام 2022 مدفوعاً بواقعة ظلت تشغل بالي تتعلق بصديق طفولة فقده بصره مبكرا وكان بالإمكان إنقاذه لو أتيح له زرع قرنية، من هذه الحكاية انطلقت فكرة الرواية لابوصفها سرد لحدث شخصي بل بوصفها سؤالا عن الحياة نفسها” وتدور أحداث رواية صاحب (حطب سراييفو) و(نهاية الصحراء) في مدينة بوسعادة الجزائرية قبل بداية العشرية السوداء بأشهر قليلة حيث تتمحور أحداثها حول التحقيق بمقتل طبيب التشريح المشهور مخلوف التومي الذي مات مسموما وهو يقود سيارته والمتهمان الرئيسيان في هذه الجريمة هما زوجته طبيبة العيون عقيلة التومي ووالدها المناضل السابق عزوز الخالدي وتنقسم الرواية إلى قسمين القسم الأول يتضمن سبعة عشر فصلا ترويه زوجة القتيل حين تعود إلى ماضيها مع تدخل راو عليم أثناء العودة لجلسات التحقيق والقسم الثاني مقسم لستة عشر فصلا وأحرف أبجدية يرويه والدها بصوته مع تدخل راو عليم أيضا أثناء العودة إلى الزمن الحاضر وتتقاطع بمصائر هاتين الشخصيتين في أربع نقاط أي عزوز وابنته عقيلة فكلاهما متهم بقتل الطبيب مخلوف وكلاهما قدم خدمة سابقا للمحقق الذي يتولى التحقيق معه فعقيلة زرعت قرنية لوالدة المحقق الخاص بها جمال درقين ونجحت الجراحة وعزوز ساعد بإدخال والدة المحقق إدريس بادا إلى دار رعاية العجزة وكلا الشخصيتين يحمل في داخله ماض يؤرقه وكلاهما ينتظران الصحفي بودو ليخلصهم من آثام هذا الماضي. امرأة مضطهدة : لم يكن سهلا على الطبيبة جراحة العيون الشهيرة عقيلة التومي الدخول إلى السجن فهذا الذي لم تكن تتوقعه يوما رغم انخراطها بالمحظورات لكسب المال بتشجيع من زوجها القتيل مايجعلها نادمة “لو أنني غالبت طيبتي وغالبت مجرى رغباته” لذلك يفتتح الكاتب روايته بمشهد لها وهي محشورة في الزنزانة تنظر إلى صحن الأرز الذي قدمته لها سجانتها وتتقزز من النمل الذي يسير فيه فمتنع عن تناوله عدا عن الذل الذي تعرضت له حين تمت تعريتها وتفتيتها من قبل الشرطية قبل إدخالها السجن والتحقيق المرهق الذي تعرضت له فالزمن ثقيل في السجن لا يعزي المرء فيه سوى استرجاع ذكرياته فتروي لنا ماضيها بصوتها هي التي نشأت على يد أم قاسية (قمرة) توبخها دائما وتدعوا عليها رغم ماوصلت إليه من مكانة ثقافية ما أثر على شخصيتها وأضعفها وتعبأ رأسها بأفكار بالية تشربها رغم ثقافتها لتبتلي بعدها بزوج قاس يعنفها ويضربها باستمرار ويعيرها بعدم إنجاب ذكر له على الرغم من أنه طبيب ومثقف إلا أن شخصيته الشرقية هي التي تطغى على تصرفاته فيعيش في ازدواجية كبيرة على الرغم من علمه أن المشكلة علمية وقد يكون هو السبب في عدم إنجاب ذكر فتجهض منه بالسر دائما بينما علاقتها مع ابنتها الوحيدة مينا علاقة يشوبها الاظطراب فهي تشاكسها دائما أما علاقتها بأخيها ميلود فهي جيدة فهو يساعدها في عيادتها ويتهم لاحقا هو وجارته بقتل صهره أما علاقتها بصديقتها المقربة سلوى عديلي كانت علاقة يشوبها التباس يوحي بميول مثلية لديها لكن عقيلة ليست جراحة عيون عادية فهي سارقة أيضا بهدف الثراء بتشجيع من زوجها طبيب التشريح مخلوف الذي يجبرها على انتزاع قرنيات الجثث التي تصله إلى المشرحة لتزرعها في أعين مرضاها الذين يحتاجونها في عمليات جراحية تدر عليها أموالا كبيرة يأخذ هو القسم الأكبر منها ويعطيها القليل وعلى الرغم من ذلك أحوالها المادية جيدة لكنها رغم وثقافتها لاتتورع بالذهاب لأحد الشيوخ ليصنع لها التمائم التي تكفر بها عن ذنوبها من سرقة القرنيات والإجهاض وكانت قد قررت أيضا أن تفتتح كلية للطب على نفقتها الخاصة في بوسعادة كي توفر على الطلاب في المدينة مشاق السفر إلى العاصمة لذلك تواصلت مع الصحافي بودو كي تعرض عليه الموضوع ليذيعه على التلفزيون الرسمي لكنها دخلت إلى السجن قبل أن يتم الأمر. رجل مظلوم : ولد عزوز الخالدي المتهم الرئيسي الثاني في جريمة القتل ووالد عقيلة في قرية نائية لأسرة بسيطة حيث كان يعمل بحلب الماعز في صغره لينتقل لاحقا هو وأسرته إلى المدينة بسبب الجفاف ويعمل بمهن كثيرة كمصلح لسكك القطارات وماسحا للأحذية وعتالا في الميناء وشارك في الحرب العالمية الثانية مع الجيش الفرنسي ضد الإيطاليين ثم انضم لاحقا لحركة التحرير التي قادت الثورة ضد الفرنسيين لكنه اتهم بالخيانة من زملائه الثوار في الحركة لأنه رفض تفجير مطعم أخيه الذي يرتاده الفرنسيين وعصا أوامرهم فاتهموه بأنه حركي(تهمة تطلق على من يعادي الثورة) وأحرقوا ظهره بآلة معدنية تركت ندبة عليه سيرافقه عارها حتى موته فقال عبارته الشهيرة الذي اشتق منها اسم الرواية “هل كانت حياتي ستسير على ألطف حال لو أنني امتثلت لأوامرهم ولم أغالب مجرى النهر؟!” لذلك تواصل مع الصحافي بودو كي يوصل صوته إلى الرأي العام ويبرؤه من الخيانة أمام الناس وعائلته لأنه إن لم يفعل ذلك سيرافقه العار حتى بعد مماته لأنهم سيكتشفون أثناء تغسيل جثته الندبة على ظهره ويعرفون أنه حركي لكن بودو يموت في حادث سير وهو قادم إلى المدينة من سوء حظ عزوز هذا الرجل الطيب الذي لايتوانى عن وضع نفسه مكان ابنه ميلود حين يكتشفون أنه هو الذي كان يقود السيارة التي كانت تسير خلف صهره القتيل ميلود هذا الذي يشبه أباه بإحدى الصفات وهي إنجابه ابنة غير شرعية فعزوز أيضا أنجب من إحدى النساء ابنا غير شرعي ولم يعترف به فتبنته عائلة وأصبح حين كبر قوادا في بيت دعارة تديره قوادة مشهور وهذه وصمة عار أخرى في حق عزوز تزيد أموره سوءا وحياته تعقيدا عدا التهم الموجهة إليه حيث يوجه المحقق إليه أربع تهم أثناء احتجازه، الأولى هي قتل صهره والثانية تحريض ابنته لقتل (شهلا البرق) التي كانت تنكل بالحركيين والثالثة التواصل مع جهة إعلامية غير رسمية (بودو) والرابعة وهي الأغرب حيازته لقبعة شارلي شابلن التي ارتداها حين زار المدينة وتعتبر ملكا عاما فيدخل عزوز في دوامة لا أمل بالخروج منها. دوافع الشخصيات و أسبابها : غاص خطيبي في روايته هذه في نفوس شخصياته ومفككا تركيتها السيكولوجية فعاد إلى نشأتها وبين دوافعها التي تحركها حتى وصلت إلى هذا الحال الذي وصلت إليه فالجميع متهم فيها والجميع بريء بنفس الوقت فكانت رواية عميقة أكثر مماهي بوليسية ومشوقة لذلك اختارتها لجنة التحكيم في الجائزة العالمية للرواية العربية في قائمتها القصيرة التي ستعلن نتائجها في التاسع من شهر أبريل/نيسان لهذا العام حيث لاقت الرواية أصداء نقدية كبيرة في الأوساط الثقافية العربية وكتب عنها الكثير في الصحف ولاندري إن كانت ستكون الرواية الرابحة لهذا العام. تشريح مجتمع كامل : في روايته هذه التي يعتقدها المرء للوهلة الأولى أنها رواية بوليسية لتمحورها حول حادثة القتل وسيطرة جلسات التحقيق على ثلاثة أرباع منها عرى سعيد خطيبي مجتمعا عربيا كاملا ونبش في تاريخه المسكوت عنه، فجرت أحداثهاعكسيا بالعودة من الحاضر إلى الماضي البعيد للشخصيات مثلما تفعل أسماك السلمون التي تسبح في النهر عكس التيار لتعود للولادة والموت في مسقط رأسها حيث تتغذى عليها فراخها، فسلط الضوء في سرديته البديعة هذه على تاريخ كامل من الظلم والفساد والديكتاتورية الذي سيؤدي بعد فترة ليست بعيدة عن الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية إلى انفجار المجتمع الجزائري ليدخل في دوامة عنف دموي تمتد لعشر سنوات مريرة سميت العشرية السوداء. * كاتب وناقد فني سوري