«التذكرة الحمدونية» لمحمد بن حسن بن حمدون ..

بين مركزية البيان وتشظّي ما بعد الحداثة.

ليست “التذكرة الحمدونية” كتابًا يُقرأ بوصفه وعاءً للنصوص، ولا مخزنًا للأخبار والأشعار والنوادر، لأن هذا النوع من القراءة يبقى أسير الوهم القديم: وهم أن النص الأدبي كيان بريء، وأن الجمع فعل توثيق، وأن الذائقة الثقافية تمارس نفسها خارج شروط السلطة. والحقيقة أن “التذكرة الحمدونية” ليست مجرد مختارات؛ إنها جهاز ثقافي. أي إنها تمارس، من حيث لا تبدو، سلطة الفرز، وسلطة التمثيل، وسلطة منح الشرعية. إنها لا تقول لنا فقط ماذا قال الشعراء، بل تقول لنا أيضًا: من هو الشاعر الذي يستحق أن يُسمع، وما اللغة التي تستحق أن تُخلَّد، وأي صورة للعالم ينبغي أن تبقى في الذاكرة. هنا يبدأ التفكيك. لأن السؤال لم يعد: ماذا تحتوي “التذكرة”؟ بل: ما الذي تخفيه وهي تعرض؟ ما الذي تُسقطه وهي تُدوِّن؟ ما الذي تُبيّضه البلاغة وهي تزعم أنها لا تفعل سوى الاحتفاء بالجمال؟ إن النص التراثي، في هذا المستوى، لا يقدّم نفسه بصفته خطابًا سلطويًا، بل بصفته حكمة ذوقية. وهذه أخطر حيله. فهو لا يقول: أنا أمثل المركز. بل يقول: أنا أمثل الأدب. ولا يقول: أنا أمارس الإقصاء. بل يقول: أنا أختار الأجود. ولا يقول: أنا أعيد إنتاج نظام رمزي ذكوري وطبقي وسياسي. بل يقول: أنا أحفظ التراث. ومن هنا فإن التفكيك لا يبدأ من الظاهر البلاغي، بل من الادعاء بالبراءة نفسه. في “التذكرة الحمدونية” لا نعثر على نصوص فحسب، بل نعثر على نظام لإدارة المعنى. فكل اختيار هو استبعاد ضمني، وكل استحسان هو إقصاء مؤجل، وكل توثيق هو إعادة كتابة للذاكرة على نحو يخدم المركز الثقافي الذي أنتجه. إن المؤلف هنا لا يجمع المادة كما هي، بل يعيد تشكيلها من داخل وعي مؤسسي عميق، حتى لو لم يقصد ذلك مباشرة. إنه ابن عصر يرى الأدب من داخل علاقة مع البلاط، مع الفصاحة الرسمية، مع التصور المعياري للرجولة، مع مركزية البيان العربي بوصفه النموذج الأعلى للقول المشروع. ومن ثم فإن “التذكرة” ليست بريئة من سياسة التمثيل. إنها تعيد ترتيب العالم وفق منطق هرمي: هناك نصوص في الأعلى لأنها أكثر فصاحة، وأكثر ملاءمة، وأكثر انسجامًا مع الذائقة السائدة. لكن هذه “الفصاحة” ذاتها ليست مفهومًا جماليًا خالصًا؛ إنها، في العمق، قيمة مؤدلجة. ذلك أن ما يسمى بالفصيح ليس فقط ما كان أجمل، بل ما كان أيضًا أقدر على التوافق مع النظام الرمزي الذي أراد لنفسه أن يبدو طبيعيًا وأبديًا. ولهذا فإن التفكيك الحقيقي لا يكتفي بفضح الحضور، بل يُنصت إلى الغياب. فالنص التراثي الكبير لا تُقرأ قوته فيما قاله وحده، بل فيما منع قوله. والغائب في “التذكرة الحمدونية” ليس مجرد سهوٍ أرشيفي، بل أثر من آثار السلطة. إننا لا نسأل فقط: لماذا حُفظ هذا الشعر؟ بل نسأل أيضًا: لماذا لم يُحفظ سواه؟ لماذا غلبت نبرة المديح والفحولة والظرف والبيان، بينما انحسر الصوت الخارج عن نظام اللياقة الثقافية؟ لماذا بقيت المرأة موضوعًا للقول أكثر من كونها ذاتًا منتجة له؟ لماذا بقيت الهامشيات موزعة في هيئة طرائف أو أخبار جزئية، لا في هيئة مركز خطابي مستقل؟ هنا تتكشف “التذكرة” بوصفها بنية أبوية للمعنى. فالمرأة لا تظهر فيها غالبًا باعتبارها عقلًا أو خطابًا أو ذاتًا ثقافية، بل تظهر بوصفها مجازًا للرغبة، أو موضوعًا للغزل، أو علامة على جمال يُستهلك في القول الذكوري. إن حضورها محكوم بمخيلة الرجل، لا بحقيقتها الصوتية. وما يبدو تمثيلًا لها ليس سوى إعادة امتلاك رمزي لها. وبهذا تكون “التذكرة” جزءًا من ثقافة لا تصف المرأة، بل تعيد تصنيعها دلاليًا لتخدم نظامًا أوسع من الهيمنة الذكورية. والأمر نفسه يصدق على صورة الشاعر. فالشاعر في مثل هذا الأرشيف ليس كائنًا حرًا تمامًا، بل وظيفة ثقافية. إنه مطالب، ضمنيًا، بأن يكون بليغًا على النحو الذي تقبله المؤسسة الرمزية، وأن يمدح حيث يجب المديح، وأن يتأنق لغويًا على النحو الذي يحفظ للنظام صورته عن نفسه. ولذا فإن “الأدب” هنا لا يعكس الحرية بقدر ما يعكس التدجين الرفيع. أي ذلك النمط من الهيمنة الذي لا يعمل بالقمع المباشر، بل بالإغراء الجمالي: يزيّن السلطة حتى تبدو ذوقًا، ويقدّم الذوق حتى يبدو قدرًا. ومن هنا فإن أخطر ما في “التذكرة الحمدونية” ليس ما فيها من نصوص ممتازة، بل قدرتها على جعل المعياري يبدو طبيعيًا. فالمركز لا ينتصر فقط لأنه قوي، بل لأنه ينجح في إقناع الجميع بأنه هو الذوق، وهو الفصاحة، وهو الأدب، وهو التاريخ. لكن أين نضع هذا كله إذا قارناه بأدب ما بعد الحداثة؟ هنا تقع المفارقة الكبرى. فـ“التذكرة الحمدونية” تنتمي إلى نظام ثقافي يقوم على مركز المعنى، حتى لو بدا متنوعًا. إنها تفترض أن هناك معيارًا، وأن هناك ذائقة عليا، وأن هناك نصوصًا تستحق البقاء أكثر من سواها. أما أدب ما بعد الحداثة فإنه يقوم، في جوهره، على الارتياب من المركز نفسه. لا يعود النص فيه وعاءً للحقيقة، بل مساحة للعبة المعنى. ولا تعود الكتابة حفظًا للنظام، بل تقويضًا له. ولا يعود المؤلف مالكًا للمعنى، بل مجرد أثر عابر داخل شبكة من الإحالات والتناصات والانكسارات. إذا كانت “التذكرة” تمارس الجمع من أجل ترتيب العالم، فإن نص ما بعد الحداثة يمارس الكتابة من أجل فضح استحالة الترتيب النهائي للعالم. إذا كانت “التذكرة” تتحرك من مركز يوزّع القيمة، فإن ما بعد الحداثة تتحرك من شظايا لا تعترف بمركز ثابت. إذا كانت “التذكرة” تحفظ سلطة البيان، فإن ما بعد الحداثة تشكك في كل بيان، وتتعامل مع اللغة نفسها بوصفها نظامًا مراوغًا، خائنًا، لا يمنح المعنى إلا لكي يسحبه. في التراث الجامع، مثل “التذكرة”، هناك ثقة ضمنية بأن النص قابل للاحتواء داخل كتاب، وأن العالم الأدبي يمكن أن يُنظَّم، وأن الذاكرة يمكن تأطيرها. أما في ما بعد الحداثة فهناك وعي حاد بأن كل أرشيف هو عنف مؤجل، وأن كل تصنيف هو شكل من أشكال الاستبعاد، وأن كل سردية كبرى تخفي تحتها ضحاياها الصامتين. ولهذا فإن أدب ما بعد الحداثة لا يحتفي بالكمال، بل بالكسور؛ لا يثق بالانسجام، بل بالتنافر؛ لا يرى الهوية جوهرًا، بل يرى الذات تركيبًا لغويًا واجتماعيًا متشظيًا. ومع ذلك، فالمقارنة لا ينبغي أن تقع في سذاجة المفاضلة الأخلاقية. ليس المطلوب أن نقول إن “التذكرة” أدب سلطوي وما بعد الحداثة أدب تحرري، فهذه ثنائية مريحة لكنها تبسيطية. لأن ما بعد الحداثة، رغم نزعتها التفكيكية، قد تقع هي الأخرى في نوع من العدمية الجمالية؛ إذ تفتت المعنى إلى حد يفقد معه الإنسان إمكان التماسك، وتغرق في اللعب النصي إلى درجة قد تنسى معها السؤال الأخلاقي والاجتماعي. كما أن التشظي نفسه قد يتحول إلى موضة ثقافية جديدة، لها مؤسساتها وسوقها ونخبتها. أي أن ما بعد الحداثة ليست خارج السلطة، بل هي فقط تغيّر شكل السلطة من مركز صلب إلى شبكات أكثر مراوغة. غير أن الفرق الجوهري يبقى قائمًا: “التذكرة الحمدونية” تنتمي إلى عصر كان ما يزال يؤمن بأن الثقافة يمكن أن تُصاغ في كتاب جامع، وأن الذائقة يمكن أن تُقدَّم بوصفها مرجعية عليا. أما أدب ما بعد الحداثة فينتمي إلى وعي مأزوم لم يعد يثق في المرجعيات، ولا في وحدة الذات، ولا في نقاء اللغة، ولا في سرديات الشرعية الكبرى. بهذا المعنى تبدو “التذكرة” كأنها مشروع لترميم العالم رمزيًا، بينما يبدو أدب ما بعد الحداثة مشروعًا لهدم وهم ترميم العالم. الأولى تجمع، والثاني يبعثر. الأولى تؤرشف، والثاني يشكك في الأرشيف. الأولى تمنح المعنى بيتًا، والثاني يعلن أن المعنى بلا بيت نهائي. لكن القراءة الأكثر عمقًا لا تتوقف عند هذه الثنائية، بل ترى أن “التذكرة الحمدونية” نفسها يمكن إعادة قراءتها اليوم بوصفها نصًا ما بعد حداثيًا بالقوة لا بالفعل؛ لا لأنها كُتبت بمنطق ما بعد الحداثة، بل لأن تفكيكها المعاصر يكشف أنها ليست وحدة متماسكة كما توهمنا. إنها كتاب من الشظايا أصلًا: أخبار، أشعار، نوادر، استشهادات، أصوات متعددة، اقتباسات، حكايات. أي أنها، من حيث البنية، تحمل شكلًا تجميعيًا متشظيًا. غير أن هذا التشظي فيها لا يعمل على تقويض المركز، بل على خدمته. إنه تشظٍ تحت سلطة الوحدة، لا تشظٍ ضدها. وهذا فرق حاسم. في ما بعد الحداثة، التعدد يهدم المرجع. وفي “التذكرة”، التعدد يُعاد تنظيمه ليخدم المرجع. في ما بعد الحداثة، الاقتباس يفضح أصلًا لم يعد مستقرًا. وفي “التذكرة”، الاقتباس يرسّخ سلسلة الشرعية والامتداد. في ما بعد الحداثة، النص يفضح نفسه باعتباره بناءً. وفي “التذكرة”، النص يقدّم بناءه باعتباره طبيعة. ومن هنا فإن القيمة النقدية الكبرى لقراءة “التذكرة الحمدونية” اليوم لا تكمن في استهلاكها تراثًا، بل في فضح آلياتها الثقافية: كيف تُصنع الذائقة؟ كيف يُكتب التاريخ الأدبي؟ كيف تتحول المختارات إلى قانون؟ كيف يتسلل النظام الأبوي إلى البلاغة؟ كيف يلبس السياسي قناع الجمالي؟ وكيف ينجح الأرشيف في أن يبدو حياديًا بينما هو يمارس أكثر أشكال الانحياز رهافة؟ إن النقد الحقيقي لا يخاصم التراث لأنه تراث، بل لأنه يرفض أن يُستقبل بوصفه براءة نهائية. ولذلك فإن “التذكرة الحمدونية” لا ينبغي أن تُقرأ بعين التقديس، ولا بعين الإلغاء، بل بعين الشك المنتج. أي بعين ترى في النص أثرًا للصراع، لا أثرًا للصفاء. وترى في البلاغة جهازًا ثقافيًا، لا مجرد تأنق لغوي. وترى في الاختيار فعل سلطة، لا مجرد ذوق. وفي هذا المستوى، تصبح المقارنة مع ما بعد الحداثة أداة كاشفة لا ترفًا تنظيريًا. لأنها تجعلنا نفهم أن كل نص يدّعي الامتلاء يحمل في داخله فراغاته، وأن كل أرشيف يُنشئ ذاكرة ويصنع معها نسيانًا موازيًا، وأن كل مركز لغوي أو ثقافي لا يقوم إلا على هوامش تم قمعها أو تهميشها أو إعادة تمثيلها من الخارج. هكذا لا تعود “التذكرة الحمدونية” كتابًا من الماضي، بل تصير مثالًا مبكرًا على سؤال لم يزل معنا حتى اليوم: من يكتب الذاكرة؟ ومن يمنح النصوص حق البقاء؟ ومن يقرر أن هذا هو الأدب، وأن ما عداه هامش أو سهو أو نقص؟ ذلك هو السؤال الذي يبدأ منه النقد الثقافي، ولا ينتهي. لأن النص، مهما بدا مكتملاً، ليس سوى ساحة صامتة لصراع طويل بين ما قيل، وما لم يُسمح له أن يُقال.