أدب الاتصال.
لم تعد الزيارة اليوم تطرق الأبواب، بل بالرنين في الجيوب. من خلال الهاتف الذي جاء ليختصر المسافات، أصبح في بعض الأحيان يتجاوز حدود اللياقة دون أن نشعر، حتى أصبح الاتصال في غير وقته لا يختلف كثيراً عن الزيارة المفاجئة التي تُثقل على صاحبها، وتضعه في موقف لا يملك فيه إلا المجاملة أو الحرج الشديد. وحين نتأمل الهدي القرآني في تنظيم الاستئذان، نجد أن المسألة لم تكن مجرد ترتيب اجتماعي عابر، بل أدب رفيع يراعي خصوصية الإنسان في أوقاته وحالاته، كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم …) الآية، حيث بيّن سبحانه أوقاتاً تُصان فيها الخصوصية. وإذا كان هذا الأدب موجهاً لمن يعيشون في البيت الواحد، فكيف بمن يطرق عليك اتصالاً دون أن يرى حالك، ولا يقدّر ظرفك، ولا يشعر بثقل اللحظة التي قد يقتحمها عليك؟ المفارقة أن التقنية، رغم ما وفّرته من سهولة وسرعة، ألغت لدى البعض هذا الإحساس الدقيق بالوقت المناسب. فصار الاتصال يتم في كل حين: في وقت الراحة، وأثناء الانشغال، وربما في لحظات لا يحتمل فيها الإنسان أي مقاطعة. وكأن وجود الرقم في الهاتف يمنح صاحبه حق الوصول الفوري، دون اعتبار لما وراء ذلك من ظروف إنسانية لا تُرى. بل إن الأمر تجاوز مجرد الاتصال إلى الإلحاح فيه؛ مكالمات متتابعة خلال دقائق معدودة، وكأن عدم الرد يعني التقصير أو التجاهل، مع أن أبسط قواعد الذوق تقتضي أن يُترك للإنسان مساحة يرد فيها حين يتاح له ذلك. فليس كل تأخر في الرد تجاهلاً، ولا كل صمت إعراضاً، وإنما قد يكون احتراماً لظرف قائم. وفي المقابل، لا يقف الخلل عند المتصل وحده، بل يمتد أحياناً إلى المستقبل، الذي يجيب على الاتصال وهو في حالة لا تليق بالمخاطبة؛ كأن يكون منشغلاً بمضغ الطعام، أو في بيئة صاخبة، أو أثناء حديث مع آخرين. فيتحول الاتصال من وسيلة تواصل راقٍ إلى موقف يبعث على النفور، ويُفقد الحديث قيمته قبل أن يبدأ. ولعل أشد ما يزعج في ذلك ليس الفعل ذاته، بل غياب الإحساس بأن للطرف الآخر حقاً في حديث يليق به. ومن صور هذا الخلل أيضاً، أن يتحول الاتصال إلى بديل عن كل وسيلة أخرى، حتى في الأمور التي لا تستدعي إزعاجاً مباشراً - مع أن بالإمكان إرسال رسالة مختصرة يمكن الرد عليها في الوقت المناسب - وكأننا، دون أن نشعر، نعيد تشكيل العلاقات على أساس الإلحاح. أدب الاتصال ليس قاعدة مكتوبة بقدر ما هو شعور يُستحضر قبل الضغط على زر الاتصال، وسلوك يُترجم احتراماً متبادلاً بين الطرفين. ولو سأل كل واحد منا نفسه: هل هذا الوقت مناسب؟ وهل لو كنت مكانه سأستقبل هذه المكالمة برحابة صدر؟ وهل ما أريده يستحق اتصالاً الآن، أم يمكن أن يُؤجَّل؟ هذه الأسئلة الصغيرة هي التي تحفظ للناس مساحاتهم، وتمنح التواصل قيمته الحقيقية. فكما أن للأبواب أوقاتاً تُطرق فيها، فإن للهواتف أيضاً أبواباً غير مرئية، لا تُفتح إلا بمفتاح الذوق.