في مقام الكتاب«الكل يحتفي».

اليوم العالمي للكتاب ليس مجرد احتفالية تقويمية ، بل وقفة وفاء لوسيط نَقَل البشرية من عصر الظلمات إلى عصر النور . فرغم ضجيج المحتوى الرقمي وسرعة السوشال ميديا ، يظل الكتاب هو الأداة الوحيدة التي تمنحنا خلوة حقيقية ؛ فهو ليس مجرد ورق ، بل وعاء لتركيز بشري مكثف ، فبينما تشتتنا الشاشات ، يجمعنا الكتاب مع ذواتنا ويدعو معنا عقل الكاتب في حوار هادئ وعميق . إن الكتاب هو الحافظة الأمينة للحضارات وبطل المشهد المعرفي ، فمن خلاله عرفت البشرية علوم المتقدمين والمتأخرين من العرب والعجم ، فأصبح جسراً تعبر عليه الأفكار بين الأجيال وبين الشعوب والقارات ؛ فبفضله نحن لانبدأ من الصفر ، بل نبني فوق ما دوّنه من سبقونا ليأتي مَن بعدنا ويشيدوا فوق مابنينا ، فالبشر يفنون ، ويبقى الكتاب دليلاً عليهم وشاهداً على نتاجهم . إن الكتاب اليوم لم يعد مجرد سِفْرٍ علمي كسابق عهده ، بل غدا بوصلة تضبط المعرفة بشكل سليم وصحيح وسط هذا التيه المعلوماتي ، ففي زمن أنصاف الحقائق والمعلومات السطحية ، يأتي الكتاب ليعيد إلينا العمق ، والقدرة على التحليل ، والصبر على اكتساب المعرفة ، فهو الصديق الذي لايفرض علينا رأياً ، بقدر ما يفتح لنا آفاقاً لتكوين آرائنا الخاصة . لقد كان ومازال الكتاب الورقي يملك كاريزما خاصة ؛ فرائحة الورق ، وملمس الصفحات ، وصوت تقليبها ، وحتى شكل المكتبة في زاوية المنزل ؛ كل هذه المعاني توجد رابطة فيزيائية وكيميائية تنشأ بيننا وبين الكتاب ، تجعل من القراءة طقساً انعزالياً محبباً للنفس ، وكأننا نمتلك جزءاً من روح الكاتب بين يدينا . وهذا بطبيعة الحال ما لانستشعره في الكتاب الإلكتروني ، فرغم عمليته وسرعته ، يظل بارداً ، بلا روح ، كونه مجرد ملف وسط آلاف الملفات ، يَسهل القفز منه إلى تنبيهات البريد أو إشعارات التطبيقات ، الأمر الذي يقتل تلك الخلوة التي نعيشها مع الورق ، فالأخير يفرض علينا الهدوء والتركيز ، بينما الإلكتروني يغرينا بالتصفح العجِل . إن اليوم العالمي للكتاب -رغم أهميته وقيمته- يؤدي دوراً تذكيرياً أكثر من كونه مكافأة حقيقية تليق بمكانة الكتاب ، فهو أشبه ببروتوكول سنوي يضع الكتاب تحت الضوء لمدة( ٢٤ )ساعة ، لكنه لايكفي لرد اعتباره في مواجهة طغيان الصورة والمحتوى السريع ، فمن الجانب الرمزي ، نعم هو انتصار معنوي أن تخصص اليونسكو يوماً عالمياً للكتاب ، كاعتراف دولي بأن الكتاب هو العمود الفقري للحضارة ، وهو محاولة لحماية حقوق المؤلفين من الاندثار في عصر النسخ واللصق ، لكن من حيث الواقع فلا يزال الكتاب يعاني !. فالاحتفاء غالباً ما يكون شكلياً في صورة منشورات على وسائل التواصل وفي المعارض المؤقتة ، بينما التحدي الحقيقي يكمن في فعل القراءة نفسه ؛ فالكتاب لا ينال حقه إلا إذا قُرئ ،لابمجرد الاحتفاء بتاريخه . إن الكتاب اليوم ينافس خوارزميات وشاشات رقمية ذكية ، مصممة خصيصاً لاختلاس تركيز الإنسان ، لذا فإن يوماً واحداً في السنة لا يمكنه أن يواجه (٣٦٤ )يوماً من التشتت الرقمي ، فالحق الحقيقي للكتاب يُعطى له عندما يتحول من قطعة ديكور أو مناسبة سنوية إلى حاجة يومية في حياة الناس ، فاليوم العالمي هو الشرارة ، لكن الوقود الحقيقي هو الممارسة الدائمة . أخيراً .. لو لم يكن للكتاب من فضل سوى تحويله المعرفة من امتياز لفئة معينة إلى حق مشاع لكل إنسان لكفاه ذلك ، فتحية للكتاب “إرث العالم للمتعلم” .