خرائط الذاكرة : يوميات جورجية.

الفندق وجدت نفسي أفكر في الفندق الذي استأجرناه في طريقنا إلى جورجيا. صاحبي، الذي انخدع بشكله البراق وتقييمات الموقع الإلكتروني، بدا منزعجًا من سوء الغرفة التي حجزناها. حاولت تهدئته بقول إنها ليلة واحدة فقط، سنغادر بعدها البلاد كلها. لكن شريط الذكريات لم يتوقف عند هذا الحد، بل أخذني إلى أعماق التفكير في تشابه بعض الأماكن وبعض الأشخاص، ذوي المظاهر البراقة والكلام المعسول، ولكن بداخلهم الشر والكره. أي فرق بين الفندق المخادع وأولئك الذين يخفون نواياهم الحقيقية وراء أقنعة زائفة؟ مارينا مول سوق قريب مني، يحمل الكثير من الذكريات والمواقف الجميلة، وقعت حادثة غريبة. أثناء وقوفي في موقف السيارات، شاهدت شابين يطاردان فتاتين، وبعد اصطدام سيارتهما بسيارة الفتاتين، لاحظت ابتسامة إحدى الفتاتين لأحد الشابين. في تلك اللحظة، بدا لي أن كل شيء واضح، باستثناء الضرر الذي لحق بالسيارتين والمكان، وترويع الآخرين. السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستحق تلك الابتسامة كل هذا الخوف والضرر؟ فتاة المطار منذ أن وطأت قدمها أرض المطار، عيون الجميع نساءً ورجالاً متجهة نحوها، تُجسد الجمال والرشاقة، وشعرها الطويل كان كشلال ينساب بجمال. حتى رائحتها العطرة كانت كافية لأن تُنسي معها كل من حولها، بما في ذلك ابنها الذي كان يرافقها. سعدت كثيرًا عندما اختارت الطاولة القريبة مني في المقهى لتتناول قهوتها، فأضافت إلى قهوتي التركية مذاقًا حلوًا لدرجة أنك تبتسم من لذته دون شعور. وعندما غادرنا المقهى معًا، لم تغادر معها رائحتها العطرة فقط، بل تركت في سمائي عبقًا لا يُنسى الطائرة القطرية عندما جلست في مقعدي على متن الطائرة المتوجهة إلى تبليسي، الدولة التي حرضتيني عليها، افتقدت بريقك الذي يغمرني عادة في كل رحلة ترافقينني بها أول صباح جورجي نزلت فندقًا في قلب العاصمة، حيث تفاصيل دقيقة تُحكى في كل ركن، من ابتسامة موظف الاستقبال إلى لطف حامل الحقائب ، ومن أناقة أثاث البهو إلى جمال نادلة المطعم وخلال جولات الخروج والعودة للفندق، والتقائي بالوجوه الإيرانية في المصعد وفي كل زوايا الفندق، يصرّ سؤال داخلي على الظهور: هل هم هنا كقوة ناعمة للحضارة الفارسية، أم كإيرانيين مهاجرين يبحثون عن حياة جديدة عن وطن جديد؟ صديقي جوي جوي، المرشد السياحي الذي رافقنا منذ اللقاء الأول في المطار، حيث بدأت صداقتنا بابتسامة وارتياح كبيرين رغم تحدي اللغة. ومع كل صباح، كنا نبحث سوياً عن القهوة التركية في المقاهي، التي لم نجدها بكثرة في جورجيا. كان جوي يتواصل معنا بحرارة محبًا للتقاليدالسعودية، حتى طلب منا إحضار شماغ أحمر له، وهو ما فعلناه. وخلال جولاتنا في المدن والجبال والمروج، وزيارتنا للكنائس الأثرية التي تفوق الخمسمائة عام، شعرنا بروحانية فريدة لم نعشها في أماكن أخرى ؛ وفي إحدى القرى القديمة، فاجأتني زوجة صديقي جوي بمهارتها في صنع فناجين القهوة، بجمال ملفت، فاقتنيت منها فنجانين صنعتهما لي بحب، لتكون ذكرى جورجية جميلة تجمعنا شارع العرب يأخذ اسمه من رواده اللياليين العرب من مختلف بلدانهم، حيث تجتمع الثقافات واللهجات في أجواء من المرح والتواصل. على جنباته، تنتشر المقاهي والمطاعم العربية، وتغطيها غمامة دخان الأرجيلة، مما يخلق أجواءً مميزة. تستمع هنا إلى النكتة المصرية التي تجعلك تضحك من القلب، وتتمايل مع المواويل العراقية التي تلامس روحك، ويأسرك الحنين السوري الذي يملأ الأجواء. تلفت نظرك، ثقة إخواننا المغاربة والسحنة الخليجية تبرز وسط الزحام، بينما الملامح الإيرانية والكردية تضيف عمقاً وتنوعاً إلى هذا المشهد. وفي هذا التجمع البشري المتنوع، تقول لنفسك: مهما فرقتهم المشارب السياسية والقومية والمذهبية، تجمعهم مائدة السفر والغربة، التي تخلق جسوراً من التواصل والإلفة فتاة القهوة دخلت السوق الشعبية في القرية، أتجول بين البضائع والرائعات. تستهويني التفاصيل الصغيرة، وتؤنسني ضحكات الجميلات. وقفت قبالة فتاة جورجية، جميلة، قارب عمرها عشرين ربيعًا. تستند على أمها في تحضير القهوة التركية. ابتسمت، ثم بدأت تسرد حكاياتها اليومية مع السواح. بعد ذلك بدأنا نتبادل الأدوار؛ أحضر لها القهوة، وهي تتناولها مني بابتسامة. أذنت لي بالجلوس قربها، وهي تعهد القهوة للزبائن... في ذلك المكان، كانت القهوة رفيقة الجمال، والجميلات هنّ سيدات القهوة