التوطين اختبار إداري قبل أن يكون قرارا تنظيميا.
أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن تحديث قرار توطين المهن الإدارية المساندة بإضافة 69 مسمى وظيفيًا للتوطين بنسبة 100% ابتداءً من 5 أبريل 2026، في خطوة تعكس استمرار التحول المنهجي في إعادة هيكلة الوظائف الإدارية داخل القطاع الخاص. يحمل القرار عدة دلالات تنفيذية مهمة، من أبرزها اتساع نطاق التوطين التشغيلي، وإعادة ترتيب الهياكل التنظيمية، وارتفاع أهمية التخطيط المسبق للقوى العاملة، إضافة إلى تعزيز فرص رفع كفاءة التشغيل داخل المنشآت. غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في سياق القرار هو ردود الفعل التي أعقبته لدى بعض المنشآت، إذ تصرفت وكأن القرار صدر فجأة، وكأنه لم يُعلن على مراحل، ولم تُنشر مسوداته، ولم يُمنح القطاع وقت كافٍ للاستعداد له. توطين المهن الإدارية المساندة جاء ضمن مسار تراكمي واضح استمر لسنوات، في إطار إعادة تشكيل سوق العمل ورفع جودة الوظائف الإدارية. ومع ذلك، لا تزال بعض المنشآت تتحرك بعقلية “الاستجابة الطارئة”، بدل التخطيط المبكر والاستعداد التدريجي. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا تبدأ بعض المنشآت اليوم فقط في البحث العاجل عن كوادر وطنية لشغل هذه الوظائف؟ هل المشكلة فعلًا في غياب الكفاءات؟ أم في تأخر الاستعداد لها؟ وفي حال كان الرهان سابقًا على حلول مؤقتة أو وفورات قصيرة المدى، فأين كان دور إدارات الموارد البشرية في متابعة القرارات التنظيمية والاستعداد لها؟ وأين حضورها داخل منظومة اتخاذ القرار المؤسسي؟ لا يصح أن ننظر للتوطين وكأنه حملة توظيف سريعة. التوطين ممارسة ممتدة في إدارة الموارد البشرية، تتطلب قراءة مبكرة للاتجاهات التنظيمية، وبناء قواعد بيانات للمرشحين، وتخطيطًا تدريجيًا للإحلال، وتأهيلًا استباقيًا للكوادر الوطنية. المنشآت التي تعاملت مع التوطين بوصفه خيارًا استراتيجيًا لم تتفاجأ. كانت تتحرك بهدوء، وتستبدل تدريجيًا، وتؤهل مبكرًا، وتحافظ على مرونة كافية قبل لحظة التطبيق الإلزامي. أما المنشآت التي تتحرك اليوم على عجل، فهي تكشف فجوة أعمق في التخطيط، وضعفًا في قراءة اتجاهات السوق، وتأخرًا في حضور الموارد البشرية داخل القرار المؤسسي بوصفها شريكًا استراتيجيًا. والمقلق أكثر أن جزءًا من النقاش الدائر اليوم لا ينصرف إلى كيفية الاستعداد للتوطين، وإنما إلى البحث عن وسائل للالتفاف عليه، وهو ما يعكس استمرار النظر إلى التوطين باعتباره التزامًا رقابيًا مؤقتًا، وليس خيارًا إداريًا يرتبط بكفاءة التشغيل واستدامة المعرفة المؤسسية. لقد تغيّر سوق العمل السعودي خلال السنوات الأخيرة بصورة جوهرية. الكوادر الوطنية موجودة، والتخصصات متاحة، والخبرات الإدارية الشابة تتزايد بوتيرة متسارعة. لكن بعض المنشآت ما زالت تُدار بعقلية قديمة، وبإجراءات توظيف متخشبة، ومتطلبات شكلية يصعب أحيانًا تفسير استمرار التمسك بها رغم تغير السوق. والتوطين يكشف مستوى النضج الإداري داخل المنشآت، بقدر ما يكشف جاهزية السوق نفسه.