عام الذكاء الاصطناعي ..

رؤية مستقبلية لحياة تقودها الأنظمة الذكية.

قبل أيام شاهدت مقطعًا قديمًا بالأبيض والأسود، يعود إلى عام 1966 لمجموعة من الأطفال طُرح عليهم سؤال عن تصورهم للعالم في عام 2000. حملت إجابات هؤلاء الأطفال قدرًا لافتًا من الذكاء والنباهة. أحدهم تحدث عن عالم تُدار فيه حياة البشر بالأرقام والبيانات، وآخر توقع أن تؤدي التكنولوجيا إلى تقليص الحاجة إلى كثير من الوظائف. حتى إن أحدهم أشار إلى احتمال أن تتولى الروبوتات تنفيذ عدد من الأعمال التي يقوم بها الإنسان. هذه التنبؤات ليست جديدة، فقرأت مؤخرًا أن المخترع الشهير نيكولا تسلا تحدث في عشرينيات القرن الماضي عن مستقبل الاتصالات، وأشار إلى أن الإنسان سيحمل يومًا ما جهازًا صغيرًا في جيبه يستطيع من خلاله التواصل مع أي شخص في العالم. ما وصفه تسلا في ذلك الوقت كان أشبه بفكرة من أدب الخيال العلمي، لكنه اليوم يشبه إلى حد كبير الهاتف الذكي الذي أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. تلك الرؤية المبكرة تذكّرنا بأن بعض الأفكار تبدأ كتوقعات مستحيلة الحصول، ثم تتحول مع مرور الزمن إلى واقع ملموس. فمن كان يتوقع أن يظهر في أيامنا هذه ما يُسمّى بالذكاء الاصطناعي ليطرق أبواب أعمالنا، ويتسلل شيئًا فشيئًا إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى غدونا نتعامل معه كما نتعامل مع أي أداة مألوفة من حولنا. قبل سنوات قليلة فقط كان الحديث عنه يبدو أقرب إلى الخيال العلمي أو إلى توقعات بعيدة يصعب تصورها. وكثيرًا ما يتبادر إلى أذهان الناس اليوم ما يرونه في الإنترنت من صور أو مقاطع فيديو تُنشئها البرامج الذكية، أو محادثات تجري مع أنظمة رقمية على أنها تمثل مستقبل الذكاء الاصطناعي. ولكن هذا التصور لا يعكس حقيقة التحول الجاري؛ فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. وهنا يبرز مصطلح حديث أخذ يتردد في الأدبيات التقنية خلال السنوات الأخيرة، وهو الذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI). وقد تناولت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) هذا المفهوم في تقرير علمي صدر في يوليو 2025 بعنوان “الذكاء الاصطناعي التوكيلي: تقنياته وتطبيقاته الوطنية”. ليعرفه بأنه نظام رقمي مؤتمت يمتلك مجموعة من القدرات المتقدمة، من بينها إدراك البيئة المحيطة، وتحليل المعطيات، والتعلّم من التجربة، ثم اتخاذ القرار بناءً على أهداف محددة. فالمسألة ليست كما نتصورها اليوم في حدود تطبيق نفتح نافذته لنسأل سؤالًا فنحصل على جواب، أو أداة نتبادل معها الحديث فتزوّدنا ببعض المعلومات. الصورة الأوسع تشير إلى شيء مختلف تمامًا: أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى وكيل رقمي يعمل بالنيابة عنا. وكيل يستطيع أن يتابع المهام، وينجز الإجراءات، ويقدّم الطلبات، ويبحث عن الخيارات الأنسب، ثم يعرض النتائج أو ينفذها بعد موافقتنا. وقد سرّني كثيرًا الخبر الذي يفيد بأن السعودية خصصت العام الحالي (2026) عامًا للذكاء الاصطناعي؛ فهذه التقنيات أخذت تتطور لتصبح أنظمة قادرة على الإسهام في إدارة العمليات ورفع كفاءة الخدمات. ومن شأن هذا التحول أن يفتح آفاقًا واسعة لتغيير طريقة عمل المؤسسات، وتطوير الخدمات العامة، وتعزيز مسار الاقتصاد الرقمي في المرحلة المقبلة. ويعزز هذا التوجه من فرص دخول الوكلاء الرقميين المتقدمين إلى صميم الحياة في المستقبل القريب، حيث ستظهر ملامحهم تدريجيًا في الخدمات الحكومية المختلفة؛ فمنصات مثل ‘أبشر’ و’توكلنا’ مرشحة للتحول من دور المساعد التقليدي إلى “وكيل رقمي مستقل”، يمتلك القدرة على إتمام دورة الخدمة بالكامل؛ من تقديم الطلبات ومتابعة الموافقات إلى حجز المواعيد آلياً، موفراً إرشادات استباقية تُراعي تعليمات المستخدم وأولوياته على مدار الساعة. تخيل معي أن الخدمات المقدمة من الجهات الحكومية لن تستدعي منك الدخول المستمر للمنصات أو ملاحقة الطلبات، سيتحول وكيلك الرقمي إلى “سكرتير إداري” يدير شؤونك باحترافية كاملة؛ فلا تحمل هماً لتجديد هوية أو جواز سفر، سيقوم هو بمراقبة التواريخ وسداد الرسوم وتنسيق استلام الوثائق لتصل إلى باب بيتك دون طلب منك، وإذا رُصدت بحقك مخالفة مرورية غير مستحقة، فلن تضطر لفتح أيقونة الاعتراض، سيتولى وكيلك تحليل بياناتك وتقديم الاعتراضات اللازمة نيابة عنك حتى يسترد حقك في محفظتك الرقمية، وحتى في أصعب الإجراءات كرحلة بناء مسكنك، لن تتوه بين اشتراطات “بلدي” والمكاتب الهندسية، سيقوم مساعدك الرقمي بمطابقة المخططات مع الكود العمراني واستخراج الرخص وجدولة زيارات الفحص آلياً، وصولاً إلى تحوله لمرافق صحي ذكي يغوص في تفاصيل سجلاتك عبر منصة “صحتي”؛ فيحلل نتائج فحوصاتك ليرسم لك نمط حياة يتضمن وجبات ملائمة لحالتك البدنية، ويقدم لك إرشادات وقائية مخصصة، ويبادر بحجز موعد فحصك الدوري القادم في اللحظة التي يحتاجها جسمك فعلياً. قد تشعر أن هذا من وحي الخيال، ولكن الواقع يؤكد أن السعودية وبنيتها التحتية مهيأة بشكل كبير لتبني مثل هذه الأفكار وتحقيق هذا التحول الرقمي الاستثنائي. إقدامنا على تقديم هذا النوع من التقنية الحديثة يواجه تحديات جوهرية لا تخلو من أبعاد أخلاقية وتنظيمية كما ذكرها تقرير (سدايا) عن الذكاء الاصطناعي التوكيلي؛ فتأتينا المسؤولية القانونية؛ ففي حال اتخاذ الوكيل الرقمي قرارًا خاطئًا، تبرز إشكالية تحديد الطرف المسؤول عن تبعات هذا الخطأ، ولذا تُصمم هذه الأنظمة لتكفل بقاء العنصر البشري مشرفًا على القرارات المصيرية، مع القدرة على التدخل الفوري لضمان المراجعة وتدارك الأخطاء. وكذلك الثقة والأمان السيبراني؛ إذ إن منح الوكيل صلاحية الوصول إلى البيانات الحساسة أو المحافظ المالية يتطلب معايير تشفير فائقة وتدابير حماية متقدمة لضمان حصانة المعلومات ومنع استغلالها. ثم تكامل الأنظمة التقنية؛ فلكي يمارس الوكيل مهامه بكفاءة، يجب ربط مختلف القطاعات -كالبنوك والبريد والجهات الخدمية- عبر برمجيات موحدة تتيح تبادل البيانات وسلاسة الإجراءات. إعلان حكومتنا الرشيدة هذا العام عام للذكاء الاصطناعي ليس فقط للتذكير بهذه التقنية الحديثة، وإنما هو خطوة استراتيجية تبني مستقبل الخدمات وتحسنها، ليعيش المواطن تجربة ثرية في التعامل مع المنصات الإلكترونية. ففي المستقبل القريب، سيصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا حقيقيًا في تقديم الخدمات، يعزز الكفاءة، ويقرب المملكة خطوة كبيرة نحو رؤية وطنية رقمية متقدمة، تتكامل فيها البيانات، الأنظمة، والذكاء الاصطناعي لتحقيق خدمة أفضل لكل فرد في مجتمعنا.