فيلم «بيت من الديناميت»..

تحذير سينمائي من كارثة الحرب النووية ونهاية العالم.

‏ نشرت الكاتبة « ‏‏آني جاكوبسن‏‏» الحائزة على جائزة بوليتزر كتاب ‏‏«الحرب النووية» في عام 2024 رواية تمزج بين الخيال والعمل الاستقصائي، قام الصحفي (نوح أوبنهايم) في كتابة سيناريو لحدث ليس مستحيلا على الإطلاق حدوثه تجسد في فيلم «بيت من الديناميت» ويشكل العودة المنتظرة منذ زمن طويل ‏‏للمخرجة «كاثرين بيغلو»‏‏ بعد انقطاع ثمان سنوات ‏‏‏‏لم تخرج فيها ‏‏«كاثرين بيغلو‏‏» أي فيلم منذ عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه ‏‏فيلمها» ديترويت‏‏. وخلال ثمان السنوات تغيرت الكثير في عالم اقترب من حافة الهاوية. أولا، جائحة صدمت قبل كل شيء بالطريقة التي أظهرت بها كيف يمكن لظواهر تتجاوز القدرة الوقائية للإنسان أن تظل تحصد الملايين من البشر؟ ثم حرب دموية على عتبة أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، وإبادة شعب حي، (الشعب الفلسطيني) على يد إسرائيل، الذي كشف عن الازدواجية في المواقف الغربية. فيلم “بيت من الديناميت” يستكشف سيناريو أزمة نووية واتخاذ القرار في القيادة العليا للحكومة الأمريكية. يناقش المؤلف كيف ينقل الفيلم التوتر والعبثية في الموقف، مسلطا الضوء على إخراج بيغلو وتركيزها على هشاشة الحياة في مواجهة التهديد النووي. في بداية الفيلم، نجد أنفسنا في القاعدة العسكرية في فورت جريلي في ألاسكا، حيث يكشف عن وجود ‏‏صاروخ باليستي عابر للقارات‏‏ أثناء الطيران، كان في البداية يعتبر غير مؤذٍ لكنه اكتشف لاحقا أنه يتجه نحو مكان غير محدد في الولايات المتحدة خلال تسع عشرة دقيقة حتى الاصطدام، ملايين الضحايا المحتملين، ولا فكرة عن من “ضغط الزناد”؟ في تلك اللحظة، يجب على رئيس الولايات المتحدة والجيش والجهاز الحكومي بأكمله مواجهة ‏‏أكثر السيناريوهات رعبا‏‏ واتخاذ القرار في كيفية الرد عندما تكون هوية المعتدي مجهولة. من خلال ثلاث وجهات نظر مختلفة، يستعرض الفيلم الدقائق التي تسبق الهجوم الوشيك تقريبا في الوقت الحقيقي. لحظات من أقصى درجات التوتر حيث يجب على أبطالها التصرف بهدوء، الحفاظ على رباطة جأشهم واتباع الإجراءات الرسمية التي درسوها كثيرا لاتخاذ قرار مستنير وعقلاني، بدلا من اتخاذ قرار متهور وعاطفي. كل جزء من الثلاثية يسمح لنا أيضا باستكشاف الطرق المختلفة جدا التي يتفاعل بها كل فرد مع حالة الذعر. هناك من يركضون لتوديع أحبائهم، بينما يبدأ آخرون في التصرف بأنانية، ويضعون خير أنفسهم وعائلاتهم فوق الآخرين . خلال الجزء الأول من الفيلم، نراقب الأحداث تتكشف في موقعين. تدور القصة الأولى في معسكر عسكري يقع في ولاية ألاسكا، حيث سيتولى القائد دانيال غونزاليس (أنتوني راموس) وفريقه مهمة صعبة تتمثل في شن هجوم مضاد على الصاروخ لمنعه من الوصول إلى وجهته النهائية. السيناريو الثاني في غرفة العمليات داخل البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، حيث يجب على الكابتن أوليفيا ووكر (ريبيكا فيرغسون) تنظيم التواصل بين أعضاء الحكومة المختلفين مع مراجعة المعلومات الواردة من وزارة الأمن الداخلي بالتفصيل. بعد ذلك، يأخذنا “بيت الديناميت” إلى مركز قيادة وزارة الدفاع برئاسة الجنرال أنتوني برادي (تريسي ليتس)، وإلى مكتب وزير الدفاع الذي يلعب دوره جاريد هاريس، وإلى ملعب كرة السلة حيث يشارك رئيس الولايات المتحدة في حدث رياضي للأطفال. جميع الأطراف متفقة وكل منهم يقوم بعمل كفء، بما في ذلك غابرييل باسو كمستشار للأمن القومي وغريتا لي كخبيرة في الشؤون الجيوسياسية في المنطقة الآسيوية. ومع ذلك، هناك العديد من الشخصيات، ونتعرف عليهم لفترة قصيرة، لذا من المستحيل الاندماج مع بعض صراعاتهم الشخصية للغاية. يحاول موظفو البيت الأبيض اعتراض الصاروخ بشكل محموم، وإذا فشل، يجب عليهم أن يقرروا ما إذا لم يردوا بالمثل؟ مما يضحي فعليا بمدينة أمريكية بها ملايين الأرواح ويخاطر بإرضاء المعتدي، أم يشن ردا انتقاميا ويخاطر بحرب عالمية ثالثة. أو حتى تراهن أن الصاروخ لن ينفجر. ولا يستطيعون تحديد ما إذا كان هذا إطلاقا غير مصرح به من الكوريين الشماليين أم قوة نووية أخرى، ولد من يأس متعصب لم يتوقعه أحد. هذا الغموض، هذه الفوضى التي تعمل خارج التقليد المفهوم منذ زمن طويل للتدمير المتبادل المؤكد بين جانبين، هو ما يقترح الفيلم أنه سيكون أصل حرب جديدة . يقدم فيلم “بيت من الديناميت” سيناريو واقعيا لأزمة نووية في البيت الأبيض. تركز الحبكة على العشرين دقيقة الحاسمة قبل أن يصيب صاروخ نووي الأراضي الأمريكية. يستكشف الفيلم عبثية الحرب وهشاشة الحياة في مواجهة التهديد النووي. المخرجة” كاثرين بيغلو” مع كاتب السيناريو “نوح أوبنهايم”، يتناولان واحدة من أكثر الأفكار رعبا وهي أن الحرب النووية يمكن أن تبدأ، أو بالأحرى ستبدأ، دون أن يعرف أحد من بدأها أو من سينهيها، وكذلك نقد بيغلو لوهم الحماية الذي تقدمه الحكومة الأمريكية. يبدأ فيلم “بيت الديناميت” دون ضجة حين يكتشف رادار عسكري صاروخاً عابرا للقارات متجها نحو الولايات المتحدة. لا يوجد إعلان حرب، مجرد نقطة في السماء تتحرك بسرعة كبيرة، في أقل من عشرين دقيقة، تواجه الحكومة الأمريكية مفترق طرق غير مسبوق، هجوم نووي محتمل دون وجود مرتكب واضح. تتكشف القصة في ثلاثة خطوط زمنية متوازية، تظهر نفس الثمانية عشرة دقيقة من فضاءات قوة مختلفة. من الناحية الموضوعية، فيلم “بيت من الديناميت” ‏‏هو فيلم عن الحاضر، وليس المستقبل‏‏. فكرة إعادة الزمن ثلاث مرات ليست غريبة، إنها الطريقة لإثبات أن ‏‏الموضوعية غير موجودة‏‏. يُعرف الفيلم المشاهدَ بالمفارقة كلما عرفت أكثر عن النظام، كلما رأيت شقوقه أكثر. يكشف الفيلم تشاؤم المخرجة” بيغلو” التي تحذر من أن الأمر مسألة وقت فقط قبل أن يحدث سيناريو أزمة نووية، وأنه عندما يحدث ذلك، لن يعيش معظم الناس ليحكوا القصة. هذا يعكس رؤية قاتمة للمستقبل وقدرة البشرية على تجنب التدمير الذاتي. يجب على المكتب البيضاوي أن يقرر، بمعلومات غير مكتملة، ما إذا كان سيرد وضد من؟ جسد الممثل “ إدريس إلبا “دور الرئيس، الذي، مثل جورج دبليو بوش الذي عَلم عن أحداث 11 سبتمبر عند زيارته لروضة أطفال، في الفيلم يتلقى الرئيس “ إدريس إلبا “خبر الصاروخ بينما يعرض بفرح تسديدات كرة السلة أمام طلاب المدرسة الثانوية. لذا فإن الرئيس “أدريس إلبا “ ليس بطلا ولا جبانا، بل هو رجل يزن الكلمات والعواقب، ويسأل مستشاريه ونفسه، مدركا أن الإجابة الصحيحة غير موجودة. المخرجة “ كاثرين بيغلو” توضح الفكرة ذلك بتفصيل رائع: الصاروخ لا يأتي من قوة عظمى، بل من مصدر غير متوقع، مما يذكرنا بأن التهديد لم يعد له وجه، بل نظام بيئي، في العلاقات الدولية، يعد هذا التوتر بين الحكمة والمصداقية من أكثر التوترات دراسة. الردع الفعال يتطلب ليس فقط القدرة العسكرية، بل سمعة الإرادة السياسية للتحرك، حتى لو كان الخطر هائلا. “بيت من الديناميت” لا يسعى لتقديم الأمل، بل مرآة لواقع مضطرب. من وجهة نظر العلاقات الدولية، هو تحذير قاس من هشاشة البنية النووية العالمية والدور الحاسم – وأحيانا الفردي – للقادة السياسيين في مواجهة أنظمة معقدة جدا ولا يمكن فهمها بالكامل. تتمكن بيغلو من تحويل إثارة عسكرية إلى درس في الجغرافيا السياسية والسلطة والمسؤولية الأخلاقية. إنه فيلم يجعلك تشعر بعدم الارتياح لأنه يبدو ممكنا، بل ومحتمل الحدوث. يركز الفيلم على كيفية اتخاذ القرارات في وقت محدود، عندما يجبر جميع الأبطال على مواجهة خيارات حتمية. تنقسم السردية إلى ثلاث وجهات نظر مختلفة، كل منها يتوافق مع مستوى مميز من السلطة: الرئيس، والجيش، والمدنيين. كل منهم يعتقد أنه يستطيع إدارة الوضع والسيطرة عليه بشكل مختلف، لكن اختلاف وجهات النظر يزيد من التوتر. الفيلم بأكمله سباق مع الزمن: ليس الزمن مجرد قيود، بل التهديد نفسه. كل دقيقة تمر تولد شعورا متزايدا بالاختناق، ينتهي بحالة من السكون الخانق الذي يحيط بالشخصيات والمشاهدين. ‏ ‏محور أساسي آخر في “‏‏بيت الديناميت‏‏” وهي‏‏ السويدية “ريبيكا فيرغسون” التي تجسد شخصية الكابتن أوليفيا ووكر بوضوح وحزم، ترسم فيرغسون صورة للانضباط لا تستبعد الخوف. ‏‏الجنرال “أنتوني برادي” الذي يناظر الجنرال” كيرتس ليماي” في الحرب الباردة، الذي يدعو إلى ضربة مضادة استباقية فورية قبل وصول الصاروخ. “جاريد هاريس” هو وزير الدفاع “ريد بيكر” الذي يدرك أن ابنته، التي انفصل عنها تعيش في شيكاغو المهددة بالضربة. يلعب “غابرييل باسو” دور المستشار الشاب الذكي والعصبي في وكالة الأمن القومي”جيك بايرينغتون”. “بيت من ديناميت”‏‏ أكثر من مجرد ‏‏إثارة‏‏، إنها دراما كابوسية مصممة بإتقان، عمل يظل ‏‏مخيفا بقدر ما هو مقنع‏‏. الفيلم لا يكرر فقط أن الأسلحة النووية مخيفة، بل يفعل ذلك بمهارة إخراجية ‏‏وبناء تشويق‏‏ يجعله تجربة حسية لا تنسى. إنه دليل على ‏‏عودة المخرجة” كاثرين بيغلو” بقوة‏‏، مقدمة قصة تحذيرية “بشكل رائع”.‏ بأسلوبها الرصين والوثائقي، تحول المخرجة الحرب النووية – وهو موضوع كلاسيكي في السينما السياسية – إلى مرآة معاصرة للبيروقراطية والتكنولوجيا والخوف من الخطأ. مع غموض المعتدي والجهات الفاعلة، يصل الصاروخ دون تحديد مباشر الجهة المرسلة. روسيا؟ كوريا الشمالية؟ مجموعة لديها وصول إلى التكنولوجيا العسكرية؟ يشير الفيلم إلى أن عالم اليوم متعدد الأقطاب قد طمس الحدود بين “العدو” و”الحليف”. كما يوضح الفيلم أن السلطة التنفيذية التي تقع تحت الضغط، سلطة اتخاذ القرار، تكمن في شخصية واحدة هي “الرئيس”. هذا التركيز المطلق للسلطة النووية صحيح ويثير أسئلة سياسية عميقة. في النهاية، يعد “بيت الديناميت” ‏‏تحذيراً سينمائياً، قصة مثيرة تختبر الأعصاب والضمير، وتذكرنا بمدى هشاشة وهم السيطرة عندما يطرق التاريخ بقبضة مشدودة.‏ هذا هو العالم الذي ينتمي لأولئك الذين يتبعون المنطق “التسليح” في لحظة تاريخية من الارتباك الشامل، يبدو أن البشرية فقدت معرفتها بالحقائق وتعمل يوميا لتحقيق انهيارها الخاص. ‏الإبادة، الحروب النووية، التهديد الذري، الإبادة الجماعية، التدريبات الباليستية، المجاعة، جرائم الحرب، إعادة التسلح: مصطلحات تمثل التهديد بنهاية العالم . فيلم “بيغلو “ لا يعكس سيناريو بعيد عن الحدوث، في مستقبل يصعب تبريره، لكنه يتحدث عن ‏‏ “الحاضر” الذي قد يحدث في أي لحظة ‏‏ولسنا مستعدين له‏‏. ‏*كاتب عراقي