سؤال الأخلاق والإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي.
إن البحث عن الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي بات أمرا مقلقا، خصوصا بعد تفاقم النزعة التسيدية للآلة، وهذا التغول هو ما سمح بفتح النقاش من جديد في معنى أن تكون إنسانا في زمن التقنية الذكية، ولتعميق النقاش في هذا الطرح نستحضر مجموعة من الأعمال التي طرحت هذه القضية للنقاش من وجهة نظر أخلاقية، وذلك بهدف الوقوف عند الإشكالات الحقيقية التي تعترض إنسانية الإنسان. يستعرض ماكس تيغمارك في كتابه: “الحياة 3.0: أن تكون إنسانًا في عصر الذكاء الاصطناعي”(1) جملة من التحديات المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الإنسانية، فمعنى أن تكون إنسانا في عصر الذكاء الاصطناعي يتوقف على تحقيق أكبر قدر من الاستفادة من التكنولوجيا وتقليل مخاطرها المحتملة؛ لذا فالكتاب ينفتح على المستقبل قصد إيجاد الحلول ومسايرة التغيرات التقنية، من قبيل التأثير على الهوية البشرية والقيم الإنسانية، وبما أنّ التغيير قد يلحق جوانب الحياة المختلفة يقترح المؤلف تضافر الجهود والتعاون المشترك لتحقيق الأمان، عن طريق ضمان توافق الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية والتعامل مع التحديات الأخلاقية المتعددة التي يمكن أن يطرحها في المستقبل. ومن جهة أخرى يستعرض كتاب “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: دليل للمشوشين” لمؤلفه هيو ج. ويليامز (2) أساسيات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وأهم المفاهيم المكونة لها، ويقدم كيفيات تنزيلها لحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، فضلا عن المشاكل المرتبطة بالتمييز والتحيز، لذلك أشار الكتاب إلى المسؤولية التي ينبغي أن يتحلى بها كل من المطورين وصناع السياسات لتقليل المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، كما ناقش مجموعة من التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بهذه التكنولوجيا؛ في التعليم، والعمل، والبطالة، والتفاوت الطبقي، ونبه إلى بعض الإرشادات والمبادئ التي يمكن أن تساعد في توجيه وتطوير تطبيقات وأنظمة الذكاء الاصطناعي من زاوية أخلاقية. بينما حاول كتاب “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: التحديات والفرص” لـلينا م. فلاناغان (3) تقديم إطار شامل للقضايا الأخلاقية المختلفة التي يفرزها الذكاء الاصطناعي، انطلاقا من التحديات المطروحة والمتوقع طرحها؛ حيث تناول مسألة الخصوصية والأمان في ظل انتهاك المعلومات الشخصية من قبل التقنيات المتقدمة، وتطرق لمسألة الإنصاف والتحيز التي تطرحها الخوارزميات بناء على خلفية المطور والمبرمج، ثم ناقش مسألة الشفافية والمساءلة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وعلى العموم فالكتاب طرح مجموعة من الضوابط الأخلاقية في علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي؛ كالتنظيم والتوجيه، والابتكار المسؤول، وضوابط التعامل بين البشري والآلي، وانعكاس ذلك كله على المجتمع. أما كتاب “الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات: أفق جديد” لماركوس ب. لانجر (4) فقد تناول قضية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي عن طريق دراسة بعض الحالات التي توضح كيفية تطبيق القيم الأخلاقية في تصميم وتطوير الأنظمة الذكية في مجالات متنوعة، كالصحة والنقل؛ حيث يتمثل هدفه الأساس في تقديم فهم شامل لحجم التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، انطلاقا من وعي تام بالتقاطعات بين كل من الأنظمة الذكية وحقل الأخلاقيات، لذلك قدم مجموعة من الرؤى لتطوير السياسات الأخلاقية المؤطرة للذكاء الاصطناعي. ويمكن أن نختم بكتاب “التنقل في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: المبادئ والممارسات للعالم الحديث” لسامانثا ج. غرين (5) الذي تطرق لجملة من المبادئ الأساسية التي يجب الأخذ بها في تطوير أنظمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل الشفافية، والعدالة، والمساءلة، كما قدم إضافة نوعية تتمثل في كيفية بناء الأنظمة الذكية لقرارات أخلاقية، وناقش مسألة تحديد معايير الأداء الأخلاقي، والأدوات والتقنيات الكفيلة بضمان استخدام أمثل للذكاء الاصطناعي، وتقييمها أيضا أخلاقيا بهدف وقايتها من مخاطر التحيز وضمان الأمان والخصوصية. إنّ هذه الكتب تتناول في جوهرها وضع إطار أخلاقي ينظم الذكاء الاصطناعي، ولا تكاد تخرج المبادئ المسطرة فيها عن : المساءلة والمسؤولية، الشفافية، المساواة وعدم التحيز، التوازن، بينما هذا البحث يهتم بطرق مسألة أخرى في غاية الأهمية وهي تخليق التقنية التقية، أي أنه يسعى إلى تجاوز الآلة الذكية التي تفرز تحديات جمة، من شأنها التأثير على الإنسان والمجتمع، والوصول إلى نسخة أكثر تخلقا من الذكاء الاصطناعي، والتي تتمثل في التقنية التقية، وهذه المهمة تحتاج إلى أمرين اثنين: فأما أولهما فيرتبط بالمسألة التقنية، أي كيفية إدخال الأخلاق ودمجها في الآلة الذكية، والثاني يرتبط بالقيم الكونية التي ينبغي الأخذ بها، ومن المؤهل لوضعها، لأنّ القيم يتداخل فيها ما هو ديني بما هو اجتماعي بما هو ثقافي؛ لذا يبقى سؤال الإطار المرجعي المؤهل للقيام بعملية التخليق مطروحا بقوة في سياق البحث عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والبحث عن إنسانية الإنسان من جديد. (1) انظر: Life 3.0: Being Human in the Age of Artificial Intelligence”, Max Tegmark, Alfred A. Knopf, House LLC, New York, 2017. (2) انظر: AI Ethics: A Guide for the Perplexed, Hugh J. Williams, Cambridge University Press, 2024. (3) انظر: Ethics of Artificial Intelligence: Challenges and Opportunities – Lena M. Flanagan, Oxford University Press, 2024. (4) انظر: Artificial Intelligence and Ethics: A New Frontier – Markus B. Langer, Springer, 2024. (5) انظر: Navigating AI Ethics: Principles and Practices for the Modern World, Samantha J. Green, MIT Press, 2024. *أستاذ بجامعة الحسن الثاني، المملكة المغربية.