الإعلام الثقافي ودوره في تشكيل الوعي المجتمعي.

الإعلام أحد أبرز الأدوات المؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الصورة الذهنية للمجتمعات، وهو شريك أساسي في بناء القطاع الثقافي وتعزيز حضوره محليًا وعالميًا. فالثقافة لا تزدهر بمعزل عن الإعلام، بل تحتاج إلى منصات قادرة على تقديمها، تفسيرها، وإيصالها إلى المجتمع بصورة واعية وجذابة تواكب المتغيرات وتستند في الوقت ذاته إلى الجذور والهوية. ومع تسارع الإيقاع العالمي وتبدل أنماط التلقي والتواصل لم تعد الثقافة مفهومًا نخبويًا محصورًا في الأوساط الأكاديمية أو الفنية، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في التنمية وأداة من أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها الدول للتأثير الإيجابي وبناء جسور التواصل مع الشعوب الأخرى. وهنا يبرز الدور المحوري للإعلام في تحويل الثقافة من محتوى جامد إلى خطاب حي قادر على التأثير والإقناع وإلهام المجتمع. يؤدي الإعلام الثقافي دورًا محوريًا في تعزيز الهوية الوطنية من خلال إبراز الموروث الثقافي والفنون، والآثار، والعادات والتقاليد، واللغة، والعمارة، وكل ما يشكل الذاكرة الجمعية للمجتمع. وعندما يقدم هذا المحتوى بأسلوب احترافي ومعاصر قائم على السرد والتحليل فإنه يعزز شعور الانتماء والاعتزاز بالهوية خاصة لدى فئة الشباب التي تعد الأكثر تفاعلًا مع الخطاب الإعلامي. كما يسهم الإعلام في دعم القطاع الثقافي عبر التعريف بالمبادرات والمشاريع الثقافية وتقديم نماذج للمؤسسات غير الربحية والبرامج المجتمعية والمواهب الوطنية بما يخلق بيئة حاضنة للإبداع ويشجع المشاركة المجتمعية في الشأن الثقافي. فالإعلام لا يقتصر دوره على النقل، بل يتجاوز ذلك ليصبح شريكًا في صناعة الأثر الثقافي عندما يمنح هذه الجهود مساحة للحضور والتفاعل والنقاش. وتبرز هنا الحاجة إلى إعلام ثقافي واعٍ يتجاوز التناول الموسمي أو التغطية السريعة ويتجه نحو بناء محتوى مستدام يعكس العمق الثقافي للمجتمع ويتقاطع مع مستهدفات التنمية الثقافية. فالترويج للثقافة لا يعني فقط الاحتفاء بالماضي، بل يتطلب إعادة تقديمه بلغة الحاضر وربطه بحياة الأفراد، واستشراف آفاقه المستقبلية. إن ترسيخ الاعتزاز بالهوية الثقافية داخل المجتمع يبدأ من الإعلام حين يرى الفرد ثقافته ممثلة بصورة إيجابية وقريبة من واقعه ومتصلة بتفاصيل حياته اليومية، فإنه يتبناها ويدافع عنها وينقلها للأجيال القادمة. وهنا تتجلى الثقافة كقوة ناعمة حقيقية قادرة على التأثير دون فرض وبناء القناعة دون صدام وصياغة صورة حضارية تعكس أصالة المجتمع وتطوره في آنٍ واحد. وفي السياق السعودي يشكل الإعلام الثقافي ركيزة أساسية في إبراز التنوع الثقافي الغني الذي تزخر به المملكة وتقديم إرثها التاريخي والحضاري بصيغة معاصرة بما ينسجم مع التوجهات الوطنية التي ترى في الثقافة عنصرًا فاعلًا في جودة الحياة والاقتصاد الإبداعي. ويتطلب ذلك تكاملًا بين الإعلاميين والمثقفين والمؤسسات الثقافية لصياغة خطاب ثقافي مؤثر يعكس الهوية الوطنية ويعزز حضورها إقليميًا وعالميًا. ختامًا يمكن القول إن الإعلام ليس مجرد وسيط ينقل الثقافة، بل أداة تسهم في تشكيلها وإعادة تقديمها في الوعي المجتمعي. وكلما كان الإعلام أكثر وعيًا بدوره الثقافي وأكثر التصاقًا بالهوية والقيم أصبح تأثيره أعمق وأبقى وأسهم في بناء مجتمع يعتز بثقافته ويدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل قوة ناعمة تصنع الحاضر وتؤسس للمستقبل. * مؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة هويتنا غير الربحية