لم يكن حضور المرأة السعودية في المجال العام حدثًا طارئًا في تاريخ المملكة، لكنه خلال السنوات التسع الماضية شهد تحولًا نوعيًا متسارعًا نقل هذا الحضور من دائرة المشاركة المحدودة إلى فضاء القيادة والتأثير. ففي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، وبرعاية وتوجيهات محمد بن سلمان، برزت المرأة السعودية شريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية، حاضرةً في مواقع القرار، ومؤثرةً في الاقتصاد والثقافة والمعرفة والرياضة والعمل المجتمعي. هذه الرحلة، التي تمتد من توسيع فرص المشاركة إلى ترسيخ أدوار القيادة، لم تكن مجرد سلسلة من القرارات والتشريعات، بل قصة تمكينٍ متكاملة أعادت رسم حضور المرأة في المجتمع، وفتحت أمامها آفاقًا جديدة لصناعة المستقبل والمساهمة في بناء نموذج تنموي أكثر حيوية وتوازنًا. تمكين وريادة وإنجاز شهد ملف تمكين المرأة السعودية تحولًا نوعيًا خلال السنوات التسع الماضية، وهو تحول يمكن رصده بوضوح في الأرقام والمؤشرات الرسمية لسوق العمل. فقبل إطلاق رؤية السعودية 2030 عام 2016، كانت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل محدودة نسبيًا؛ إذ لم تتجاوز نحو 17%، وكانت الفرص الوظيفية المتاحة للنساء أقل تنوعًا، كما ظل حضورهن في مواقع القيادة والقطاعات الاقتصادية المختلفة في نطاق ضيق. غير أن مسار التحول بدأ يتشكل بوضوح مع إطلاق الرؤية وما رافقها من إصلاحات اقتصادية واجتماعية بقيادة سمو ولي العهد محمد بن سلمان، حيث أخذت مؤشرات التغيير في الظهور تدريجيًا، فارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى نحو 20.9% في عام 2017، ثم واصلت الصعود خلال السنوات التالية مع توسع فرص العمل وفتح مجالات مهنية جديدة أمام السعوديات. وقد تسارعت وتيرة هذا التحول بصورة لافتة، إذ تجاوزت نسبة مشاركة المرأة 30% بحلول عام 2020، وهو الهدف الذي كانت الرؤية تستهدف بلوغه في عام 2030، ما يعني تحقيقه قبل الموعد بعقد كامل. واستمر النمو في الأعوام اللاحقة، حتى وصلت نسبة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل إلى نحو 36% في عام 2024، فيما سجلت بيانات سوق العمل للربع الأول من 2025 نحو 36.3%، وهو ما يعكس تضاعف حضور المرأة الاقتصادي تقريبًا خلال أقل من عقد. ولم يقتصر هذا التحول على حجم المشاركة في سوق العمل فحسب، بل امتد إلى طبيعة الأدوار التي تشغلها المرأة داخل المؤسسات. فقد ارتفع حضور النساء في المناصب القيادية والإدارية داخل الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إذ تشير البيانات إلى وجود أكثر من 78 ألف امرأة في مواقع الإدارة العليا بحلول عام 2024، فيما بلغت نسبة تمثيل النساء في بعض المناصب القيادية المتوسطة والعليا نحو 43.8%، وهو مؤشر يعكس انتقال المرأة من مرحلة المشاركة إلى موقع التأثير في صنع القرار المؤسسي. كما برزت المرأة السعودية بقوة في مجال ريادة الأعمال، حيث تجاوز عدد سيدات الأعمال المسجلات في المملكة 551 ألف سيدة أعمال، إلى جانب مئات الآلاف من السعوديات اللاتي دخلن مجالات العمل الحر عبر وثائق العمل الحر التي أطلقتها البرامج الحكومية لدعم الاقتصاد الجديد. وفي السياق ذاته، توسع حضور المرأة في قطاعات اقتصادية لم تكن تقليديًا من مجالات عملها، مثل السياحة والتقنية والطيران والخدمات الحديثة، حيث يعمل اليوم أكثر من 111 ألف امرأة في القطاع السياحي وحده. وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن القطاع الخاص أضاف خلال السنوات الأخيرة مئات الآلاف من الوظائف للسعوديات، في ظل حزمة واسعة من السياسات والبرامج الوطنية التي ركزت على تحسين بيئة العمل، وتوسيع فرص التدريب والتأهيل، ودعم التوازن بين الحياة المهنية والأسرية. الصحة والتمكين العلمي في سياق التحولات التي شهدتها المملكة في تمكين المرأة خلال السنوات الأخيرة، تتحدث د. ندى عبدالله الزنيدي، دكتوراه في تغذية الإنسان وعضو الجمعية السعودية للغذاء والتغذية، عن انعكاس هذا التمكين على البحث العلمي والصحة العامة، حيث ترى أن السنوات التسع الماضية شهدت تحولًا نوعيًا في حضور المرأة السعودية، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على المشاركة، بل امتد إلى أدوار أكثر تأثيرًا في البحث العلمي وصناعة المعرفة. وتشير إلى أن هذا التحول انعكس في تنامي الاهتمام بالبحوث المرتبطة بصحة المرأة والتغذية الوقائية وصحة الأسرة والمجتمع، في ظل السياسات الوطنية التي تعزز أنماط الحياة الصحية وتسهم في تحسين جودة الحياة. وتضيف أن هذه المرحلة أتاحت فرصًا أوسع للباحثات السعوديات للمشاركة في المشاريع البحثية والمبادرات الصحية التي تعالج قضايا تمس صحة المرأة والأسرة، كما أصبح حضور المرأة في الفرق البحثية والبرامج العلمية أكثر تأثيرًا، سواء في إنتاج المعرفة أو في تحويل نتائج الأبحاث إلى مبادرات تطبيقية تدعم الصحة العامة. وتؤكد الزنيدي أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من حضور البحث العلمي في دعم السياسات الصحية الوطنية وتعزيز الوعي الغذائي، بما يسهم في تحسين جودة حياة المرأة ويواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تمكين الكفاءات الوطنية والارتقاء بجودة الحياة. ملامح التحول الفني في ظل التحولات الثقافية التي تشهدها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030، اتسعت مساحة حضور المرأة السعودية في الفنون التشكيلية، لتنتقل من محاولات فردية متفرقة إلى حضور مؤسسي فاعل يسهم في تشكيل المشهد البصري الوطني. في هذا الجانب تقول د. هناء راشد الشبلي، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية: "لا شك أن التحول الثقافي الذي شهدته المملكة خلال الأعوام الأخيرة أحدث نقلة نوعية في مساحة التعبير الفني لدى المرأة السعودية فقد انتقل حضورها من الاجتهادات الفردية المحدودة إلى مشاركة مؤسسية فاعلة ومدعومة ببنية تشريعية وتنظيمية واضحة وبفرص عرض وتمكين وتدريب غير مسبوقة وهذا التحول لم يمنح الفنانة التشكيلية السعودية مساحة أوسع للتعبير فحسب، بل عزّز ثقتها بدورها بوصفها شريكًا في صياغة المشهد البصري الوطني مقارنة بما قبل تسع سنوات، أستطيع التأكيد إن البيئة الفنية اليوم أكثر احتواء ودعما لها سواء عبر المبادرات الثقافية المتخصصة أو من خلال الحراك المتسارع للمعارض والملتقيات أو عبر انفتاح المجتمع وتنامي الوعي بأهمية الفنون ضمن جودة الحياة". وتضيف: "كما أن انسجام القطاع الثقافي مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 أوجد مسارات احترافية واضحة للفنانات التشكيليات السعوديات، وفتح آفاقا للاستدامة والإسهام الاقتصادي"، وعن تجربتها الشخصية تقول: "بصفتي فنانة تشكيلية من الجيل الثالث وأتقلد منصب رئيس مجلس إدارة جمعية تختص بالفنون التشكيلية ومراقبة لمراحل الفنون التشكيلية بالمملكة فأني أرى أن الفن النسائي السعودي اليوم يسهم بوعي عميق في تمثيل الهوية الوطنية، ليس من خلال استدعاء الرموز التراثية فحسب، بل عبر قراءة معاصرة للذاكرة والمكان والتحولات الاجتماعية وهناك أسماء فنية تمثلنا محليا وعالميا بصورة جيدة وتقدم فن بصري راقي يعكس روح المرحلة التي نعاصرها ويوازن بين الأصالة والتجديد، وتقديم صورة حضارية للمملكة في الداخل والخارج". التمكين ونشر المعرفة تبرز المؤسسات الأكاديمية والمعرفية بوصفها أحد المسارات الحيوية التي انتقلت فيها المرأة من دائرة المشاركة إلى فضاء التأثير وصناعة المعرفة. وفي هذا الإطار تتحدث الأستاذة ريم غازي الصالح، مديرة العلاقات العامة والإعلام ورئيس وحدة التطوير والجودة والسلامة المهنية في دار جامعة الملك سعود للنشر، عن التحولات التي شهدها النشر الأكاديمي ودور المرأة في المشهد المعرفي، حيث ترى أن النشر الأكاديمي شكّل ركيزة حقيقية في مسار التحول المعرفي خلال السنوات التسع الماضية، فقد أتاح منصات علمية موثوقة مكنت المرأة السعودية من الانتقال من دور المتلقية إلى دور المنتجة والمؤثرة في المعرفة. وتشير إلى أن مشاركة الباحثات توسعت في مجالات التأليف والتحكيم العلمي وإدارة المشاريع البحثية، وأصبحن جزءاً فاعلاً في صياغة الخطاب العلمي على المستوى الوطني. وتضيف أن "تطوير سياسات البحث ودعم النشر أسهم في رفع جودة المخرجات العلمية وتعزيز حضور الباحثات في المجلات المحكمة والمؤتمرات المتخصصة، مؤكدة أن هذا الحراك لم ينعكس على الأفراد فحسب، بل أسهم أيضاً في ترسيخ اقتصاد معرفي أكثر تنوعاً وشمولاً". وعن التحولات التي لمستها في طموح الطالبات السعوديات، تقول إن "التغير الأوضح يتمثل في ارتفاع سقف الطموح واتساع الخيارات، إذ لم تعد التخصصات العلمية والتقنية مسارات محدودة، بل أصبحت خياراً رئيسياً تتجه إليه الطالبات بثقة وقناعة". وتضيف أن "هناك وعيًا متزايدًا بأهمية البحث العلمي والابتكار وربط الدراسة بالفرص المهنية المستقبلية، كما يظهر اهتمام ملحوظ بالمجالات المتقدمة مثل التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال". وتؤكد الصالح أن "التمكين الأكاديمي انعكس بصورة واضحة على البيئة الجامعية، حيث أصبح حضور المرأة في المواقع الأكاديمية والقيادية أكثر اتساعًا، مما عزز ثقافة تقوم على الكفاءة وتكافؤ الفرص". وتشير إلى أن هذا الحضور أسهم في إيجاد نماذج ملهمة للطالبات ودعم بيئة تعليمية أكثر احترافية وتنافسية، كما ساعد في رفع مستوى الإنتاج العلمي وتحسين جودة البرامج الأكاديمية. المرأة وصناعة التحول عن تجربة المرأة السعودية اليوم بين اتساع الفرص واتساع الطموح، تتحدث يارا عصام العسالي، مستشارة الأمراض الوراثية، فتقول إن السنوات التسع الماضية شكّلت مرحلة مفصلية في مسيرة المرأة السعودية، مؤكدة أن ما حدث لم يكن مجرد زيادة في الفرص، بل تحوّل حقيقي في النظرة إلى دور المرأة وقدرتها على المشاركة الفاعلة في مختلف القطاعات العلمية والقيادية. وتشير إلى أن المرأة السعودية أصبحت اليوم حاضرة في مجالات كانت في السابق محدودة الوصول، مثل البحث العلمي والتخصصات الطبية الدقيقة والتقنيات الحيوية، وهو ما يعكس ثقة الدولة بقدراتها واستثمارها في طاقاتها. وتؤكد العسالي أن سياسات تمكين المرأة تركت أثرًا عميقًا، ليس فقط على مستوى المشاركة المهنية، بل أيضًا في تعزيز الثقة بالنفس والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، حيث أصبحت المرأة أكثر حضورًا وتأثيرًا في تطوير القطاعات المختلفة والمشاركة في صنع القرار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دورها الأسري. وتختتم برسالة للفتيات السعوديات تدعوهن فيها إلى استثمار هذه المرحلة بما تحمله من فرص واسعة، مؤكدة أن الطريق أصبح أكثر اتساعًا، وأن المستقبل مليء بالمجالات التي تنتظر عقولًا شابة وطموحة، شرط الاجتهاد والسعي المستمر إلى التعلم والتطوير. الحضور في الفضاء الرقمي تتحدث نجوى فارس العتيبي، باحثة دكتوراة اجتماعية ومؤثرة في وسائل التواصل الاجتماعي، عن انعكاس هذه المرحلة على حضور المرأة السعودية في الفضاء الرقمي وصناعة المحتوى، حيث ترى أن حضور المرأة السعودية في منصات التواصل الاجتماعي تطور بشكل واضح خلال السنوات الماضية، وأصبح أكثر نضجًا وتأثيرًا. وتشير إلى أن التحولات التي شهدتها المملكة وإتاحة الفرص الأوسع للمرأة انعكست على مشاركتها في صناعة المحتوى الرقمي، حيث برزت نماذج نسائية ناجحة تقدم تجارب معرفية ومهنية ملهمة، وهو ما يعزز طموح الأجيال الجديدة ويحفزها على التعلم والتطوير. وتؤكد أن منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في إبراز قصص نجاح المرأة السعودية عبر عرض التجارب الشخصية والمهنية بصورة مباشرة وقريبة من المتابعين، الأمر الذي جعل هذه النماذج أكثر انتشارًا وتأثيرًا، كما أسهم في تشكيل صورة ذهنية إيجابية ومحفزة لدى الشباب. وتضيف أن المسؤولية التي تقع على عاتق صانعات المحتوى اليوم كبيرة، لأن حضورهن في الفضاء الرقمي يمثل المجتمع وقيمه. وترى أن قيمة المحتوى لا تقاس بعدد المتابعين بقدر ما تقاس بالأثر الذي يتركه في حياة الناس، داعية إلى تقديم محتوى واعٍ ومتزن يسهم في نشر المعرفة وتعزيز الطموح لدى الشباب والفتيات. المرأة والتعليم والتنمية ترى د. سهى السليمان أن السنوات التسع الماضية شهدت تحولاً نوعياً في حضور المرأة السعودية في مجالي التعليم والعمل، مدفوعاً بإصلاحات واسعة ضمن رؤية السعودية 2030، حيث توسعت مشاركتها في التخصصات العلمية والمجالات القيادية، وارتفعت نسبة دخولها إلى سوق العمل بشكل ملحوظ. وتشير إلى أن هذا التحول انعكس بوضوح داخل البيئة الجامعية، إذ أصبحت الطالبة السعودية أكثر طموحاً ووعياً بفرصها المستقبلية، ولم يعد هدفها يقتصر على نيل الدرجة العلمية، بل يتجه نحو التميز البحثي والمشاركة في المبادرات والأنشطة القيادية، ما يعزز ثقتها بقدرتها على المنافسة والابتكار. وتؤكد السليمان أن تمكين المرأة أسهم في تعزيز دورها كشريك فاعل في التنمية المجتمعية، من خلال حضورها المتزايد في القطاعات التعليمية والاقتصادية والتقنية، بما يدعم الابتكار وريادة الأعمال ويعزز مساهمتها في صناعة مستقبل التنمية المستدامة في المملكة. القيادة والمسار المهني في قراءةٍ لمسار التحولات المهنية التي شهدتها المرأة السعودية خلال السنوات الأخيرة، تتحدث د. غادة السالم، المتخصصة في التعليم العالي والتسويق الأكاديمي، عن أثر الإصلاحات التي رافقت إطلاق رؤية السعودية 2030 في إعادة تشكيل حضور المرأة في بيئة العمل، حيث ترى أن السنوات التسع الماضية شهدت تحولاً استراتيجياً في حضور المرأة السعودية داخل المؤسسات، حيث انتقل دورها من الأدوار النمطية إلى مواقع القيادة التنفيذية والعليا، في ظل نظم حوكمة مهنية تقوم على الجدارة والكفاءة. وتؤكد أن هذا التحول انعكس بوضوح على إدارة المسار المهني للمرأة، التي بات تقدمها الوظيفي يرتكز على امتلاك المهارات القيادية والقدرة على تحقيق النتائج. وتضيف السالم أن مبادرات تمكين المرأة المرتبطة بالرؤية أسهمت في تعزيز ثقة المرأة بقدراتها المهنية، وشجعتها على دخول مجالات جديدة في سوق العمل، إلى جانب التوسع في الحصول على الشهادات الاحترافية والاعتمادات الدولية التي رفعت من تنافسيتها في مختلف القطاعات. وترى أن المرحلة المقبلة تتطلب من المرأة السعودية الاستثمار في مهارات القيادة الاستراتيجية وإدارة المشاريع والتحول المؤسسي، إلى جانب الكفاءة الرقمية والتحليلية وصناعة القرار المبني على البيانات، وهي مهارات تتيح لها الانتقال من الاستفادة من الفرص إلى صناعة الفرص داخل اقتصاد معرفي متطور.